موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
ما وراء تراجع الحماس الأمريكي لصفقة القرن؟

د.صالح النعامي

8/3/2018

بدا حماس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لمشروع التسوية الذي عكفت عليه إدارته في الأشهر الماضية لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والذي يطلق عليه "صفقة القرن" دون جدية وحماس أنظمة الحكم العربي التي أوعزت لها واشنطن بالضغط على الفلسطينيين بقبولها.

ففي أعقاب اللقاء الذي جمع الليلة قبل الماضية كلا من ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تباهى الأخير، بشكل تظاهري، بأن مضيفه الأمريكي لم يعرض عليه أية مسودة لصفقة القرن، ولا أي جدول زمني لتحقيق مثل هذه التسوية.

 نتنياهو، الذي بدا مرتاحا لعدم جدية ترامب في دفع المشروع، قال بخفة وبلهجة تعبر عن استخفافه بالفلسطينيين ومشاريع التسوية المتعلقة بحل الصراع معهم: " الوقت الذي استغرقه الحديث عن الفلسطينيين لم يتجاوز ربع الساعة".

 ترامب، من ناحيته لم يوافق فقط على ما قاله نتنياهو، بل أنه تبنى الرواية الإسرائيلية، التي تحمل الفلسطينيين المسؤولية عن الطريق المسدود الذي وصلت إلي، عندما قال إنه "في حال لم يرغب الفلسطينيون في التسوية فلن تكون هناك تسوية".

مؤشرات الفتور الأمريكي الإسرائيلي إزاء صفقة القرن تتناقض مع الجدية التي تعاملت بها مع الصفة نظاما الحكم في السعودية ومصر.  ففي الوقت الذي كشف عضو تنفيذية منظمة التحرير أحمد المجدلاني عن طابع الضغوط التي مارسها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان على رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لقبول الصفقة، كشفت وسائل إعلام أمريكية وإسرائيلية النقاب عن أن بن سلمان حاول اغراء عباس بالتخلي عن القدس وقبول "أبو ديس" عاصمة للدولة الفلسطينية؛ في حين ذهب نظام السيسي أبعد من ذلك عندما حاولت مخابراته الترويج لفكرة قبول رام الله كعاصمة لهذه الدولة، كما كشفت تسريبات صوتية عرضتها قنوات تابعة للمعارضة المصرية.

للوهلة الأولى، بدا إفصاح ترامب ونتنياهو عن هذا المستوى من الاستخفاف إزاء صفقة القرن مستهجنا حيث أن تطبيق هذا الصفقة كان يعني عمليا تصفية القضية الوطنية الفلسطينية. لكن نظرة متفحصة تدلل على أن هناك مؤشرات أولية على أن المسوغ الرئيس الذي دفع ترامب وإدارته للترويج هذه الصفقة لم يعد قائما.

فترامب، الذي لم يتردد خلال حملته الانتخابية في تبني مواقف اليمين الإسرائيلي من القضية الفلسطينية، لم يكن معنيا بحل الصراع، انطلق، عندما تولى الرئاسة، في محاولته دفع هذه الصفقة من افتراض مفاده أن حل الصراع يسمح بتوفير بيئة تضمن تحقيق مصالح واشنطن في المنطقة بأقل قدر من الموارد الذاتية الأمريكية. ونظرا لأن مواجهة الخطر الإيراني يعد إحدى أولويات إستراتيجية الأمن القومي التي أعلنت عنها إدارة ترامب قبل شهرين، فان هذه الإدارة رأت أن أحد المتطلبات الرئيسة لتحقيق هذا الهدف يتمثل في تعاون صريح بين إسرائيل والدول العربية.

لكن إدارة ترامب كانت تعتقد أن نقل العلاقة بين إسرائيل والدول العربية إلى طور التحالف والشراكة العلنية، سيما مع السعودية والإمارات ونظام السيسي، يتطلب توفير بيئة تسمح برفع الحرج عن أنظمة الحكم في هذه الدول وذلك من خلال حل طرح مبادرة لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فكان الترويج لصفقة القرن.

إن السؤال الذي يطرح نفسه: ما الذي جعل كلا من واشنطن وتل أبيب أقل حماسا لدفع صفقة القرن، على الرغم من أنها تمثل تبنيا لمواقف اليمين الإسرائيلي؟.

هناك عدة أسباب يمكن رصدها لتفسير السلوك الأمريكي الإسرائيلي، وهي:

أولا: تبدي أنظمة الحكم العربية، سيما في السعودية، مؤشرات أولوية على أن حل الصراع لم يعد متطلبا مسبقا قبل القيام بخطوات تؤسس للتطبيع مع إسرائيل وتمهد لانتقال العلاقة معها من السر للعلن. وقد وجد هذا التحول تعبيره في إعلان نتيناهو قبل يومين بأن السعودية وافقت فعلا على السماح لطائرات الخطوط الجوية الهندية المتجهة لإسرائيل بالتحليق في الأجواء السعودية، وذلك بخلاف نفي الرياض لحدوث هذا التطور قبل شهرين.

ثانيا: على الرغم من أهمية الإجماع الفلسطيني على رفض الصفقة، فأن عدم إسناد الفلسطينيين بموقف عربي رسمي داعم وفر بيئة سمحت لإدارة ترامب وحكومة نتنياهو بالشروع في تطبيق بعض بنود صفقة القرن انتقائيا وبشكل أحادي الجانب ودون أن يتم تقديم هذه الخطوة على أساس أنها جزء من الصفقة، مما قلص من قيمتها. ولعل أوضح مؤشر على هذا التوجه الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب للقدس، وتأكيد ترامب خلال مؤتمر دافوس الأخير بأن قضية المدينة باتت خارج التفاوض. إلى جانب الدفاع الأمريكي عن بقاء المستوطنات في جميع أرجاء الضفة الغربية، كما عبرت عن ذلك مؤخرا تصريحات السفير الأمريكي في تل أبيب دفيد فريدمان، الذي رفض تفكيك المستوطنات بحجة أن مثل هذا التطور يمكن أن يفضي إلى حرب أهلية إسرائيلية.

ثالثا: تراجع الرهان الأمريكي الإسرائيلي على عوائد الشراكة مع السعودية في مواجهة إيران بسبب طابع السياسات الإشكالية التي يتبناها بن سلمان، سواء على صعيد حرب اليمن والأزمة الخليجية. وقد تواترت الدراسات التي صدرت عن "مركز أبحاث الأمن القومي" الإسرائيلي التي تحذر من أن مؤشرات الفشل التي تتسم بها سياسات بن سلمان قد تفضي إلى بلورة بيئة إقليمية أقل موائمة للمصالح الإسرائيلية.

رابعا: التحولات الداخلية الأمريكية، وحالة انعدام اليقين التي تسود واشنطن بسبب تبعات التحقيقات في التدخل الروسي في الانتخابات والشبهات التي تدور حول أنماط السلوك الإشكالي لمقربي ترامب الأكثر ارتباطا بصفقة القرن، سيما مستشار ترامب وصهره جارد كوشنر.

 

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر