موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
الفلسطينيون والإخلاء.. موسم الأهداف الذاتية

مرة أخرى يأبى العقل العصبوى العشائري الذي يتحكم في الساحة الفلسطينية إلا أن يحول الإنجاز إلى تراجع، والمغانم إلى خسائر، والانتصارات إلى هزائم، في محاولة كل طرف من الأطراف في هذه الساحة لإثبات أنه صاحب اليد الطولي في تحقيق هذه الانجازات وتلك المكاسب.

وإذا كان ثمة من يبحث عن دليل على هذا الاستنتاج، فإن الأداء الإعلامي للسلطة والفصائل الفلسطينية قبل وأثناء تنفيذ خطة "فك الارتباط"، يشكل البرهان على ما بات "يتقنه" هذا العقل بامتياز.

صحيح أن المقاومة الفلسطينية قد حققت إنجازاً تاريخياً بمساهمتها في دفع الدولة العبرية إلى إخلاء مستوطناتها من أرض فلسطينية خارج نطاق التسويات السياسية لأول مرة في تاريخ الصراع، لكن احتفالات كل من السلطة والفصائل بالنصر الذي تحقق ساعد إسرائيل في تحقيق بعض رهاناتها السياسية والإستراتيجية بالغة الخطوة.

وفي حال ما إذا نجحت الدولة العبرية في تحقيق كل هذه الرهانات، فإن هذا الانتصار النسبي للمقاومة سيقود إلى نكبة فلسطينية جديدة.

لقد بثت شاشات التلفاز في كل أرجاء العالم السجالات حامية الوطيس التي دارت وتدور بين فصائل المقاومة في غمرة التنافس بينها للفوز بلقب من ينسب له الفضل الأكبر في تحقيق هذا الانجاز.

وفي معرض هذا التنافس المرضي العقيم، أهدت هذه الفصائل رئيس الوزراء الإسرائيلي أرئيل شارون "نصرا" إعلاميا من الطراز الأول.

لقد وقفت هذه الفصائل إلى جانب إسرائيل في جدلها مع الكثير من المنظمات القانونية الفلسطينية والدولية وحتى الإسرائيلية التي تؤكد أن على إسرائيل تحمل مسؤولياتها إزاء قطاع غزة كدولة احتلال حتى بعد استكمال "فك الارتباط"، بسبب بقاء مظاهر الاحتلال، إذ أن إسرائيل ستواصل السيطرة على أجواء القطاع ومياهه، وتفرض رقابة أمنية على معابره الحدودية، فضلاً عن فرض قيود قاسية جداً على عمل مطار عزة ومينائها.

لكن الفصائل في معرض التراشق بينها، اعتبرت إخلاء مستوطنات القطاع "تحريرا"، ونهاية للاحتلال، ولا عجب عندئذ في أن تقدم الحكومة الإسرائيلية طلبا لمجلس الأمن الدولي لاعتبار تنفيذ خطة "فك الارتباط" نهاية احتلالها لقطاع غزة، واعتبار ذلك تطبيقاً لقرار مجلس الأمن 242 الذي يتحدث عن وجوب انسحاب إسرائيل من أراضي احتلتها في العام 67.

وفي مقابل صور الابتهاج الفلسطيني – بالتحرير الذي لم يقع – شاهد العالم ما رغبت الحكومة الإسرائيلية في أن يشاهده في الجانب الإسرائيلي وهو صور معاناة المستوطنين المصطنعة والمفبركة، حين قدمهم الإعلام الإسرائيلي والدولي على أنهم أناس أبرياء "يقتلعون" من منازلهم وهم يبكون، يقودهم جنود الاحتلال إلى الحافلات بوقار وسكينة.

لقد حرص الذين أداروا الحملة الإعلامية الإسرائيلية على إخفاء صورة المستوطن كمغتصب ومعتد، وحققت إسرائيل من خلال الصور التي بثت من المستوطنات التي أخليت عدة أهداف.

فمن ناحية أثبتت هذه المشاهد للكثيرين في العالم أن شارون كان "صادقا" عندما وعد بتقديم "تنازلات مؤلمة"، وأنه من أجل وفائه بهذا التعهد، كان مستعدا لـ "إيذاء" المستوطنين الذين ينتمون إلى نفس المعسكر الفكري الذي ينتمي إليه.

وينوي شارون توظيف الانطباع الكاذب الذي تولد بفعل هذه الصور في أعمال الجمعية العمومية للأمم المتحدة وإلقاء كلمة أمامها.

وحسب مصادر مكتب شارون فإن هناك شكا في إمكان الاستجابة لجميع الطلبات التي تقدمت بها الدول المختلفة لعقد لقاء بينه وبين قادتها على هامش اجتماعات الجمعية العمومية.

وقد جنت إسرائيل في وقت مبكر وبأسرع مما كان متوقعاً ثمار معركة الصورة، فكان التهافت على التطبيع معها، الذي وصل أوجه بإعلان باكستان عن إقامة علاقات دبلوماسية معها، مع العلم أن وزارة الخارجية الإسرائيلية تؤكد أن عدداً من دول المغرب والخليج العربي في طريقها لاستئناف العلاقات الدبلوماسية مع الدولة العبرية.

وتنوي الدولة العبرية استنفاد قوة الدفع الناجمة عن "فك الارتباط" في إحداث نقلة نوعية في التعاون الأمني بينها وبين الدول العربية والإسلامية.

ومن المفارقات أن المشاهد التي بثت من المستوطنات جعلت إحدى المؤسسات الإعلامية الإيطالية ترشح شارون، ذلك الجزار في قبية وصبرا وغيرهما، لجائرة نوبل للسلام، في مشهد يشي باستحالة المأساة إلى ملهاة.

مع أنه لا خلاف على أن شارون أقدم على تنفيذ خطة "فك الارتباط" في إطار إستراتيجيته القائمة على إدارة الصراع لا حله، من خلال التضحية بالاستيطان في القطاع الذي فقد أهميته الإستراتيجية، من أجل تعزيز الاستيطان في الضفة.

لقد محت الصور التي وثقت إخلاء المستوطنين ذاكرة الرأي العام العالمي، كما محت التصريحات التي أطلقها شارون وقال فيها صراحة إن خطة "فك الارتباط" تأتي لتجنيب إسرائيل خوض غمار أي تسوية سياسية لمدة خمسين عاماً، ونسي العالم أن هذه الخطة تأتي لتصفية قرارات الشرعية الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية.

لم يعد أحد يتذكر العبارة الشهيرة التي أطلقها دوف فايسغلاس كبير مستشاري شارون الذي قال إن "فك الارتباط يأتي لإسدال الستار على أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية".

حاولت إسرائيل من خلال تغطية عمليات الإخلاء أنسنة مستوطنيها عبر إظهار ألمهم على أنه ألم حقيقي، وكأنهم لم يقيموا بيوتهم الفارهة على أرض فلسطينية مغتصبة.

وحرصت إسرائيل أيضاً على أنسنة جيشها، فجنود هذا الجيش الذين شاركوا في عمليات الإخلاء لم يكن يسمح لهم بالتسلح ولو بمسدس، وهكذا حرصت إسرائيل على إعطاء صورة مغايرة لجيشها.

وبمعزل عن حجم ما حققته من هذا الهدف، فإنها حاولت أن تغير صورة الجيش الذي يهلك الحرث والنسل ويدمر البيوت.

 

وحتى صور الممانعة والمقاومة التي أبداها المستوطنون في بعض المستوطنات استغلت من قبل شارون للتدليل للعالم على أنه لن يكون بوسعه تنفيذ عمليات إخلاء أخرى في المستقبل.

وقد قال شارون وهو يحدث الرئيس الفرنسي جاك شيراك أثناء لقائه به مؤخراً في باريس "إن إخلاء سبعة آلاف مستوطن يسكنون وسط مليون وثلاثمائة ألف فلسطيني في قطاع غزة دفع الدولة لتجنيد كل طاقاتها، ومع ذلك كادت أن تفشل في إنجازه، فما بالك عندما يتعلق الأمر بإخلاء التجمعات الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية".

لقد قال شارون لكل من قابله إن تنفيذ عمليات إخلاء أخرى قد يكون مقترناً باندلاع حرب أهلية، وليس هذا فحسب، بل إن بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية اعتبرت أن " الصدمة النفسية التي تعرض لها المستوطنون توجب على الدولة العبرية عدم إزالة النقاط الاستيطانية التي أقيمت في الضفة الغربية بشكل غير قانوني، بل ودعت الدولة إلى تكثيف الاستيطان كتعويض للمستوطنين عن خسارتهم.

 إلى جانب ذلك بالغت وسائل الإعلام في إسرائيل والعالم في كيل المديح لشارون على اعتبار انه قائد سياسي جدي وشجاع، وصاحب قدرة على إمضاء تعهداته.

وهذا المديح جعل معظم الإسرائيليين يرون في شارون الممثل الحقيقي للوسط، فأصبح من هم على يمين شارون يمثلون اليمين ومن هم على يساره يمثلون اليسار، على الرغم من مواقف شارون المعروفة والمتشددة من قضايا الصراع.

وكأحد مغانمه في حرب الصور، فقد حرصت وسائل الإعلام الإسرائيلية والعالمية على إبداء التعاطف مع شارون، عن طريق الاستفاضة في طرح المشاكل الحزبية التي تواجهه بسبب خطة "فك الارتباط"، لتقول للعالم إنه حتى لو أراد شارون تنفيذ مزيد من الإخلاءات فإن الواقع الحزبي في إسرائيل لن يسمح له بذلك.

ليس هذا فحسب، بل تم إظهار شارون وكأنه يسدي جميلاً ومعروفاً للفلسطينيين، يتوجب عليهم الرد عليه من خلال تفكيك حركات المقاومة والقضاء عليها، و نزع الشرعية عن حق المقاومة في مواصلة عملياتها.

وفي مقابل هذه المشاهد، كانت الفصائل الفلسطينية تحتفي "بالتحرير" بتنظيم الاستعراضات العسكرية، حيث تنافست الفصائل في عرض كل ما في "ترساناتها" من أسلحة بدائية في مشهد يشي بضحالة الرؤية السياسية والإستراتيجية للقائمين على هذه الفصائل.

لقد كان تصوير هذه الاستعراضات الشغل الشاغل لطواقم التلفزة العالمية لتظهر الصورة التي تساعد إسرائيل وأمريكا على تبرير مطالبتهما بتفكيك حركات المقاومة، مع العلم أن هناك في السلطة من يتحين أي فرصة يقدر فيها على جمع هذا السلاح، ولو أدى ذلك إلى حرب أهلية، بتحريض من أطراف عربية إقليمية تدّعي حرصها على حماية الوفاق الفلسطيني.

وهناك في الساحة الفلسطينية من تطوع لتجريم المقاومة وإدانتها وربطها بممارسات لا يمكن الدفاع عنها ولا تبريرها.

وفي الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تخرج عن طورها وهي تقدم الخدمات للصحافيين الذين وفدوا لتغطية عمليات الإخلاء، كان المشهد الفلسطيني يبدو شديد القتامة بسبب الممارسات التي صدرت عن بعض منتسبي الجماعات المسلحة والعائلات، المتمثلة في اختطاف الأجانب من عمال إغاثة دولية وصحافيين، وكأن تلك الجماعات المسلحة تحاول مساعدة الإسرائيليين على تبرير مطالبتهم بتفكيك حركات المقاومة.

 

انساق الكثير من وسائل الإعلام العالمية وراء اتجاه الكثير من الصحافيين والمعلقين في إسرائيل الذين عملوا، من خلال تغطية عمليات الإخلاء، على تقزيم القضية الفلسطينية عبر صياغة مقارنات ظالمة، من خلال تشبيه إخلاء المستوطنين بما حل بالفلسطينيين في العام 48.

وسائل الإعلام الإسرائيلية أطلقت على المستوطنين الذين أخلوا مصطلح "لاجئون"، بل وأطلقت على مخيمات الترف التي أقيمت لهم وسط تل أبيب "مخيمات اللاجئين"، وذلك من أجل استدرار عطف الرأي العام الإسرائيلي والعالمي.

وهناك من أطلق مصطلحات محفوظة حصراً للشعب الفلسطيني، فصحيفة يديعوت أحرنوت، كبرى الصحف الإسرائيلية اعتبرت أن إخلاء المستوطنين يضاهي في قسوته النكبة التي تعرض لها الفلسطينيون في العالم 48.

وهناك من وسائل الإعلام الإسرائيلية والعالمية من وجدت في حرص إسرائيل على إيواء المستوطنين الذين تم إخلاؤهم، فرصة لمهاجمة السلطة والدول العربية، وطلبت منها أن تتعلم من إسرائيل كيفية إعادة توطين اللاجئين وتأهيلهم.

لقد ساعد الأداء الإعلامي للفصائل والسلطة الفلسطينية إسرائيل في تعميم تعاطيها العنصري، وإقناع وسائل الإعلام العالمية بتبنيه من خلال التركيز على ما اعتبرته معاناة المستوطنين الذين كانوا يمثلون 0.5% من عدد الفلسطينيين في القطاع ، وتجاهل معاناة 99.5 في المائة من سكان قطاع غزة الذين سيعيشون في سجن كبير واحد بعد فك الارتباط، وتجاهلت الحديث عن مشاكلهم.

وهنا يجب أن نشير إلى أن دوافع كل من السلطة والفصائل لاعتبار إخلاء مستوطنات قطاع غزة "تحريرا"، متباينة.

فالفصائل تتنافس في اعتبار الإخلاء تحريرا وذلك في محاولة منها للحصول على أكبر قسم من "كعكة التحرير"، في حين أن السلطة تعتبر الإخلاء "تحريرا" لتقول للفصائل إن انتهاء الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة ينافي مواصلة الفصائل الاحتفاظ بسلاحها، وأن عليها التخلي عنه حيث لم يعد له مكان.

وهناك تخوف من أن تؤدي هذه السجالات إلى فتنة داخلية وحرب أهلية، الخاسر الوحيد فيها الشعب الفلسطيني وقضيته.

كان على فصائل المقاومة أن تنتبه إلى خطورة ما يخطط له وتتجنب الوقوع في الفخ الذي ينصب لها. وبدلاً من تنظيم الاستعراضات العسكرية الضارة احتفاء بالتحرير كان من الممكن أن تتضافر جهودها في تنظيم حملة إعلامية واسعة ومنسقة للمطالبة بقيام إسرائيل بإنهاء مظاهر احتلالها لقطاع غزة بعد تنفيذ "فك الارتباط"، بل وتعويض الفلسطينيين في القطاع عما سببته لهم من معاناة على مدى ثمانية وثلاثين عاماً.

 

كان من الممكن في الوقت الذي يسلط فيه الضوء على تدمير منازل المستوطنين في القطاع، أن تنظم السلطة والفصائل جولات لمراسلي وسائل الإعلام العربية والدولية لمعاينة الأحياء السكنية الفلسطينية التي دمرت بالكامل أثناء عمليات الاجتياح والاقتحام الإسرائيلية.

وكان ممكنا أيضا أن تنظم اعتصامات للفلسطينيين الذين أصيبوا بإعاقات دائمة بسبب العدوان الإسرائيلي، إلى غير ذلك من الأنشطة التي تذكر العالم بالوجه الحقيقي لدولة الاحتلال.

لقد فقد الفلسطينيون سلطة وفصائل زمام المبادرة أثناء تنفيذ خطة فك الارتباط، ولم يخسروا فقط معركة الصورة، بل فقدوا جوهر المشهد، عبر مساعدة إسرائيل في تحقيق رهاناتها على "فك الارتباط".

لقد اقتصر الأداء الفلسطيني الإعلامي على ردات الفعل العشوائية والمبتورة، وهناك شكوك في أن يكون بوسع الفرقاء في الساحة الفلسطينية استعادة زمام المبادرة، لأنهم ببساطة غير مستعدين للإقرار بفداحة الأخطاء التي ارتكبوها في سجالاتهم البائسة.

قصارى القول، إن كان يحق لنا أن نستعير الأوصاف من عالم الرياضة، أن شباك المرمى الفلسطيني قد تمزقت بفعل الأهداف الذاتية في حرب الإخلاء الإعلامية.

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر