موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
حماس.... الاعتذار عن تشكيل الحكومة يجب أن يكون وارداً
من البديهي عندما تجرى انتخابات ويحل حزب محل آخر في الحكم، أن تتعاون مؤسسات الدولة السيادية من أجل تسهيل عملية انتقال الحكم للحزب الفائز، على اعتبار أن هذا الواجب يمليه الدستور والقانون. ومن المفترض أن يقبل القائمون على هذه المؤسسات على أداء هذا الواجب الدستوري بحماسة كبيرة احتراماً لارادة الشعب الحرة، وضماناً لتوفير كل الامكانيات من أجل تحقيق هذه الإرادة. يفهم المرء أن تتواطأ أطراف خارجية وحتى اقليمية عربية مع دولة الاحتلال في محاولتها لافشال حركة حماس التي انتخبها الشعب الفلسطيني باغلبية كبيرة لتصريف شؤونه، لكن الذي لا يمكن أن يفهم هو أن تتواطأ المؤسسات السيادية في السلطة الفلسطينية من أجل تمكين العدو من مبتغاه. لقد نشرت الصحافة الإسرائيلية والإمريكية مؤخراً العديد من التقارير حول مخططات لافشال حكومة حماس المقبلة، وكان أحد السيناريوهات المقترحة لتحقيق هذا الهدف هو ألا يتم دفع اموال الدعم الخارجي عبر الحكومة القادمة ووزاراتها، بل عبر ديوان الرئاسة، وبالأمس تمت هذه الخطوة فعلاً، وتم الاتفاق بين الرئيس ابو مازن والمبعوث الأمريكي ديفيد وولش على أن يتم دفع المساعدات الأمريكية عبر مكتب الرئيس، بالطبع فأن ابو مازن يعي قبل غيره أن الهدف من هذه الخطوة هو اضعاف الحكومة القادمة واحراجها، كما يعلن الامريكيون والاسرائيليون ذلك صباحاً مساءاً.على ما يبدو، فأن دول الاتحاد الاوروبي ستسير في أثر الادارة الأمريكية، ولا يمكن استبعاد أن تحذو الدول العربية حذو واشنطن ايضاً. وهنا قضية تحتاج الى توضيح من مؤسسة الرئاسة، وعليها يتوقف الحكم على توجهات هذه المؤسسة في المرحلة القادمة. فهل ستحول مؤسسة الرئاسة أموال الدعم الى وزارات الحكومة لكي تقوم بواجباتها ووظائفها المختلفة، أم أن هذه المؤسسة ستنشئ عملياً وزارات بديلة تتولى عملية انفاق هذه الأموال على المشاريع المختلفة، وذلك لتقليص هامش العلاقة بين الحكومة والجمهور. واضح تماماً أنه في حال تحقق الاحتمال الثاني، فأن الأمر يدل على أن هناك مؤامرة لافشال الحكومة المنتخبة واحباط عملها. أن أحداً لا يقترح الاعتذار عن أموال الدعم لمجرد أنها ستأتي عن طريق مكتب الرئيس، لكن في نفس الوقت يجب ألا يعني ذلك أن يحل مكتب الرئيس محل وزارات الحكومة ومؤسساتها بحيث تصبح مجرد ديكور، من هنا يتوجب الانتباه الى هذه النقطة بمنتهى الجدية لما لها من دلالات فارقة. لكن محاولة افشال الحكومة القادمة لا تنحصر فيما تقدم، فقيام مؤسسة الرئاسة باستعادة الاشراف على مؤسسات هيئة الاذاعة والتلفزيون، بعد أن كان من اختصاص الحكومة ووزارة الاعلام تحديداً، هو مؤشر آخر على توجه حقيقي لافشال الحكومة القادمة. فمعنى ذلك أن يواصل تلفزيون فلسطين تشويه صورة حركة حماس وتشنيع صورة رئيس الحكومة المنتخب، ووزرائه، كما يحدث حالياً. هذه سابقة قلما كان لها في التاريخ مثيلاً، أن يتولى الاعلام الرسمي مهاجمة الحكومة، ليس من باب الموضوعية، بل من باب لعب دور في مخطط كبير للالتفاف على ارادة الجمهور. وماذا يعني أن يتم نقل صلاحية الاشراف على المؤسسة الأمنية من الحكومة الى مؤسسة الرئاسة، وحتى الأجهزة الأمنية التي ستبقى من ناحية نظرية تحت اشراف الحكومة مثل الشرطة وجهاز الأمن الوقائي، هل ستلتزم بتوجيهات الحكومة وسياستها، أم أنها ستخضع لتوجيهات الرئاسة فقط، مع العلم أن هذين الجهازين يتعاملان مع قضايا بالغة الأهمية على الصعيد الداخلي وبالذات على صعيد وضع حد لحالة الفلتان الأمني، التي وعدت الحكومة بوضع حد لها. واذا اضفنا الى ذلك تعيين الاف الاشخاص في مؤسسات السلطة المدنية والعسكرية في الفترة الانتقالية التي تبعت فوز حركة حماس، مع كل ما يمثله ذلك من عبء مالي، و فقط من أجل تقليص هامش المناورة امام الحكومة الجديدة. لكن اخطر من كل ذلك هو ما ورد في كتاب التكليف الذي سلمه الرئيس لرئيس الوزراء المكلف اسماعيل هنية، حيث اشترط فيه عملية التكليف بالالتزام بما ورد في خطاب ابو مازن أمام المجلس التشريعي الجديد، سيما فيما يتعلق بالتزامات السلطة وغيرها. طبعاً مع علم أبو مازن أن حماس فازت في الانتخابات التشريعية بناء على برنامج آخر ومختلف. أن حركة حماس مطالبة بالحوار مع الرئيس ابو مازن وبذل أقصى الجهد من اجل التوصل لقواسم مشتركة معه، لكن اذا تبين للحركة أن الرئيس ليس معنياً بتوفير الظروف اللازمة لانجاح عمل الحكومة، فعليها أن تعتذر عن تشكيل الحكومة بدون تردد، وأن تصارح شعبها بذلك، وتقوم بوضع النقاط عن الحروف، لكي يعرف الشعب من المسؤول عن افشال خياره الحر، ومحاسبته.
مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر