موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
فلسطين..... هل بهذه الجاهلية يتم التحرير؟؟!!!
بينما كان الشاب يتحاور مع زبائنه حول اسعار الخضار والفاكهة التي يعرضها على بسطته، فإذا بثلاثة شباب يطلقون النار على رأسه من الخلف، ليسقط الشاب غارقاً في دمائه وسط صيحات عشرات النساء والأطفال الذين كان يعج بهم سوق معسكر المغازي للاجئين، وسط قطاع غزة. كأحد الذين تزامن وجودهم في ذلك السوق أثناء وقوع هذه الجريمة النكراء قبل اسبوعين، حاولت الاستفسار عن خلفية عملية القتل، فتبين لي أن القتلة هم أبناء عم القتيل، وقد أقدموا على قتله ثأراً لأخيهم. قد تبدو الأمور – على مأساويتها – طبيعية حتى هذه النقطة، لكن الطامة الكبرى عندما تبين أن القتيل لا علاقة له بقتل شقيق هؤلاء الشباب، بل أن القاتل هو اخوه. لكن لما كان هذا القاتل معتقل في السجن، قام اخوته بقتل اخيه بائع الخضار والفاكهة المتجول في الأسواق ثأراً لدم اخيهم. هذا الحادث المأساوي ينضم الى عدد كبير من جرائم القتل التي تمت في قطاع غزة مؤخراً على خلفية الأخذ بالثأر، و التي تعكس تحرك المجتمع الفلسطيني بخطى ثابتة نحو جاهلية مقيتة تتقزم ازائها الجاهلية الأولى. شخص يقتل آخر لهذا السبب أو ذاك، فما يكون من عائلة القتيل، إلا أن تقوم باحراق منازل جميع افراد عائلة القاتل وتخرب ممتلكاتهم، بالطبع بعد تشريدهم رجالاً ونساءاً وأطفالاً ليتطفلوا على هذا أو ذاك. ازدياد مريع في عدد جرائم القتل التي تحدث على خلفية الأخذ بالثأر تأتي في ظل تعاظم حالة الفوضى والفلتان الأمني التي نحياها في الضفة الغربية وقطاع غزة بشكل واضح منذ عامين، حوادث السرقة والسطو المسلح وغير المسلح والاعتداء على الممتلكات العامة والاختطاف من أجل الابتزاز، والاعتداء على الناس لمجرد أنهم تجرأوا على الادلاء بآراء لم يقبل بها البعض، وغيرها من مظاهر الفوضى والتيه التي يغرق فيها هذا المجتمع. هذا الواقع قلص الى حد كبير شعور المواطن الفلسطيني بالأمن الشخصي، مع كل التبعات المترتبة على ذلك. ومع كل ذلك فأنه لا يوجد أي مؤشرات على أننا نتجه حتى لمواجهة هذا الخطر الذي يدفعنا بقوة للوراء الى أزمنة سوداء سحيقة. أزمنة لا يستطيع أهلها النهوض بمشروع التحرر من المحتل، و الذي يتطلب مقومات نقيضة تماماً لتلك المقومات و" المؤهلات " التي اصبحنا نجيدها، مع كل أسف. المثير للقرف والاستفزاز في آن معاً هو أن السياسيين لدينا لا يرون في هذا الواقع المرير والكارثي مبرراً للتحرك الفعلي لانهائه، وليس مجرد دفع ضريبة كلامية عندما يتمسمرون مزهوين أمام كاميرات التلفزيون. أن الذي يكشف نفاق الطبقة السياسية لدينا هو ما يجري في الاتصالات لتشكيل الحكومة الجديدة، فهم يتجادلون كثيراً حول قضايا الاعتراف بإٍسرائيل واحترام التزامات السلطة تجاه الدولة العبرية التي لا تلقي بالاً لأحد، وفي نفس الوقت لا يجدون في محاربة الجاهلية الجديدة مسوغاً للالتقاء والتفاهم. أن على حركتي " حماس " " فتح " الاتفاق وبسرعة على تشكيل حكومة طوارئ وطنية لمدة عام فقط أو حتى أقل من ذلك ، لا يتطرق برنامجها الى القضايا الخلافية على المستوى السياسي، ويكون على رأس أولويات هذه الحكومة مواجهة حالة الفلتان الأمني والضياع التي يعيشها هذا المجتمع، بحيث يتم انجاز هذا الهدف بعد وضع أسس واضحة لفرض النظام واحترام القانون، وضبط السلاح وفق رؤيا تكفل السلم الأهلي، ومحاربة العائلات المستغولة. لن تقع السماء اذا تم تأجيل الحسم في القضايا السياسية الخلافية لبعض الوقت، وحتى يكون اعترافنا بإسرائيل أو عدمه ذو قيمة لدى الدولة العبرية علينا أن نثبت أن لدينا مجتمعاً قادر على حمل تبعات التحرير.
مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر