موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
صفعة أمريكية للاهثين خلف صفقة القرن

د.صالح النعامي

12/3/2018

مثل كشف الإعلام الصهيوني خفايا ما تم في اللقاء الذي جمع رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأسبوع الماضي في البيت الأبيض إسهاما مهما في تعرية الموقف الصهيوأمريكي وفضح أنماط الاستخفاف التي تتعاطى به تلك أبيب وواشنطن مع العرب الذين يتعاونون معهما في ترويج الأفكار والمشاريع الهادفة لتصفية القضية الفلسطينية، والتي يطلق عليها "صفقة القرن".

فبخلاف كل التوقعات تبين بالدليل القاطع من خلال الكشف عن فحوى ما جاء في هذا اللقاء بأن جدية كل من تل أبيب وواشنطن إزاء الأفكار التي اصطلح على تسميتها "صفقة القرن" أقل بكثير من جدية بعض أنظمة الحكم العربية التي بدت متحمسة لدفع هذه الصفقة.

فقد تباهى نتنياهو بأن ترامب لم يعرض عليه أية مسودة لتسوية الصراع ولا جدول زمني لتحقيقها، ناهيك عن أنه قال بخفة واستخفاف إن الوقت الذي خصص للحديث عن الفلسطينيين لم يمتد أكثر من ربع ساعة!!!.

تكمن المفاجأة المدوية الأخرى في حقيقة  أنه تبين أن اللقاء بين ترامب ونتنياهو تطرق بشكل كبير لطلب الأخير بعدم تزويد الدول العربية، سيما تلك التي ينشغل حكامها بمحاولة دفع صفقة القرن، بإمكانيات عسكرية نوعية.

إن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا إذن تحرص بعض الأنظمة العربية على محاولة تسويق بعض الأفكار المنتمية لـ "صفقة القرن"، سيما تلك التي تؤسس لتنازل الفلسطينيين عن القدس.

فلو تجاوزنا الاعتبارات القومية والأخلاقية والقيمية التي كان يفترض أن توجه نظم الحكم العربية في كل ما يتعلق بالتعاطي مع القضية الفلسطينية، فأن ما صرح به نتنياهو يعني أن إدارة ترامب وحكومة اليمين المتطرف في تل أبيب تستخفان بهذه الأنظمة بشكل كبير.

إن محاولة فهم أسباب تراجع الحماس الأمريكي الإسرائيلي لصفقة القرن يعيدنا إلى التذكير بوظيفة هذه الصفقة في الإستراتيجية الأمريكية، حيث أن ترامب حرص على الترويج لهذه الصفقة لأنه أدرك أن الحفاظ على المصالح الأمريكية في المنطقة يقوم بالأساس على تعاون علني وشراكة واضحة بين إسرائيل والدول العربية.  ومن أجل رفع الحرج عن هذه الأنظمة ولتمهيد الطريق أمامها للتطبيع مع الكيان الصهيوني، كان يتوجب التوصل لصفقة يمكن أن توفر حلا للقضية الفلسطينية بمقاس اليمين الصهيوني، فكان الحديث عن صفقة القرن.

لكن المفاجأة تمثلت في أن بعض أنظمة الحكم العربية التي لا تقيم علاقات دبلوماسية مع تل أبيب باتت تبدي مؤشرات أولوية على أن حل الصراع لم يعد متطلبا مسبقا قبل القيام بخطوات تؤسس للتطبيع مع إسرائيل وتمهد لانتقال العلاقة معها من السر للعلن. وقد وجد هذا التحول تعبيره في الكشف عن لقاءات جمعت في القاهرة مؤخرا ممثلي بعض هذه الأنظمة وإسرائيل.

إلى جانب ذلك، فأن عدم إسناد الفلسطينيين بموقف عربي رسمي داعم وفر بيئة سمحت لإدارة ترامب وحكومة نتنياهو بالشروع في تطبيق بعض بنود صفقة القرن انتقائيا وبشكل أحادي الجانب ودون أن يتم تقديم هذه الخطوة على أساس أنها جزء من الصفقة، مما قلص من قيمتها. ويعد الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب للقدس، وتأكيد ترامب خلال مؤتمر دافوس الأخير بأن قضية المدينة باتت خارج التفاوض، من أوضح الخطوات على هذا التوجه.

في الوقت ذاته، فأن واشنطن تقدم بطاقات إئتمان إضافية للكيان الصهيوني تحقق ما تبقى من بنود صفقة القرن، مثل تصريحات السفير الأمريكي في تل أبيب دفيد فريدمان، الذي رفض تفكيك المستوطنات بحجة أن مثل هذا التطور يمكن أن يفضي إلى حرب أهلية إسرائيلية.

ولا يمكن أيضا تجاهل حقيقة أن تل أبيب باتت تقلل من الدور الذي يمكن أن تلعبه أنظمة الحكم العربية، سيما في الخليج في تحقيق المصالح الصهيونية، بسبب تورط هذه الأنظمة في صراعات إقليمية دللت على محدودية فاعليتها، كما يحدث في اليمن. ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى ما التقديرات الصادرة عن محافل التقييم الإستراتيجي في تل أبيب والتي تحذر من أن الدول التي تديرها هذه الأنظمة قد تنتهي إلى دول فاشلة بسبب الطابع الإشكالي للسياسات التي تتبناها.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر