موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
الحياة في غزة بعد الانسحاب

الشرق الاوسط
لا يتردد عدنان، 37عاماً، في استشارة كل من يقابله من معارف وأصدقاء حول قائمة من المشاريع ينوي استثمار تحويشة عمره في احدها. فهذا الشاب الذي يقطن في مخيم اللاجئين «المغازي» الواقع وسط قطاع غزة يعي أنه آجلاً أم عاجلاً لن يكون بامكانه مواصلة العمل في اسرائيل، بعدما تم تنفيذ خطة «فك الارتباط»، لذا من الأجدى له افتتاح مشروع ما لإعالة اسرته واشغال وقته. ليس عدنان الوحيد هو الذي وصل لهذا الاستنتاج، بل معظم الفلسطينيين، الذين كانوا يعملون في اسرائيل حتى تنفيذ «فك الارتباط»، يؤمنون بأن قرار اسرائيل بقطع العلاقة مع قطاع غزة بعد تفكيك المستوطنات الاسرائيلية يعني في ما يعني عدم تمكين الفلسطينيين من العمل في اسرائيل. ووفق نص خطة «فك الارتباط»، فإن الدولة العبرية لن تسمح للفلسطينيين بالعمل فيها بعد حلول عام 2006. بكلمات اخرى، خطة «فك الارتباط» ستؤدي الى تفاقم مشكلة البطالة في قطاع غزة، بشكل لم يسبق له مثيل، مع العلم بأن ادنى مستوى للبطالة في الاراضي الفلسطينية يصل الى 40%، في حين أن بعض المعطيات تؤكد أن البطالة تتجاوز الـ 60% من حجم القوى العاملة. عصام يونس، مدير مركز «الميزان» لحقوق الانسان ومقره غزة قال لـ«الشرق الأوسط»، إن قطاع غزة حتى عام 2010 يحتاج الى 250 ألف فرصة عمل، من أجل الحفاظ على مستوى البطالة الحالي، وعدم الاندفاع نحو مزيد من التدهور. لا يرى يونس أي امكانية لقدرة السلطة على توفير هذا العدد الكبير من الوظائف، بسبب الضائقة الاقتصادية التي تعيشها، وبسب قلة الموارد وسوء ادارتها المالية ومظاهر الفساد التي تعتريها. ويضيف يونس الذي أعد دراسة حول تأثيرات خطة «فك الارتباط»، أن دولة الاحتلال صاغت الواقع في الاراضي الفلسطينية منذ احتلالها في عام 1967، من اجل تكريس ارتباط الاقتصاد الفلسطيني بعجلة الاقتصاد الاسرائيلي. وينوه بان اسرائيل عملت على القضاء على الصناعة عن طريق اعاقة التصدير والاستيراد، وألحقت اضرارا كبيرة بالزراعة عن طريق مصادرة الأراضي واعاقة تصدير المحصولات الزراعية الفلسطينية للخارج، الامر الذي جعل الفلسطينيين يتجهون لسوق العمل الاسرائيلي كخيار وحيد. ويشير يونس الى أن انضمام مزيد من الفلسطينيين للعاطلين عن العمل يعني تفاقم ظاهرة الفقر في مناطق السلطة الفلسطينية، حيث تبلغ نسبة الفقر 60%، مع العلم بأن خط الفقر يحدد بأن تكسب العائلة الفلسطينية أقل من دولارين في اليوم الواحد. ويقدر تقرير صادر عن مؤسسة «راند» الأميركية للابحاث، ان حجم الاستثمارات المطلوبة للدولة الفلسطينية خلال العقد الأول من عمرها، بنحو 33 بليون دولار، لتغطي قطاعات حياتية شتى، تشمل التعليم والصحة والتنمية الاقتصادية والأمن، وغيرها .وذكر التقرير أن المبلغ ضروري لتنفيذ سلسلة من البرامج والمشاريع، واتخاذ مجموعة من الخطوات لتحسين حياة المواطنين الفلسطينيين خلال السنوات العشر الأولى من إقامة الدولة، مما يشكل معدلاً سنوياً قدره زهاء 760 دولارا للفرد، «وهو مستوى مساو لجهود بذلت في الآونة الأخيرة لبناء الدولة». من ناحيته يرى الدكتور محمد السبعاوي، رئيس مجلس ادارة شركة «الاتحاد للاعمار والاستثمار»، ومقرها في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن تعافي الاقتصاد الفلسطيني يتطلب تشجيع الاستثمارات من الخارج وتوفير الظروف التي تسمح بتدفقها. ويعتبر السبعاوي ان تنفيذ خطة فك الارتباط قد تساهم في تدفق الاستثمارات العربية تحديداً لقطاع غزة. ويشير الى انه في حال اصبحت المعابر الحدودية بين مصر وقطاع غزة تحت السيادة الفلسطينية، فان هذا سيدفع المستثمرين العرب للقدوم للاستثمار في مناطق السلطة الفلسطينية. ويشير السبعاوي الى اهمية وجود بنية قانونية تساعد على تشجيع الاستثمار في مناطق السلطة الفلسطينية. كما يرى الخبير الاقتصادي فضل النقيب ان من العوامل التي ستساعد على جذب الاستثمارات لمناطق السلطة الفلسطينية، هو اندماج الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد العربي، منوها باهمية التكتلات الاقتصادية الاقليمية لاحداث التنمية الاقتصادية في الدول المتكتلة. واعتبر ان من النتائج الأولى لهذا الاندماج، التخلص من تبعية الاقتصاد الفلسطيني لاسرائيل. اما الباحث الاقتصادي محمد السمهوري، فشدد على ضرورة ادراك المفاوض الفلسطيني، الذي ينشغل بالتفاوض مع الجانب الاسرائيلي، اهمية أجندة العمل الاقتصادي التنموي. وقال «ما لم يدرك المفاوض السياسي الفلسطيني الاثار الاقتصادية للسياسات الاسرائيلية، فقد يحصل على نتائج تنعكس سلباً على الاقتصاد الفلسطيني». وأضاف ان الاجراءات الاسرائيلية اليومية، التي تعرض لها المجتمع الفلسطيني «كان لها الدور الاقوى في الحد من قدرة القطاع الخاص الفلسطيني على ان يقوم بلعب الدور الريادي الذي كان مطلوباً منه في قيادة الاقتصاد الفلسطيني والانطلاق به نحو النمو المستدام». وأضاف ان الاجراءات الاسرائيلية ساهمت في الحد من فعالية المساعدات الاجنبية، التي تم تقديمها خلال الفترة الماضية. اما الدكتور سمير عبد الله مدير معهد «ماس» للبحوث الاقتصادية، فاشار الى شرط اساسي من شروط احداث التنمية، ويتمثل في ايجاد قاعدة اقتصادية كفيل بتثبيت المواطنين الفلسطينيين على ارضهم، وصيانة تماسكهم الاجتماعي، اضافة الى تحسين مستوى المعيشة. وفي ما يتعلق بتوظيف المساعدات الخارجية في التنمية، يقترح الدكتور نصر عبد الكريم استاذ الاقتصاد في جامعة النجاح الوطنية بنابلس القيام ببعض الاجراءات للاستفادة من هذه المساعدات منها: مأسسة التنسيق في اداراتها بين مؤسسات السلطة نفسها ومؤسسات المجتمع المدني.

غير ان عبد الكريم دعا الى تحديد النظرة لهذه المساعدات بوصفها مؤقتة وغير مضمونة، تستوجب من الفلسطينيين بذل اقصى درجة ممكنة من الحكمة والكفاءة في استغلالها عند توفرها.

يدفع واقع العمالة البائس الكثير من الشباب الفلسطيني للتفكير في الهجرة لاوروبا، والذي منع الكثيرين منهم، حتى الان، من القيام بذلك كان القيود الاسرائيلية على حركة السفر عبر المعابر الحدودية، ويتداول الشباب بسرعة بعض قصص النجاح التي حققها بعض الفلسطينيين الذين هاجروا في العقد الأخير لعدد من الدول الاوروبية، وبالذات في الدول الاسكندنافية، مع أنه الى جانب هذه النجاحات كانت معظم محاولات الشباب الفلسطيني للاندماج في سوق العمل تؤول للفشل، وكان يلقى بهم في السجن ويضطرون للعودة خاويي الوفاض. وهناك من الفلسطينيين من يحلم بأن تفتح سوق العمل العربية وبالذات في دول الخليج ابوابها بعد تنفيذ خطة «فك الارتباط». هناك الكثير من الاشاعات التي انتشرت مؤخراً في قطاع غزة، تحديداً حول نية بعض الدول الخليجية التعاقد مع الاف الفلسطينيين للعمل فيها بعد استكمال اسرائيل خطة «فك الارتباط».

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر