موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
انتفاضة الأقصى رواية اسرائيلية أخرى !!!!

 

 

منذ اندلاعها في أواخر أيلول سبتمبر من العام2000، حاولت ماكنة الدعاية الاسرائيلية تصوير انتفاضة الأقصى على أنها الرد " الارهابي " الفلسطيني على عروض السلام السخية التي طرحتها الدولة العبرية قبيل اندلاع الانتفاضة. ورفضت اسرائيل الرسمية الربط بين اندلاع الانتفاضة وبقاء مظاهر الاحتلال كمفجر لها، وحاولت نزع الشرعية عن حق الشعب الفلسطيني في النضال ضد هذا الاحتلال. وفي المقابل أدعت اسرائيل أن لديها الحق في استنفاذ كل ما لديها من قوة عسكرية وتفوق تقني كاسح من أجل حسم المواجهة خلال الانتفاضة لصالحها. واعتبر المستويان العسكري والسياسي في اسرائيل أن الحرب ضد الفلسطينيين في الانتفاضة تكتسب نفس أهمية حرب العام 1948 التي على اثرها كان مولد اسرائيل. في نفس الوقت حرص قادة الدولة على تجاهل الآثار الكارثية التي تركتها الانتفاضة على المجتمع الاسرائيلي ونسيجه الداخلي، وعكف قادة الدولة على امتداح " قدرة " هذا المجتمع على الصمود خلال الانتفاضة، وأدعوا أنه بفضل هذا الصمود لم يستطع الفلسطينيون املاء مواقفهما على اسرائيل. في اسرائيل صدر مؤخراً كتابان ينسفان الرواية الرسمية من الأساس: كتاب " اكاذيب عن السلام حرب براك وشارون ضد الفلسطينيين "، للمؤرخة والمحققة الاسرائيلية تانيا راينهارت. وكتاب " الحرب السابعة " لمؤلفيه افي سيخاروف، مراسل الشؤون الفلسطينية والعربية للاذاعة الاسرائيلية باللغة العبرية، و عاموس هارئيل المراسل العسكري لصحيفة " هآرتس ". في كتابها تطرقت راينهارت بشكل اساسي الى الظروف التي كانت سائدة قبل الانتفاضة والعلاقة الوثيقة بين هذه الظروف باندلاعها، وهو الأمر الذي واظبت إسرائيل الرسمية على انكاره. أما كتاب " الحرب السابعة " فقد عني بشكل أساسي بتسليط الأضواء على طبيعة الاحداث اثناء الانتفاضة: القمع الاسرائيلي والرد الفلسطيني وتأثيرات الانتفاضة على المجتمع الاسرائيلي والنظام السياسي في الدولة العبرية.

 

في كتابها تؤكد راينهارت أن الظروف التي سادت قبيل اندلاع انتفاضة الأقصى لم تدع امام الفلسطينيين أي مجال إلا المبادرة لشن الانتفاضة. وتؤكد أن الحكومات الاسرائيلية التي تعاقبت منذ التوقيع على اتفاقية اوسلو واصلت دعم المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية وقطاع غزة، ولم تدع أمام الفلسطينيين سبيلاً الا محاولة استخدام العمل المسلح لوقف الاستيطان. وتؤكد راينهارت أن الفلسطينيين، لم يخوضوا غمار انتفاضة الأقصى، إلا بعد أن تحرروا من الوهم الذي زرعته اتفاقيات اوسلو التي وقعت في العام 1993، حيث اعتقدوا ان احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة الذي بدأ في العام 1967 يوشك على نهايته، وآمن قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني بأن اتفاقات أوسلو، ستؤدي إلى انسحاب إسرائيلي من المناطق المحتلة وإقامة دولة فلسطينية. لكن الأمور لم تسر على هذا المنوال.وحسب راينهارت فأن الفلسطينيين صعقوا عندما اكتشفوا أن القيادة السياسية لمعسكر اليسار الصهيوني التي كانت تتولى مقاليد الأمور في الدولة العبرية قبيل وعند اندلاع انتفاضة الأقصى حولت روح أوسلو التصالحية إلى وسيلة جديدة أكثر إحكامًا لمواصلة الاحتلال.وتشير الى ان اسرائيل بعد أوسلو واصلت تعزيز الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية على اعتبار أنه الوسيلة المثلي لتصفية حق العودة للاجئين الفلسطينيين. وترى راينهارت أن أي زعيم إسرائيلي يتطلع إلى المصالحة مع الفلسطينيين على المستوى الرمزي كان يتعين عليه بداية، من وجهة نظرها، الاعتراف بمسؤولية إسرائيل عن نشوء قضية اللاجئين. لكنها تستدرك قائلة أن إسرائيل لم تحظ حتى الآن بزعيم كان معنياً حقاً بإنهاء النزاع. وفي سبيل التشديد على هذه المسألة تحديداً تشدد راينهارت في مقدمة الكتاب، من دون أي تردد على أن الأرض التي قامت عليها دولة إسرائيل تمت السيطرة عليها بواسطة تطهيرها عرقياً من سكانها الأصليين ـ الفلسطينيين. وتضيف "  لو ان إسرائيل توقفت عما اقترفته (من تطهير عرقي) في عام 1948 لكان من الممكن التعايش مع ذلك، لكنها واصلت التطهير العرقي وتعاظم بعد التوقيع على " أوسلو "، وفي  خضم الانتفاضة. تؤكد راينهارت أن اسرائيل استغلت انتفاضة الاقصى لممارسة اكبر قدر من القمع ضد المدنيين الفلسطينيين من اجل اجبارهم على الفرار. وتشير الى ان جميع القادة العسكريين اعتبروا الحرب التي يخوضوها ضد الانتفاضة تعتبر مكملة للحرب التي خاضتها الدولة العبرية في العام 1948. وتضيف " لما نجحت اسرائيل في العام 1948 بتشريد نصف الفلسطينيين من أرضهم، فأنها خلال انتفاضة الأقصى قررت استكمال المهمة وطرد البقية ". تؤكد راينهارت ان المستويين السياسي والعسكري في الدولة العبرية استندا الى هذا المنطلق لتبرير الافراط غير المسبوق في استخدام القوة العسكرية في مواجهة المدنيين الفلسطينيين. وتشدد على ان قادة الجيش كانوا يهدفون الى التطهير العرقي. وتضيف أنه لا يمكن تفسير سياسة إسرائيل المنهجية في إصابة المدنيين الفلسطينيين كدفاع عن النفس أو كرد فعل تلقائي على الإرهاب. وتؤكد إن ذلك هو نوع من ممارسة التطهير العرقي، أي عملية يجري فيها طرد مجموعة إثنية من مناطق تتطلع مجموعة إثنية أخرى للسيطرة عليها. وتنوه الى انه لما كانت فلسطين مكان يحظى باهتمام عالمي كبير، فأنه يستحيل على قادة الدولة العبرية اقتراف تطهير عرقي عبر القيام بعمليات ذبح جماعي للفلسطينيين وإخلاء الأراضي. وبدلاً من ذلك يقود الجيش الاسرائيلي عملية مثابرة هدفها إجبار الفلسطينيين، رويداً رويداً، على الموت أو الهرب لكي ينجوا بجلودهم. وتشدد راينهارت على أن اسرائيل حرصت دوماً على استدراج الفلسطينيين للمواجهات من أجل تحقيق مكاسب على الأرض من خلالها. فاسرائيل هي التي كانت دائما تبادر الى افشال تفاهمات التهدئة والهدنة مع الفصائل الفلسطينية عبر المبادرة بشن عمليات عسكرية من اجل افشال التهدئة ووضع حد للهدنة. وفي شهادة هامة تؤكد راينهارت أن الفلسطينيين لم يمنحوا البتة أية فرصة لتحويل نضالهم إلى مقاومة مدنية، وهو ما كانوا راغبين به مرات كثيرة. وتنوه راينهارت الى ما بات معروفاً وهو حقيقة أن الجيش الاسرائيلي اعدد مخططات للقضاء على  السلطة الفلسطينية  وعلى مؤسسات المجتمع الفلسطيني قبل اندلاع انتفاضة الأقصى في سبتمبر من العام2000

**** اعتماد اسرائيل مبدأ التواريخ غير المقدسة

من ناحيتهما يشير سيخاروف وهارئيل في " الحرب السابعة " الى أن أحد الأسباب التي دفعت الفلسطينيين للتشبث بانتفاضة الأقصى هو حقيقة يأسهم من امكانية الحصول على ثمار من العملية التفاوضية. فعلى الرغم من تحرر معظم سكان الضفة والقطاع بالتدريج من السلطة الإسرائيلية المباشرة، وذلك كجزء من الاتفاقات التي وقعتها قيادة منظمة التحرير مع الحكومة الإسرائيلية، إلا أن مصالح الفلسطينيين ظلت مرتبطة بالجيش الإسرائيلي. فالاتفاقيات الموقعة لم تؤدي الى تمتع الفسطينيين بحرية الحركة بين مناطق تواجدهم في الضفة الغربية وقطاع غزة. وعلى الرغم من التحسن المحدود للأوضاع الاقتصادية، فإن الازدهار الموعود تحقق جزئياً فقط،. فقد خسر عشرات آلاف الفلسطينيين أماكن عملهم في إسرائيل جراء سياسة الإغلاق التي اتبعتها إسرائيل منذ حرب الخليج عام 1991 ( ووضعت الإغلاقات صعوبات كبيرة جداً أمام التنقل بين القطاع والضفة ). وعندما عاد ا لعمال الفلسطينيون إلى اسرائيل في فترات هدوء نادرة، وجدوا بأن عمالاً من رومانيا والصين وتايلاند احتلوا أماكن عملهم.

 وينوه المؤلفان الى أن تشكيل السلطة الفلسطينية لم يحل دون توقف مسلسل الإهانات التي يتعرض له المواطن الفلسطيني منذ خروجه من بيته وحتى عودته اليه. بالاضافة الى كل ذلك،  فقد اعتمدت الدولة العبرية مبدأ " التواريخ غير المقدسة ". ووفق هذا المبدأ أعاقت إسرائيل مراراً وتكراراً تسليم مناطق وعدت السلطة بتسليمها وفق الاتفاقيات الموقعة، وذلك جراء خلافات محددة أو رداً على عمليات المقاومة. وفي مقابل كل ذلك فقد استغلت اسرائيل الاتفاقيات السياسية مع السلطة في تطوير مشروعها الاستيطاني الذي نما بشكل هائل. ويكشف الكتاب عن حقيقة لافتة للنظر، فقد تضاعف عدد المستوطنين خلال العقد الذي تلا التوقيع على اتفاق أوسلو في المناطق من حوالي 115 ألفاً إلى 230 ألف مستوطن. ويؤكد المؤلفان أن أعداداً متزايدة من المدنيين الفلسطينيين قتلوا " برصاص طائش يطلقه جيش الاحتلال قبل اندلاع انتفاضة الأقصى، في حين اكتفت قيادة جيش الاحتلال في أحسن الاحوال بـ " الإعراب عن أسفها ". لكن لم تكن ممارسات جيش الاحتلال القمعية فقط هي التي كان يكابدها الفلسطينيون قبل اندلاع الانتفاضة. فالمستوطنون وتحت حماية الجيش يقومون بعمليات عربدة في بلدات وقرى الفلسطينيين، وكثيراً ما أسفرت هذه العمليات عن ازهاق أرواح مزيد من الفلسطينيين.

مسؤولية براك

تؤكد راينهارت أن رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود براك الذي اندلعت انتفاضة الاقصى في عهده هو الذي يتولى الجزء الاساسي من المسؤولية عن اندلاع الانتفاضة لعدم جديته في التوصل لتسوية سياسية مع الشعب الفلسطيني، على الرغم من الضجيج الذي اثاره حول تحركاته السياسية. وتضيف راينهارت أنه بخلاف الانطباع الذي حاول رسمه حول نفسه، وساعدته في ذلك وسائل الاعلام الاسرائيلية المتجندة، فأن براك لم يتطلع في قرارة نفسه إلى تحقيق مصالحة مع الفلسطينيين. وتؤكد أنه خلال مؤتمر " كامب ديفيد " الذي سبق اندلاع انتفاضة الاقصى ماطل براك ولم يكن جدياً في التوصل للتسوية السياسية. وتذهب راينهارت الى أبعد من ذلك عندما تؤكد ان براك " بادر إلى هذه القمة بهدف إفشالها متعمداً، من أجل أن يثبت أن الفلسطينيين هم الطرف الرافض، وهم الذين يتحملون المسؤولية عن اهدار فرصة تاريخية للتوصل لتسوية سياسية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي". ترى راينهارت أن الذي يؤكد صحة ما تذهب اليه هو حقيقة حرص براك على التباهي دائماً بأنه هو " الذي كشف الوجه الحقيقي لعرفات». وتقدم راينهارت الأدلة على أن براك خلال مؤتمر " كامب ديفيد "  خطط لجعل المؤتمر فرصة لتجريد الفلسطينيين من الحقوق التي يكفلها لهم القانون الدولي و قرارات الامم المتحدة المتعلقة بالقضية الفلسطينية. وتضيف ان نقطة التحول الحاسمة في كامب ديفيد تمثلت في مطالبة باراك بأن يوقع الطرفان على «اتفاق نهائي» يترافق مع إعلان فلسطيني بشأن " نهاية النزاع ". وتؤكد أنه لو ان الفلسطينيين وقعوا على إعلان كهذا لكانوا سيفقدون بشكل تلقائي الحق بالمطالبة بتطبيق قرارات الامم المتحدة ومجلس الأمن لاحقاً.  وتشرح راينهارت قائلة أن الأساس القانوني للمفاوضات بين الفلسطينيين واسرائيل كان ولا يزال قرارات الأمم المتحدة، وخصوصاً قرار 242 الذي اتخذ (من قبل مجلس الأمن) في 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 1967 وطالب بـ«انسحاب القوات الإسرائيلية المسلحة من (الـ) مناطق (التي) احتلت في حرب الأيام الستة. الى جانب ذلك فأن

من حق الفلسطينيين المطالبة بتطبيق قرارات مجلس الامن التي سبقت ذلك وخصوصاً قرار 194 الذي صدر في 11 ديسمبر (كانون الأول) 1948، و الذي يتطرق إلى حق العودة للاجئين الفلسطينيين وقرارات أخرى اتخذت على مدار السنوات. وتؤكد أن الفلسطينيين احسنوا صنعاً عندما لم يستجيبوا لطلب براك، وتضيف انه لو استجاب الفلسطينيون لطلب براك واعلنوا عن «نهاية النزاع» ووقعوا على اتفاق نهائي، عندها يكون الاتفاق الجديد هو، بصورة رسمية، الأساس القضائي الملزم لأي تسوية سياسية مستقبلية وتفقد قرارات الأمم المتحدة التي سبقه مفعولها. وتؤكد راينهارت أن براك طرح في قمة " كامب ديفيد " مواقف متطرفة من كل قضايا الحل الدائم التي كانت على جدول البحث.وتدحض بشدة المزاعم التي حاولت وسائل الاعلام الاسرائيلية تكريسها على اساس انها حقائق وتتعلق باستعداد براك ل " تقسيم القدس ". فبراك لم يقدم أكثر من استعداد اسرائيل لدراسة الوفاء بتعهد اسرائيلي قديم يتعلق باعادة " ابو ديس " للفلسطينيين. وتؤكد أن الحكومات الإسرائيلية حرصت أثناء التفاوض مع العرب على اتباع منهجية محددة تقوم على أساس:  سحب تعهدات سابقة وعرضها كما لو انها اختراقات جديدة في العملية التفاوضية، وهذا هو جوهر السياسة التي انتهجتها إسرائيل منذ أوسلو. وتؤكد راينهارت أن براك خلال مؤتمر كامب ديفيد تبنى موقفاً بالغ التطرف من مصير المسجد الأقصى،  لم يجرؤ على تبنيه حتى غلاة المتطرفين في حزب الليكود. وتضيف راينهارت انه منذ العام 1967حرصت الحكومات الاسرائيلية على عدم المطالبة بالسيطرة اليهودية على المسجد الاقصى، وباستثناء عدد من الحركات المسيحانية الهامشية التي طالبت بالسيطرة اليهودية عليه، وعلى الأخص منظمة " امناء جبل الهيكل "، فأنه حتى الحركات اليمينية لم تدعو للسيطرة على المسجد الأقصى. وتضيف راينهارت انه حتى وقت قريب اعتبر مصطلح «جبل الهيكل» جزءًا من القاموس المسيحاني لمتدينين أصوليين متطرفين". لكن المفاجأة التي تشير اليها راينهارت تتمثل في حقيقة أن براك رئيس الوزراء العمالي العلماني، الذي يقف على رأس اليسار الصهيوني،  هو الذي بادر الى تغيير موقف الدولة العبرية من مصير المسجد الاقصى، حيث حول براك السيطرة على المسجد الأقصى خلال مفاوضات كامب ديفيد الى قضية مركزية. وتشير راينهارت الى نقطة بالغة الاهمية في سلوك براك الذي كان له الدور في اجبار الفلسطينيين على القنوط من أي رهان على التسوية السياسية مع الدولة العبرية، ألا وهو اتباع الخداع. وتؤكد راينهارت أن لبراك سجل حافل في ممارسة الخديعة في التعامل مع العرب. وتضرب مثال على ذلك هو حقيقة تعمده افشال المفاوضات بين سوريا والتي سبقت مؤتمر " كامب ديفيد ". ويقدم الجنرال اوري ساغيه، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الاسرائيلي والذي كان عضواً بارزاً في الوفد الاسرائيلي في المفاوضات مع سوريا المزيد من الادلة على أن براك هو الذي احبط فرصة التوصل لتسوية سياسية مع سوريا، حيث تراجع براك- في اللحظة الأخيرة - عن التفاهمات التي توصل اليها ساغيه نفسه مع عدد من الجنرالات السوريين والمتعلقة بخط الانسحاب من هضبة الجولان. وتعتبر راينهارت أن براك هو الوجه الآخر لشارون، وتقدم عدداً كبيراً من الأدلة على ذلك. وتؤكد أن سجل التعاون بين براك وشارون يعودة الى خدمة براك كقائد بارز في الجيش. وتشير الى وثيقة  نشرها الصحافي امير اورن في صحيفة هارتس في يناير 1999 ،و هي عبارة عن مذكرة شخصية وجهها، في مارس (آذار) 1982، إيهود باراك الذي كان يشغل في ذلك الوقت منصب رئيس شعبة التخطيط في هيئة أركان الجيش، إلى شارون الذي كان يشغل منصب وزير الدفاع شارون، وذلك في سياق الاستعدادات التي كانت اسرائيل تقوم بها لغزو لبنان. في هذه المذكرة يحضّ باراك شارون على تضليل الحكومة، وتجاوز قرارها، و توسيع نطاق الغزو المرتقب إلى درجة «شن هجوم واسع النطاق على سورية". راينهارت تعتبر أن الوثيقة  «تكشف عن جانب خطير في شخصية باراك، هو جانب الاستعداد (غير المحدود) للمشاركة في مؤامرة غايتها أن تخدع ليس فقط الأعداء وإنما أيضًا المواطنين والجنود والقيادة المنتخبة ". وتشير راينهارت الى ان باراك يقدر الفهم العسكري لأريئيل شارون ، فكلاهما استمرار جليّ لأبي سلالة الجنرالات السياسيين موشيه ديان.  وتصب راينهارت مجدداً جام غضبها على وسائل الاعلام التي تناست وتجاهلت ما تعرفه من تفاصيل اشكالية في شخصية براك وجديته ومصداقيته.

تآكل الفروق الأيدلوجية بين اليمين واليسار

سلوك براك اقنع الفلسطينيين ببؤس الرهان على معسكر اليسار الصهيوني في الدولة العبرية. اذ تبين لهم أنه – على أرض الواقع - لا يوجد فروق حقيقية بين اليمين واليسار في  الدولة العبرية. وتضيف أنه حتى لو ظل بعض الفلسطينيين مراهنين على اليسار الصهيوني، فأنهم ادركوا سريعاً أن هذا الرهان خاسر لأن اليسار لم يعد يشكل بديلاً سياسياً حقيقياً يمكن أن يتولى الحكم في المستقبل المنظور. فحسب راينهارت فأن اليمين الإسرائيلي مرشح للبقاء للحكم حتى أمد غير محدود. وحتى قادة اليسار وحزب العمل على وجه الخصوص يؤكدون أنهم لم يعودوا يرون في أنفسهم بدائل حقيقية لليمين. أحد أهم الأسباب التي تكمن وراء انهيار اليسار هو حقيقة تآكل الفروق الأيدلوجية بين اليمين واليسار في الدولة العبرية. ولتوضيح الفكرة تشير راينهارت الى اخر انتخابات تشريعية في كانون ثاني من العام 2003 والتي حقق فيها الليكود بقيادة شارون فوزاً كاسحاً على حزب العمل بقيادة عميرام متسناع. تقول راينهارت " رويداً رويداً أصبح ميتسناع غير مختلف كثيرا عن شارون بالذات بالنسبة للموقف من مستقبل المناطق الفلسطينية المحتلة. و تضيف أنه في اللحظة التي يكون فيها الخيار الماثل أمام المترددين من المصوتين هو بين يمين واضح وبين نهج مماثل متبّل ببلاغة يسارية (جوفاء)، فإن ذلك يسعف في إقناع هؤلاء بأن طريق اليمين هي الطريق الوحيدة عمليًا ". وتضيف راينهارت أنه حسب منطق الكثير من الإسرائيليين أنه "  إذا كتب علينا أن نحارب الفلسطينيين وأن نسعى إلى طردهم أو حبسهم فإن في مقدرة شارون أن يفعل ذلك أفضل من ميتسناع بكثير». و تؤكد راينهارت أن شارون ادرك الوجهة التي تميل الأكثرية نحوها ووعد بالخروج من المناطق (الفلسطينية). وقد دلت استطلاعات الرأي، عشية الانتخابات، على ان نسبة المؤيدين لشارون، حوالي 60 بالمائة، تؤمن في الوقت ذاته بأنه سيخرج من المناطق ويفكك بعض المستوطنات. وتؤكد راينهارت أن شارون ذرّ رمادًا يساريًا في العيون ودارت دعايته الانتخابية حول إنهاء الاحتلال وإخلاء مستوطنات، بينما في برنامج ميتسناع لم يتم التطرق بشكل واضح للانسحاب من الأراضي الفلسطينية في برنامجه الانتخابي.تنتقد راينهارت بشدة  «اليسار الصهيوني» المتمسك بالاحتلال. وإذ تؤكد أن القيادة السياسية لمعسكر السلام الإسرائيلي صاحبة تجربة ومراس طويلين في تسيير وجهة معظم المعارضين للاحتلال نحو طريق الحفاظ على الوضع القائم، فإنها تلفت النظر إلى أن هؤلاء الأشخاص هم انفسهم الذين رددوا في أثناء سنوات أوسلو أن الاحتلال انتهى عملياً، وإن ما تبقى هو بضع سنوات من المفاوضات فقط. وتعتبر راينهارت قادة اليسار الصهيوني "  خبراء في إقناع كل من هو مستعد للإنصات لهم بأن الملك ليس عارياً، وأن المشكلة كامنة فقط في عيوننا"، كما تقول. وتضيف انه إذا لم تقف الأكثرية في إسرائيل بالمرصاد لهم فالاحتمال الأقوى هو أن ينجح هؤلاء الخبراء في مهمتهم مرة أخرى. في المقابل ترصد راينهارت حقيقة انها المرة الأولى منذ أوسلو الذي تنشأ فيه حركة سلام إسرائيلية آخذة في التوسع وهي عصية على طوع القادة السياسيين لمعسكر السلام. والنواة الصلبة لهذه الحركة مؤلفة من مجموعات احتجاج محلية عديدة أصبحت فاعلة منذ بدء الانتفاضة. وتذكر الباحثة منها حركات «يوجد حد» و«شجاعة الرفض» و«نيو بروفايل» و«ائتلاف النساء من أجل سلام عادل» و«تعايش» و«كتلة السلام» و«الغسيل الأسود«* والمبدأ الأساسي الهادي لهذه المجموعات هو أن الكفاح من أجل السلام وضد الاحتلال هو كفاح إسرائيلي ـ فلسطيني مشترك. لكن واضح تماماً أن هذه الحركات هامشية وتأُثيرها ينحصر في المجال الاعلامي فقط، ولا يمكن لهذه القوى ان تشكل أداة ثقل سياسي يمكن أن يؤثر على دائرة صنع القرار في الدولة العبرية.

شيطنة عرفات

على الرغم من توقيع قيادة منظمة التحرير على اتفاقيات أوسلو، وعلى الرغم من اعترافها الرسمي بدولة إسرائيل، إلا أن المسؤولين عن تقديم التقييمات الإستراتيجية للحكومة سواء كانوا في شعبة الاستخبارات العسكرية المعروفة ب " أمان "، أو في جهاز المخابرات الداخلية " الشاباك " ظلوا يشككون في نوايا قيادة المنظمة. سيخاروف وهارئيل يؤكدان أن التقييمات الاستراتيجية التي على أساسها تبلور الحكومات الإسرائيلية سياساتها الخارجية تأثرت بالمواقف الايدلوجية للذين يصيغونها، سيما المسؤولين عن قسم الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية، الذي كان يديره الجنرال عاموس جلعاد، الذي قاد توجهاً داخل المؤسسة الأمنية الاسرائيلية لشيطنة عرفات. جلعاد ونظراؤه في جهاز " الشاباك " قالوا أنه رغم التوقيع على اتفاقيات أوسلو، فأن الفلسطينيين لا يعترفون حتى بحدود 1967 كحدود لدولة إسرائيل، ويُبدون اهتماماً باستمرار التآمر عليها من خلال فلسطينيي العام 1948. وحسب هذه التقييمات فأن عرفات يحاول الاحتفاظ من خلال مطالبته بحق عودة اللاجئين إلى داخل دولة إسرائيل بــ " قنبلة ديمغرافية " هدفها النهائي إبادة الدولة.فعرفات بالنسبة لاصحاب هذه التقييمات يريد أن يحرم إسرائيل من أكبر انجاز حققته الحركة الصهيونية وهو تحقيق تفوق ديموغرافي لليهود بين نهر الأردن وحوض البحر الأبيض المتوسط. خلاصة هذه التقييمات كانت تصل الى نتيجة مفادها ان احتمال التوصل لتسوية سياسية دائمة مع الفلسطينيين تبدو متدنية جداً. من ناحيتها تشير رانيهارت الى أن المشهد السياسي في الدولة العبرية أبان الانتفاضة تميز بالتأثير الهائل للمؤسسة الأمنية على دائرة صنع القرار في الدولة. وعلى الرغم من أنها تؤكد أن المستويين السياسي والعسكري في اسرائيل كانا دائما متداخلين ويصعب وضع حدود فاصلة بينهما، الا أن انتفاضة الاقصى دلت على أن العسكر زادوا من تأثيرهم على عملية صنع القرار. وتقتبس راينهارت أقوال احد اعضاء الكونغرس الأمريكي الذي زار اسرائيل، وعلق على شبكة العلاقات بين المستويين الامني والسياسي، قائلاً "  ان الذي يقرر في إسرائيل الاستراتيجيات وسلم الأولويات القومي، باعتبارهما موضوعًا يقف في صلب الإجماع الوطني ليس هيئات منتخبة وإنما أشخاص في البزات العسكرية.. وجميع حكومات إسرائيل السابقة أولت اهتمامًا هائلاً للاقتراحات التي طرحها الجيش، على اعتبار أنه يمثل «الحكومة الدائمة".

زيارة شارون الاستفزازية للأقصى

في الفصل الأول من " الحرب السابعة "،  يؤكد سيخاروف وهارئيل أن ارئيل شارون، الذي كان زعيماً للمعارضة اليمينية، يتحمل مسؤولية كبيرة عن اندلاع انتفاضة لاصراره على دخول المسجد الأقصى، وتجاهله بشكل تظاهري الحساسية المطلقة التي ينظر بها المسلمون والفلسطينيون على وجه الخصوص الى دخول اليهود الى باحة الحرم، سيما عندما يدور الحديث عن شارون الذي ينظر اليه كمجرم حرب قاس، و جزار صبرا وشاتيلا وكذلك أحد الذين شاركوا في حروب الاستنزاف الدامية في الخمسينيات ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، فهو عدو الشعب الفلسطيني. رفض شارون التحذيرات التي قدمها قادة الاجهزة الأمنية والشرطة من النتائج الوخيمة للزيارة. يرى المؤلفان أن موقف شارون هذا يجعله مسؤولاً عن شلال الدماء الذي خلفته هذه الزيارة. يوجه المؤلفان انتقادات لاذعة لرئيس الوزراء الاسرائيلي في ذلك الوقت ايهود براك الذي خضع لشارون ووافق على اتمام الزيارة

حرب غير اخلاقية

يوضح سيخاروف وهارئيل أن طريقة تعامل قوات الاحتلال الوحشية مع المظاهرات السلمية التي نظمها الفلسطينيون لدى اندلاع الانتفاضة، دفعت الفصائل الفلسطينية للانتقال من وسائل الاحتجاج المدني الى العمليات المسلحة.وحسب المؤلفين فقد حرصت قيادة جيش الاحتلال على التسبب في قتل أكبر عدد من المدنيين الفلسطينيين الذين يشاركون في التظاهرات السلمية. ويستند سيخاروف وهارئيل الى تقرير مراقب الدولة للعام 2003 ، الذي أكد انه طوال الفترة الممتدة من الانتفاضة الأولى وحتى انتفاضة الأقصى ،لم يبذل الجيش الإسرائيلي جهودا حقيقية لتطوير وسائل أقل فتكا لتفريق المظاهرات التي ينظمها المدنيون الفلسطينيون. وكان جيش الاحتلال يتذرع بعدم استخدام الوسائل الأقل فتكاً مثل الغاز المسيل بالدموع بأنه " يملك كميات قليلة منها !!! ". وحتى استخدام العيارات المطاطية التي كان جيش الاحتلال يدعي أنها من الوسائل " غير الفتاكة "، فقد تبين أنها تؤدي الى الوفاة. وحسب شهادة قائد إحدى كتائب الاحتياط في جيش الاحتلال فقد كان جيش الاحتلال يسارع الى استخدام الذخيرة الحية بدون أن يكون هناك أي دواعي ميدانية تبرر ذلك.وفي الشهر الأول من انتفاضة الأقصى اطلق جنود الاحتلال 850 الف عيار من الذخيرة الحية على الفلسطينيين.  عدد من الوزراء في حكومة براك من بينهم امنون شاحاك الذي كان في السابق رئيساً لهيئة اركان الجيش اتهم قيادة الجيش بتجاوز تعليمات الحكومة والاسراف في قتل الفلسطينيين بدون مبرر. يقول أحد الجنود الذين خدموا في الضفة الغربية اثناء اندلاع الانتفاضة " هذه الحرب غير الأخلاقية أدت إلى فضح إسرائيل". ويؤكد المؤلفان أن الجنود منحوا تراخيص للقتل، حيث كانت تأتيهم تعليمات لقتل الأطفال والنساء من خلف الكواليس.  إنها حرب إبادة شاملة للإنسان والنبات والمزروعات والتراث، حرب لم يكن لها ضوابط.

 

القمع كسبيل لترميم قوة الردع

 يشير سيخاروف وهارئيل الى ان هناك علاقة وثيقة بين طريقة انسحاب جيش الاحتلال من جنوب لبنان في العام 2000، وبين حرص الدولة العبرية على ممارسة أكبر قدر من القوة لقمع الانتفاضة. وحسب المؤلفين فأنه في التحقيقات الداخلية التي اجرتها قيادة المنطقة الشمالية في جيش الاحتلال في اعقاب الانسحاب من جنوب لبنان ،أشار عدد من كبار الضباط لثغرات في عملية تنفيذ الانسحاب. هؤلاء الضباط وصفوا الانسحاب بأنه " هروباً مع ذيل بين الساقين ". ويشير زخاروف وهارئيل إلى أن أكثر ما أثار حفيظة قادة جيش الاحتلال وزعماء الاحزاب السياسية اليمينية والدينية كان الخطاب التي ألقاها أمين عام حزب الله الشيخ حسن نصر الله بتاريخ 26 أيار من العام 2000في المهرجان الذي أقامه حزب الله احتفاءاً بانتصار المقاومة في بلدة بنت جبيل جنوب لبنان. نصر الله الذي كان المتحدث الرئيسي في المهرجان ، توجه للعالم العربي قائلاً: " إخواني الأعزاء، أقول لكم: إسرائيل التي لديها سلاح نووي أضعف من بيت العنكبوت". المؤلفان يؤكدان أن خطاب نصر الله ترك آثاراً بعيدة المدى على الوعي الجمعي للعرب والمسلمين. وقادة الجيش الإسرائيلي ورؤساء الأجهزة الاستخبارية توصلوا لقناعة مفادها أنه يتوجب العمل على ازالة الآثار الكارثية التي تركها الانسحاب من جنوب لبنان، وبعث الحياة من جديد في قدرة الردع الإسرائيلية في مواجهة العالم العربي. في إسرائييل أدركوا أن الفلسطينيين سيجدون في نجاح المقاومة الاسلامية اللبنانية في تحرير جنوب لبنان بالقوة نموذجاً يقتدى، و مثل الانتصار على الجيش الاسرائيلي كسابقة لم تحدث في اتاريخ الصراع، تجربة يتوجب اتباعها. من هنا فقد أعتبرت الدولة العبرية أن احد أهم الأسباب التي حثت الفلسطينيين على خوض غمار انتفاضة الأقصى كان بلا شك الانتصار غير المسبوق للمقاومة الاسلامية في جنوب لبنان. في إسرائيل أخذوا يؤكدون أن الفشل في مواجهة انتفاضة الأقصى يعني دمار الدولة، على اعتبار أنه بخلاف جنوب لبنان، فأن اسرائيل لا يمكنها أن تنسحب من الضفة الغربية التي تمثل العمق الاستراتيجي لها. من هنا اعتبر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق موشيه يعلون  انتفاضة الأقصى بأنها " المعركة الأهم منذ الاعلان عن الدولة العبرية في العام 1948" .

 

**** العمليات الاستشهادية تحطم روح المجتمع الفلسطيني

يرى سيخاروف وهارئيل أن انتقال الفلسطينيين لتنفيذ العمليات الاستشهادية كان ضرورة يمليها واقع ميزان القوى بين الجانبين. فالاختلال الهائل في موازين القوى العسكرية بين الفلسطينيين ودولة اسرائيل، دفع حركات المقاومة الفلسطينية الى الاعتماد على العمليات الاستشهادية، حيث اصبح الاستشهاديون " قنابل بشرية " للرد على فعل طائرات الاف 16 ودبابات الميركفاة. العمليات الاستشهادية كانت الفعل المقاوم الفلسطيني الابرز الذي ترك اثاره على المجتمع الاسرائيلي. فالعمليات الاستشهادية حصدت ارواح معظم الاسرائيليين الذين قتلوا أثناء الانتفاضة. تقريباً طالت العمليات الاستشهادية كل المرافق التي يتوجه اليها الاسرائيلي العادي، فقد تم تفجير حافلات النقل والمطاعم والملاهي والفنادق. يؤكد المؤلفان أن الاستشهاديين ومرسليهم نجحوا في بث الذعر والإحباط الجماعي داخل طبقات كثيرة في المجتمع الاسرائيلي.كان للعمليات الاستشهادية الدور الأساسي في تغيير أنماط حياة الجمهور الإسرائيليي. فقد قلل الاسرائيليون من الخروج لمرافق الترفيه والتسوق. وفي نفس الوقت أصبح الطلب هائلاً على شركات الحراسة الخاصة، وأصبح بالامكان رؤية الحراس وعناصر الأمن في كل زاوية. وقفز عدد العاملين في شركات الحراسة الخاصة بشكل كبير ليصل الى 46500حارس. في نفس الوقت قلل الإسرائيليون من استخدام المواصلات العامة. كان للعمليات تأثير سلبي هائل على السياحة، التي تعتبر من أهم المرافق الاقتصادية في الدولة. فقد انخفض عدد السياح بشكل لم يحدث حتى في اثناء حرب الأيام الستة،حيث انخفض عدد السياح بنسبة 68%. يرسم سيخاروف وهارئيل صورة قاتمة للأوضاع الاجتماعية في الدولة في في ذروة تنفيذ العمليات الاستشهادية في الأعوام 2001 و2002 و 2003. فقد تحولت الدولة الى دولة جنازات، حيث أقيمت الجنازات للقتلى في كل مكان ومنطقة من مناطق الدولة. ويقتبس المؤلفان عن تقرير اعده جيش الاحتلال حول تأثير العمليات الاستشهادية، حيث اشار التقرير الى أن الإسرائيليين أخذوا يشعرون أنهم أصبحوا اهدافاً متحركة. وحسب التقرير فأنه حتى تموز 2004 تم تنفيذ133 عملية استشهادية ، بالإضافة إلى مئات المحاولات الإضافية الفاشلة، عدد العمليات الاستشهادية وعدد المحاولات لتنفيذها أصبح يقترب من تسجيل رقم عالمي. ويعقد المؤلفان مقارنة بين ظاهرة العمليات الاستشهادية لدى حركات المقاومة الفلسطينية، وبين نفس الظاهرة لدى المتمردين التاميليين في سيرلانكا. ويشيران إلى أنه في الوقت الذي نفذ فيه التاميل مائة وستين عملية انتحارية خلال عشر سنوات، فأن الفلسطينيين نفذوا خلال اقل من اربع سنوات 133 عملية استشهادية ومئات المحاولات لتنفيذ مثل هذه العمليات. يرفض المؤلفان الربط بين الاستعداد لتنفيذ عمليات استشهادية وبين حقيقة كون منفذي هذه العمليات من المسلمين. ويؤكدان أنه على مر التاريخ تم استخدام العلميات الاستشهادية عندما كان هناك اختلال في موازين القوى. ويحملان سيخاروف وهارئيل الواقع الذي خلقه الاحتلال المسؤولية عن دفع الشباب الفلسطيني لتفجير انفسهم من أجل ضمان المس بجنود الاحتلال ومستوطنيه. فبالنسبة للشباب الذين نفذ العمليات الاستشهادية فأن الموت أفضل بكثير من مواصلة العيش تحت نير الاحتلال. ويرى المؤلفان أن قدرة الاستشهاديين على المس بالمجتمع الإسرائيلي على هذا النحو ايقظت المشاعر في العالم العربي. يستند المؤلفان الى مقابلات اجرياها في سجون الاحتلال مع عدد من قادة الأذرع العسكرية في حركات المقاومة الذين اعتقلوا على خلفية دورهم في التخطيط للعمليات الاستشهادية وتجنيد الاستشهاديين. وحسب هؤلاء القادة فأن لجوء حركات المقاومة الفلسطينية الى استخدام هذا العدد الكبير من الاستشهاديين لم يكن فقط بسبب توفر عدد كبير من المتطوعين لتنفيذ هذه العمليات، بل بسبب " المزايا الميدانية " للعمليات الاستشهادية، مقارنة بوسائل المقاومة الأخرى. فالاستشهادي يتحكم بتوقيت عمل القنبلة التي يحملها أو الحزام الذين يضعه على جسمه، الى جانب قدرته على اختيار توقيت التنفيذ، بحيث يؤدي الى احداث اقصى ضرر ممكن، فضلاً عن صعوبة القاء القبض على مخرب منفرد يخبئ قنبلة على جسده. وفوق كل ذلك، فأنه من الصعب جداً ردع الشباب الذي ينوي تنفيذ عمليات استشهادية، فالدافعية النفسية التي يتسلح بها الاستشهاديون تجعل من محاولة ردعهم مجرد عبث، إذ أنهم يقدمون على الموت طواعية وباختيارهم.

جذور العمليات الاستشهادية

يرى المؤلفان أن الفلسطينيين لم يبادروا الى تنفيذ العمليات الاستشهادية، الا بعد مجزرة الحرم الابراهيمي في مدينة الخليل، جنوب الضفة الغربية ،في شباط من العام 1994، التي نفذها باروخ جولدشتاين، أحد مستوطني " كريات اربع "، التي تقع شمال شرق المدينة، والتي قتل فيها تسع وعشرين فلسطيني وجرح عشرات اخرين عندما اطلق عليهم جولدشتاين النار وهم يهمون بالسجود في الركعة الأولى من صلاة الفجر. يستند المؤلفان مرة اخرى الى شهادات قادة في الاذرع العسكرية التابعة لحركات المقاومة، والى ملفات التحقيق مع المقاومين الفلسطينيين والتي بحوزة جهاز " الشاباك " ليؤكدان أن الشخص الذي كان له الدور في جعل تنفيذ العمليات الاستشهادية ممكناً في ذلك الوقت، كان:  يحيى عياش، الذي كان في ذلك الحين طالباً مغموراً في كلية الهندسة في جامعة " بيرزيت "، القريبة من رام الله. عياش الذي كان ناشطاً في الاطار النقابي الطلابي التابع لحركة حماس في الجامعة، انضم ل " كتائب عز الدين القسام "، الجناح العسكري التابع للحركة.استغل عياش خبرته التي اكتسبها من خلال دراسته الجامعية في تركيب المواد الناسفة، ليصبح " مهندس " العمليات الاستشهادية ، وأصبح يطور من قدراته ويجهز المزيد من الاستشهاديين للانتقام للذين سقطوا في مجزرة الحرم.لكن أكبر موجة من العمليات الاستشهادية في الانتفاضة الأولى كانت في شتاء العام 1996، وذلك رداً على قيام اسرائيل باغتيال عياش نفسه.ومنذ اغتيال عياش وحتى اندلاع انتفاضة الأقصى تم تنفيذ 35 عملية استشهادية او محاولة لتنفيذها. في هذه العمليات قتل 163 إسرائيلي، وهذا عدد قليل مقارنة مع عدد الاسرائيليين الذين قتلوا في هذه العمليات أثناء انتفاضة الأقصى. يقول المؤلفان أن الذي عزز من مكانة العمليات الاستشهادية كأداة فعل رئيسية في الفعل المقاوم الفلسطيني كان بلا شك الموقف الصارم وغير المتردد الذي اتخذه المجتمع الفلسطيني من الظاهرة ومن الاستشهاديين. فالاستشهاديون أصبحوا محط احترام وتقدير بالنسبة لابناء شعبهم، وأضحوا مجال قدوة لعشرات الالاف من الشباب الفلسطيني الذين كانوا يتطلعون للالتحاق بركب المقاومة ضد الاحتلال. اوجد الاندفاع نحو العمليات الاستشهادية بعض الآثار السلبية التي تمثلت بشكل خاص في مبادرة اطفال تراوحت اعمارهم بين الثامنة والثانية عشر للتسلل للمستوطنات مزودين بسكاكين بايديهم. يتطرق المؤلفان الى عملية تطوير التأصيل الشرعي داخل المحافل الدينية الفلسطينية و الذي على أساسه تم تسويغ تنفيذ العمليات الاستشهادية من قبل رجال الدين.

حتى في إسرائيل أصبح العديد من المفكرين والادباء اليهود يتفهمون لجوء الفلسطينيين الى العمليات الاستشهادية، كما هو الحال مع الاديبة الشهيرة باتيا غور التي أكدت أنها تتفهم أن يلجأ الفلسطينيون المحرومون من القدرات التقنية العسكرية التي تتمتع بها اسرائيل الى العمليات الاستشهادية لكي يحسنوا من ادائهم في المواجهة. حتى رئيس الوزراء الاسرائيلي براك بعيد تسريحه من الجيش في العام 1994، قال " لو ولدت فلسطينياً لاخترت الانضمام الى منظمات الارهاب ". وصور الفداء الفلسطيني جعلت حاييم غوري اشهر الشعراء في إسرائيل يتذكر كلمات رئيس وزراء اسرائيل الأول دفيد بن غوروين أمام مركز حزب " مباي " في العام 1935 عندما اعتبر أن ثورة الشيخ عز الدين القسام كانت أكبر مظهر اخلاقي يجلب الاحترام للعرب في ذلك الوقت، بسبب اعتمادها على التضحية بالنفس كمنطلق لتحديد الأهداف.

 

***اسرائيل تعجز عن تحديد " بروفايل " الاستشهادي

في السنوات التي سبقت نشوب انتفاضة الأقصى، حاول الجيش والأجهزة الاستخبارية الإٍسرائيلية تحديد سمات الفلسطيني المرشح لكي يصبح استشهادياً، وفي نهاية البحث، توصل الجيش والمخابرات الى سمات مشتركة للاستشهاديين، تم دمجها في ورقة واحدة واطلق جهاز الامن الاسرائيلي على هذه السمات " بروفايل المنتحر ". محاولة تحديد سمات الانتحاري اعتمدت بشكل اساسي على السمات المشتركة للفلسطينيين الذين نفذوا عمليات خلال انتفاضة الأقصى. جهاز " الشاباك " تولى الدور الاكبر في تحديد " بروفايل الانتحاري "، وتوصل الى استنتاج ان سمات " الانتحاري " المشتركة تتمثل في كونه: شاب، اعزب، ذكر ، في الغالب يكون ذو توجه ديني. ومن أجل تقليص فرص تنفيذ مزيد من العمليات الاستشهادية، فقد حظر جيش الاحتلال على معظم الفلسطينيين الذين تنطبق عليهم هذه السمات دخول اسرائيل. لكن خلال انتفاضة الاقصى انهار هذا البروفايل بالكامل، كما يقول احد قادة " الشاباك ". ويضيف هذا القائد " في كل مرة حاولنا تحديد البروفايل، تلقينا لطمة جديدة على وجوههنا، فعندما حددنا عمر الانتحاري بثلاثين عاماً كحد اقصى، وجدنا ان هناك من الانتحاريين من يتجاوزه عمره الثلاثين، وعندما أدخلنا المتزوجين بدون اولاد أيضاً إلى البروفايل تم تنفيذ تفجيرات بواسطة آباء لأولاد، حيث كانت احدى العمليات نفذها شخص عمره ثمان واربعين عاماً، وله سبعة من الاولاد". لكن الذي شكل لطمة كبيرة للأمن الإسرائيلي كان انضمام المرأة الفلسطينية لمنفذي العمليات الاستشهادية.

 

الاستشهاديات

 وحول تطور دخول المرأة الفلسطينية ساحة العمليات الاستشهادية يشير الكتاب الى أنه بعد تردد كبير بدأ الفلسطينيون بإرسال نساء لعمليات استشهادية، وكانت اول عملية استشهادية تنفذها امرأة في  كانون ثاني 2002. لكن قبل ذلك  كانت حركات المقاومة الفلسطينية تستخدم النساء فقط كمساعدات في تنفيذ العمليات الاستشهادية، حيث قامت النساء بالمساعدة في الأساس بنقل أحزمة ناسفة للاستشهاديين. كانت حركة " فتح " التنظيم الفلسطيني الأول الذي أرسل امرأة لتنفيذ عملية استشهادية، وكانت تلك هي وفاء إدريس التي كانت تعمل ممرضة في مؤسسة الهلال الأحمر الفلسطيني برام الله، فجرت نفسها بشارع يافا في القدس، و قتل في العملية مستوطن واحد وأصيبت أكثر من مائة. لم يقتصر الأمر على العازبات من النساء، بل كانت هناك امهات قمن بتنفيذ عمليات استشهادية كما هو الحال مع الاستشهادية ريم الرياشي، المنتمية الى " كتائب عز الدين القسام "،  التي قتلت اربعة من الجنود عندما قامت بتفجير نفسها على حاجز ايرز في مطلع العام 2004

الاقرار بالفشل في مواجهة الاستشهاديين

يشير المؤلفان الى أنه على الرغم من نجاح المخابرات الاسرائيلية في جمع المعلومات الاستخبارية التي قادت في كثير من الاحيان الى احباط العمليات الاستشهادية قبل تنفيذها، إلا أن الجهود التي بذلتها اسرائيل لردع الفلسطينيين ومنعهم من الانضمام لمنفذي العمليات الاستشهادية قد باءت بالفشل الكبيرة. في جلسة عاصفة في صيف العام 2002، وازاء تفاقم الضرر الناجم عن العمليات الاستشهادية، قررت الحكومة الاسرايئلية العمل ضد عوائل الاستشهاديين. المنطق وراء هذا القرار كان يقول أنه اذا كان من الصعب ردع الاستشهادي نفسه، لأنه اصلاً اختار الموت، فيتوجب ردع عائلته، والاثبات للمجتمع الفلسطيني ان العقاب الاسرائيلي لا ينتهي بموت الاستشهادي. من هناك قررت الحكومة الاسرائيلية الشروع بتدمير منزل كل استشهادي بأثر رجعي، و تقرر أيضاً تدمير منزل كل من يثبت أنه قام بتجنيد الاستشهاديين وارسالهم لتنفيذ العمليات. على مدى عامين قام جيش الاحتلال بتدمير مائتين وسبعين منزلا لعلائلات الاستشهاديين ومرسليهم. الرسالة الاسرائيلية للاستشهادي قبل تنفيذ العملية أن عائلته ستعيش في العراء بعد موته،وسيكون هو مسؤولا عن تشتيتها. ينقل المؤلفان عن الجنرال اسحاق ايتان الذي كان قائداً للمنطقة الوسطى في جيش الاحتلال ومسؤولاً عن قواته في الضفة الغربية قوله أن هذه السياسة آتت نتائج عكسية تماماً. يجزم ايتان أن سياسة تدمير منازل الاستشهاديين أججت مشاعر الانتقام في المجتمع الفلسطيني، وفاقمت من خطر العمليات الاستشهادية.

الذي يصيب سخاروف وهارئيل بالاحباط هو حقيقة أن المقاومين الفلسطينيين الذين التقيا بهم خلف القضبان والذين يقضون احكاماً بالسجن المؤبد بعد إدانتهم بالمشاركة في التخطيط للعمليات الاستشهادية وتجنيد الاستشهاديين غير نادمين اطلاقاً على ما قاموا به. ويقولان أنه من خلال المقابلات التي اجرياها مع هؤلاء المقاومين الذين يعيشون ظروف قاهرة في السجن تبين لهما ان لدى هؤلاء : إيمان كامل بضرورة الاستمرار في الصراع ضد الاحتلال ورفض قاطع للتعبير عن أدنى ندم. تواصل العمليات الاستشهادية جعل اليأس يتسلل الى نفوس قادة الأجهزة الامنية انفسهم. و يقتبس المؤلفان جزءاً من الكلمة التي القاها افي ديختر رئيس جهاز " الشاباك " امام مؤتمر " هرتسليا " في كانون من العام 2003 حيث أكد أن اجهزة الامن الاسرائيلية فشلت في حماية الاسرائيليين من العمليات الاستشهادية. أحد القادة الكبار في " الشاباك " يعبر عن صور اليأس من امكانية النجاح في مواجهة الاستشهاديين، قائلاً  "الصراع بالمنتحرين لن ينتهي إلى الأبد لأنه أشبه بـ  تفريغ البحر بملعقة " .

 

الاغتيالات و احداث الحادي عشر من سبتمبر

يرى سيخاروف وهارئيل أنه بعد فشل وسائل الفعل العسكري التقليدية ممثلة في عمليات المداهمة والاعتقال، الى جانب المخاطر الجمة التي يتعرض لها الجنود اثناء محاولتهم أسر المقاومين الفلسطينيين، بالذات اولئك الذين على علاقة بالعمليات الاستشهادية، قررت اسرائيل تغيير الوسائل التي اتبعتها المخابرات والجيش في مواجهة حركات المقاومة، وكان الانتقال الى عمليات التصفية، والاعدام بدون محاكمة. يشير سيخاروف وهارئيل الى أن عمليات التصفية استهدفت في البداية المقاومين الذين يقومون بتجنيد الاستشهاديين وارسالهم، والذين يقومون بتصنيع العبوات والاحزمة الناسفة. وجه الشبه بين العمليات الاستشهادية التي ينفذها المقاومون الفلسطينيون واحداث الحادي عشر من سبتمبر في نيويورك وواشنطن وفرت لاسرائيل فرصة نادرة لتبرير سياسة التصفية واضفاء شرعية عليها، أو على الأقل ضمان تأييد القطب الأوحد في العالم لهذه السياسة. يؤكد سيخاروف وهارئيل أن احداث الحادي عشر من سبتمبر زادت من الانسجام بين شارون والرئيس الأمريكي بوش. ووصل الأمر الى حد أن بوش اعتبر أن حرب اسرائيل ضد المقاومة الفلسطينية هو جزء من الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة ضد " الارهاب العالمي ". هذا الفهم لم يكن حكراً على بوش، بل اصبح يتبناه عدد من كبار الكتاب في الولايات المتحدة، وعلى رأسهم توماس فريدمان الذي كتب بعيد قيام اسرائيل بشن حملة " السور الواقي " في ابريل من العام 2002 والتي هدفت الى تصفية البنى التنظيمية لحركات المقاومة في الضفة الغربية، قائلا " لنتيجة الحرب الدائرة الآن بين الإسرائيليين والفلسطينيين سيكون تأثير حاسم على أمن كل أمريكي وأيضاً على أمن الحضارة كلها ". فريدمان دعا العالم الى دعم اسرائيل في حربها ضد " الانتحاريين "، قائلاً  إذا نجح إرهاب الانتحاريين في إسرائيل مثل اختطاف الطائرات فسيأتي اليوم الذي ينفجر فيه انتحاري متحزم بحزام نووي ". يقول سيخاروف وهارئيل أن الادارة الامريكية منحت شارون تصريحاً مفتوحاً بالقتل، و طالما أنه من الممكن تبرير الخطوات الإسرائيلية المتصاعدة، كأنها حرب ضد " الإرهابيين فأن الادارة الامريكينة لن تعترض. معظم دول العالم اكتفت باحتجاجات هشة على عمليات التصفية، فشارون عملياً حصل على ترخيص للقتل.قبل احداث الحادي عشر من سبتمبر كان الامريكيون يكثرون من انتقاداتهم لعمليات التصفية، لكن بعد ذلك انقلبت الامور رأساً على عقب.

 

" صناعة " الاغتيال

ينوه سيخاروف وهارئيل الى أن جهاز " الشاباك "، وبحكم امتلاكه معظم العمليات الاستخبارية المتعلقة بحركات المقاومة، فقد تولى عملياً تحديد الاشخاص المرشحين كاهداف للتصفية. صاغ جهاز الشاباك معايير على أساسها يتم تحديد " المرشحين " للتصفية من بين قادة المقاومة وعناصرها. يقوم ممثلو " الشاباك " بطرح ملف المرشح للتصفية خلال اجتماع يرأسه وزير الدفاع في مبنى وزارة الدفاع في تل ابيب بحضور عدد مقلص من ممثلي الاجهزة الامنية الاخرى، سيما شعبة " الاستخبارات العسكرية "، وفي حضور ممثل عن هيئة اركان الجيش. اذا صادق وزير الدفاع على التصفية، تطرح القضية على رئيس الحكومة للمصادقة عليها. في البداية كان شارون يطلع اعضاء المجلس الوزاري لشؤون الأمن على عمليات الاغتيال المرشحة للتنفيذ، لكن بعد ذلك لم يطلع شارون اي من الوزراء على عمليات التصفية المخطط لها، الا في حالات نادرة، أهمها قرار تصفية قيادة حركة حماس في قطاع غزة. بعد مصادقة كل من رئيس الوزراء ووزير الدفاع على المس بالهدف الذي رشحه جهاز "  الشاباك "، يقوم الجهاز بالتعاون مع شعبة الاستخبارات العسكرية وسلاح الطيران بجمع المعلومات عن تحركات المرشح. " الشاباك " يحصل على معلومات عن تحركات المرشح للتصفية عن طريق العملاء من الفلسطينيين الذين يتواجدون في منطقة سكن المرشح للتصفية ويبلغون عن تحركاته أولاً بأول. رئيس جهاز "الشاباك " السابق افي ديختر يؤكد أنه لم يتم تصفية اي مقاوم فلسطيني الا بعد أن قام عملاء " الشاباك " من الفلسطينيين بالتأكيد لضباط " الشاباك " في غرفة العمليات الخاصة بعمليات التصفية بانه يتواجد في المكان الذي يسهل اغتياله فيه. سيخارف وهارئيل يؤكدان أن عملية رصد تحركات المرشح للتصفية يقوم بها أكثر من عميل، من أجل ضمان توفر معلومات موثوقة عن مكانه، و من اجل اصابته بشكل دقيق. الى جانب المصادر البشرية في الحصول على المعلومات الاستخبارية، فأن شعبة الاستخبارات العسكرية ترصد المرشح للتصفية عن طريق التقنيات المتقدمة. فهذه الشعبة تضم وحدة متخصصة في التنصت على رجال المقاومة الفلسطينية، ويطلق عليها " وحدة 8200 ". الى جانب كل ذلك تقوم طائرات استطلاع بدون طيار برصد تحركات المرشحين للتصفية وتقديم معلومات حولها لمركز التحكم الخاص بعمليات التصفية. وكما يشير المؤلفان فأن معظم عمليات التصفية تم تنفيذها بواسطة القصف من الجو، وتحديداً عن طريق مروحيات " الاباتشي " الامريكية الصنع، وباستخدام الصواريخ الحارقة من نوع " hilefire "، والتي يملك الجيش الاسرائيلي عدة احجام منها. منذ مطلع العام 2004، حدث تطور، حيث تم استخدام طائرات الاستطلاع بدون طيار في تنفيذ عمليات الاغتيال، وذلك من أجل تسهيل مباغتة الهدف. والى جانب ذلك كان هناك العديد من الوسائل التي تستخدم في التصفية مثل اطلاق النار على الاهداف من قبل قناصة، سيما أن كان المرشح للتصفية يسكن في منطقة محاذية للمستوطنات أو للمواقع العسكرية، وفي بعض الأحيان تقوم بعمليات التصفية فرق الموت التابعة لجيش الاحتلال، وأشهر هذه الوحدات: وحدة المستعربين " دوفيديفان " التي يتخفى عناصرها في زي المدنيين الفلسطينيين ويستقلون سيارات ذات لوحات ترخيص فلسطينية، والى جانبها تعمل وحدات اخرى، منها: " سرية الاركان "، و" ايجوز "، و" دوخيفات "، و" وحدة مكافحة الارهاب " التابعة للشرطة والمعروفة ب "يمام ". في البداية اقتصرت عمليات التصفية على المسؤولين عن العمليات الاستشهادية، مجندي الاستشهاديين، ومعدي المواد الناسفة، لكن بعد ذلك انتقلت التصفيات لتطال القادة السياسيين للتنظيمات الفلسطينية، وبلغت الذروة في القرار الذي اتخذته حكومة شارون في ايلول من العام 2003 بتصفية القيادة السياسية لحركة حماس، وعلى رأسها الشيخ احمد ياسين. يشير سيخاروف وهارئيل الى أن الشخصين الذان يشرفان على تنفيذ عمليات الاغتيال من الناحية العملية هما نائب رئيس هيئة الاركان ونائب رئيس " الشاباك ".  يضيف سيخاروف وهارئيل ان جهاز "الشاباك " يقيم هيئة امامية، وهي عبارة عن غرفة واسعة الأرجاء، ممنوع دخولها حتى على معظم العاملين في الجهاز، تنصب فيها شاشات عملاقة تظهر فيها تحركات المرشحين للتصفية كما ترصدها طائرات الاستطلاع بدون طيار. وهناك خطوط هاتفية تصل بين رجال قسم العمليات في " الشاباك " وبين طياري سلاح الجو الذين دائماً على اهبة الاستعداد لاطلاق الصواريخ على الهدف. ولأنه يملك المعلومات فأن " الشاباك " هو الذي يعطي المصادقة النهائية على اطلاق النار على الهدف.

حرص جيش الاحتلال على اطلاق اسماء ميدانية على عمليات الاغتيال التي استهدفت كبار قادة المقاومة، فعملية اغتيال الشيخ ياسين اطلق عليها " رصاصة سرعة الغيارات ". ويشدد سيخاروف وهارئيل على الدور الكبير الذي يطلع به العملاء من الفلسطينيين في المساعدة في تنفيذ عمليات التصفية. ويشيران الى ان " الشاباك " استغل حاجة الكثير من الفلسطينيين للحصول على تصاريح عمل او سفر للخارج وقام بتجنيد اعداد كبيرة منهم لصالحه من اجل جمع المعلومات الاستخبارية. يشير الاثنان الى  وسائل " الشاباك " التي استخدمها في تجنيد العملاء حتى في ظل انتفاضة الاقصى. وحسب المؤلفين فأن اكثر الطرق تأثيراً هو ابتزاز الفلسطينيين من خلال التقاط صور لهم اثناء ممارستهم الجنس خارج نطاق الزوجية، الى جانب الاغراء بالمال والامتيازات.  

 

 

التصفية : مرامي اخرى

يؤكد سيخاروف وهارئيل أن سياسة التصفيات التي استخدمت من اجل مواجهة اثار العمليات الاستشهادية اصبحت تستخدم لتحقيق اغراض سياسية على صعيد الصراع مع الشعب الفلسطيني، ولم تعد وسيلة لتحسين الوضع الامني للدولة والقضاء على الانتفاضة. وينقل المؤلفان عن ضابط كبير في قيادة المنطقة الوسطى تفسيره لتمادي المستوى السياسي في الحث على ممارسة التصفيات، قوله " كانت هنا أجندة سياسية، هدفها إبقاء مناطق الضفة الغربية خارج السيطرة الفلسطينية، بحيث تبقى الضفة خاضعة لسيادتنا إلى الأبد"

الى جانب ذلك فقد استخدمت سياسة التصفيات من قبل المستوى السياسي لاسترضاء الرأي العام الاسرائيلي ومن اجل تحقيق مكاسب شخصية في الصراعات داخل الاحزاب المشاركة في الحكومة، سيما حزب الليكود.

 

الاغتيالات: نتائج عكسية

يؤكد سيخاروف وهارئيل أن أحد النتائج العكسية والسلبية جداً لسياسة الاغتيالات أنها أدت الى ذواب الفوارق بين التنظيمات الفلسطينية. ويؤكدان أنه بسبب هذه السياسة أصبحت الحركات العلمانية الفلسطينية تتجه نحو تنفيذ العمليات الاستشهادية، بعد أن كانت العمليات الاستشهادية حكراً على حركتي حماس و" الجهاد ". فقد أصبحت الحركات العلمانية مثل " فتح " و " الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين "، تنفذ عمليات استشهادية. نقطة التحول الفارقة في آليات عمل حركة " فتح " في المجال المقاوم كانت عندما قامت اسرائيل باغتيال رائد الكرمي قائد جناحها العسكري في مدينة " طولكرم " في شباط 2002. حتى هذا التاريخ لم تقم " فتح " بأي عملية استشهادية، لكن بمجرد أن وقعت عملية الاغتيال، رد الجناح العسكري ل " فتح "، المعروف ب " كتائب شهداء الاقصى " بسلسلة من العمليات الاستشهادية المؤلمة. ومنذ ذلك الوقت اصبحت العمليات الاستشهادية اداة النضال الاكثر اعتماداً لدى الجناح العسكري ل " فتح ". الامر دفع شخصيات قيادية برغماتية لخوض غمار العمل المسلح، وتحديداً امين عام سر اللجنة الحركية العليا ل" فتح " مروان لبرغوثي الذي كان ينظر اليه في اسرائيل على أنه من " الحمائم " في الساحة الفلسطينية، والذي يقضي حالياً حكماً بالسجن المؤبد في السجون الاسرائيلية، بعد ادانته بالتمويل والتخطيط واصدار الأوامر لتنفيذ عمليات استشهادية. وقد وصل الامر الى حد أن عدد الاسرائيليين الذين يقتلون في العمليات الاستشهادية التي تنفذها " فتح " أكبر من عدد الاسرائيليين الذي يقتل في العمليات التي تنفذها " حماس ". ينقل كل من سيخاروف وهاريئل عن وزير الدفاع الاسرائيلي في عهد حكومة شارون الاولى بنيامين بن اليعازر قوله أنه يعتبر موافقته على اغتيال الكرمي كانت خطأ حياته، لأنه سمح بانضمام " فتح " للعمليات الاستشهادية بكل قوة. وكرد على عمليات الاغتيال نجح عناصر من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في اغتيال الوزير اسرائيلي الجنرال رحبعام زئيفي رداً على اغتيال امين عام الجبهة ابو علي مصطفى.

 

نزع الشرعية عن عرفات

ينوه المؤلفان الى أن اسرائيل استثمرت أحداث الحادي عشر من سبتمبر في اقناع الادارة الامريكية بأن الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات لا يمكن الوثوق به مطلقاً. أمر شارون اجهزة مخابراته بجمع كل الوثائق التي استولت عليها اثناء مداهمة مقر عرفات في رام الله، والتي تؤكد صلة عرفات بالعمليات التي تنفذها حركة " فتح ". شارون امر بارسال هذه الوثائق للادارة الامريكية. بوش بات يقتنع أن عرفات يمارس معه الخداع. الشعرة التي قصمت ظهر البعير كانت قضية السفينة " كارين ايه " في العام 2002. المخابرات الإسرائيلية علمت عن خطط السلطة الفلسطينية، لتهريب شحنة كبيرة من الأسلحة من إيران بمساعدة حزب الله منذ ربيع 2001. صادرت اسرائيل السفينة في عرض البحر الأحمر، واعتقلت كل من عليها، وأدعت أن الذي يقف وراءها لم يكن غير عرفات شخصياً، مرة اخرى قام شارون بحمل ما يعتبر أنها ادلة استخبارية دامغة تربط عرفات بالسفينة، بوش اقتنع بالرواية الاسرائيلية، لكنه غضب غضباً شديداً عندما بعث عرفات له برسالة يؤكد له أنه ليس على أي علاقة بالسفينة. منذ هذه اللحظة اعتبر كل من شارون وبوش عرفات خارج " القادة الشرعيين " الذين يمكن التواصل معهم، واستعذب كل من بوش وشارون اطلاق على عرفات مصطلح " شخصية  غير ذات صلة "( not relevant ". يعتبر المؤلفان أن هذه كانت فرصة لم يتوقعها شارون نفسه، حيث كانت اسرائيل في وضع مثالي. فاهتمام العالم تحول من القضايا التي تتعلق بظلم الدولة المحتلة و معاناة الشعب الخاضع للاحتلال، الى الصراع المشترك للغرب ( وضمنه اسرائيل ) ضد الارهاب. وحسب المؤلفين فأن العالم اصبح ينظر لعرفات على أنه لم يعمل ما يكفي لكبح " الإرهاب "، و تورط فيه بشكل شخصي. اللافت للنظر أن الذي اقنع بوش بتورط عرفات في عمليات " الارهاب " لم يقنع دان مريدور، الوزير الذي كان مكلفاً بالاشراف على الاجهزة الاستخبارية في عهد حكومة شارون الاولى. فحسب شهادة مريدور،  فأنه اطلع على كل الوثائق المتعلقة بعرفات، لكنه لم يوجد ما يثبت ان الرجل على علاقة بعمليات المقاومة!!!!.

 

مولد خطة " فك الارتباط "

يؤكد المؤلفان أن شارون الذي يعتبر " ابو المشروع الاستيطاني " في الضفة الغربية وقطاع غزة ادرك بسرعة أنه على الرغم من التفوق الطاغي للقوة العسكرية الاسرائيلية فأن الدولة العبرية ليس بامكانها مواصلة المواجهة على هذا النحو. فقد اتضحت عدم مقدرة الجمهور الاسرائيلي على تحمل تبعات المواجهة المتواصلة. شارون الذي كان يتبجح ويتعهد لكل ناخبيه في اليمين، بأنه سيفرط بتل ابيب في حال فرط بنتساريم ( مستوطنة نائية تقع الى الجنوب من مدينة غزة )، وصل الى قناعة مفادها ان عليه تفكيك جميع مستوطنات قطاع غزة واربعة مستوطنات نائية في شمال الضفة الغربية، وكانت هذه بداية قصة خطة " فك الارتباط ". بالنسبة لشارون كانت خطة " فك الارتباط " آلية لادارة الصراع لا حله. فالى جانب ادراكه عجز جيشه عن تحقيق نصر حاسم على الانتفاضة،  خشى شارون أيضاً أن يؤدي التجند العالمي لخطة " خارطة الطريق " التي قدمتها الولايات المتحدة واللجنة الرباعية الى سحب البساط من تحت اقدامه واجباره الى تقديم " تنازلات " لا يقبل بها. فقام شارون من ناحية بالاعلان عن خطة فك الارتباط، وفي نفس الوقت طرح شروط تعجيزية من اجل الموافقة على خطة " خارطة الطريق ". شارون اشترط أن تقوم السلطة الفلسطينية بنزع اسلحة حركات المقاومة وتفكيك بنيتها التحتية والقضاء على كل مظاهر التحريض على الدولة العبرية قبل خوض غمار خطة " خارطة الطريق ". اعتبر شارون أن خطة " فك الارتباط " تحسن من الواقع الديموغرافي لصالح اليهود، اذ أن اسرائيل ستتخلص من مئات الالاف من الفلسطينيين الذين سيتم القذف بهم في الكيان الفلسطيني الذي سينشأ في قطاع غزة بعد تنفيذ خطة " فك الارتباط ".

العسكر يبلورون السياسة

يرى سيخاروف وهارئيل أن انتفاضة الأقصى قد تركت اثاراً كبيرة على النظام السياسي في الدولة العبرية، وبدت المثالب كثيرة في الديموقراطية الإٍسرائيلية. وقد كان ابرز هذه المثالب الدور الطاغي المؤسسة العسكرية في صناعة القرار وتجاوز الحكومات المنتخبة. فقد أخذ الجيش والاجهزة الاستخبارية يعلب دوراً متزايداً في تقرير السياسات العامة، حتى اصبح يملي هذه السياسات على الحكومة المنتخبة. يرصد المؤلفان مظاهر الاحباط وخيبة الأمل داخل أروقة من أداء المستوى العسكري ، حيث سمعت شكاوى حول عدم امتثال الجيش لأوامر الحكومة. عدد كبير من الوزراء اتهم الجيش بأنه يدير معركة خاصة ضد الفلسطينيين بدون أن تكون للحكومة والبرلمان قدرة على فرض رقابة حقيقية على عمليات الجيش، وتحميل الحكومة والمجتمع تبعات هذه السياسة. في نفس الوقت عمدت قيادة الجيش على مد الحكومة بتقارير مضللة عما يجري من أحداث. المؤلفان يتهمان رئيس الوزراء السابق ايهود براك بتشجيع الجيش على التمادي وتجاوز السياسات التي تقررها الحكومة واعتماد سياسة خاصة به. فقد اقتبس براك موبخاً عدد من الوزراء اعترضوا على هامش الحرية المتاح لقيادة الجيش لتحديد وجهة العلاقة مع الفلسطينيين قائلاً "  دعوا قادة الجيش في الضفة الغربية وقطاع غزة يحسمون الأمر". و قد تجاهل  براك التحذيرات التي صدرت بهذا الصدد عن وزراء  ذوي خلفية امنية، سيما وزراء خدموا في السابق كقادة مناطق في الضفة الغربية وقطاع غزة ، ومنهم نائب وزير الدفاع افرايم سنيه ، ومنسق نشاطات الحكومة في الضفة والقطاع الجنرال يعقوب (مندي) أور. وتولد الانطباع لدى عدد من الوزراء بأنه ليس فقط الجيش يُملى الأحداث وإنما ايضاً فقدت الحكومة السيطرة على الجيش. وبخلاف ما تعكف عليه ماكنة الدعاية الاسرائيلية فأن سيخاروف وهارئيل ينقلان عن عدد من الوزراء في حكومة براك قولهم أن افراط الجيش في استخدام القوة العسكرية في مواجهة المدنيين الفلسطينيين جعلت من الصعوبة بمكان استئناف المفاوضات بين اسرائيل والسلطة. وقال عدد من الوزراء بأن الجيش يعمل وفق أجندته الخاصة به.ويقول افرايم سنيه إن براك لم يفعل ما فيه الكفاية من أجل دعوة الجيش للانضباط لتعليمات الحكومة ، وبالتالي "شجع وحشية الجيش " في أواخر ولايته وتسبب في إفشال كل فرصة للتقدم المفاوضات مع السلطة الفلسطينية . ويتحدث سنيه عن انطباعاته من خلال حضوره لحفل احياه جنود احدى الكتائب العاملة في الضفة الغربية، حيث خرج فزعاً مما سمع ورأى. فقد قال أنه بات يؤمن أنه لا حاجة لقرارات الحكومة، حيث يفرض الجيش سياسة اخرى مغايرة. ويكرر سنيه اتهامه لبراك الذي اصبح يعطي قادة الجيش كل الحرية للتنكيل بالفلسطينيين والتضييق عليهم بدون الرجوع اليه. ويقول سنيه " تطورت سياسات العقاب ضد الفلسطينيين بوحشية. لقد حطم أهود براك تقليد طويل اتبعه وزراء الدفاع من قبله، وهو إن اقتلاع شجرة أو إغلاق بيت فلسطيني يستدعي مصادقة من الوزير نفسه. لكن براك اطلق يد قادة الكتائب في الجيش أن يفعلوا ما يحلو لهم بدون الرجوع اليه. لقد كانت هذه همجية، أتلفت الزراعة الفلسطينية ".

بعد أن ضمنت المؤسسة الأمنية لنفسها تحديد السياسات العامة في مواجهة الفلسطيني، فقد لاح بالافق سريعاً صراع نفوذ بين مركبات هذه المؤسسة، سيما بين الجيش وجهاز " الشاباك ". وسريعاً استطاع " الشاباك " أن يحسم الصراع لصالحه، وأصبح قادته ذوي الكلمة الفصل في أكثر القضايا المتعلقة بالصراع مع الفلسطينيين حساسية. لا يختلف اثنان على أن الذي رفع أسهم جهاز " الشاباك " مقابل الجيش والاجهزة الاستخبارية الاخرى هو اندلاع انتفاضة الأقصى. فقد تولى" الشاباك " منذ اندلاع الانتفاضة مهمة احباط عمليات المقاومة، وجمع المعلومات الاستخبارية التي تم توظيفها في شن عمليات التصفية والاعتقال بحق قادة ونشطاء حركة المقاومة. كان هناك اجماع على أن ما حققه " الشاباك " من انجازات في مجال احباط عمليات المقاومة فاق كل التصورات. يرى الكاتبان أن قدرة  "الشاباك " على التغلغل في المجتمع الفلسطيني التي راكمها عن طريق التجنيد الكثيف للعملاء والجواسيس ساعد على توفير المعلومات الاستخبارية التي قادت الى احباط عمليات المقاومة عن طريق اعتقال خلاياها وتفكيكها والزج بعناصرها في غياهب السجون، أو تصفيتهم. انخفاض عمليات المقاومة الفلسطينية داخل الضفة الغربية وانطلاقاً منها خلال بشكل حاد سيما في العام 2004، لم يكن ليتسنى بدون المعلومات الدقيقة التي وفرها " الشاباك ". و لا يفوت أحد في الحكومة أي مناسبة دون الاشادة بالجهود التي يبذلها " الشاباك " لمنع عمليات المقاومة واحباطها قبل أن تأخذ طريقها الى مراكز المدن الاسرائيلية. حسب المؤلفين فقد تحول " الشاباك " وقادته الى  الاشخاص الأكثر قرباً من رئيس الوزراء . بسبب " انجازات " الشاباك، فأن الحكومة تضرب بعرض الحائط توصيات بقية الأجهزة الأمنية الأخرى اذا كانت تتعارض مع التوصيات التي يقدمها " الشاباك " . من ناحية ثانية، فان احتكار " الشاباك " للمعلومات الاستخبارية المتعلقة بالفلسطينيين مس بقدرة أعضاء الحكومة وبقية الأجهزة الأمنية على تقديم تصورات مغايرة. هذا الاحتكار ساعد " الشاباك " على تضخيم المعلومات من أجل تكثيف عمليات الاغتيال والقمع بشكل عام. لكن نفوذ "الشاباك " لم يتوقف عند حد رفع سقف القمع ضد الفلسطينيين، بل ايضاً تعداه الى التمتع بحق " الفيتو " ضد أي خطوة سياسية تقدم عليها الحكومة تجاه الفلسطينيين. " الشاباك " نجح دائما في اقناع الحكومة بالتعامل ببخل شديد في كل ما يتعلق ب " بوادر حسن النية " تجاه الفلسطينيين. على الرغم من أن الأجهزة الأمنية الأخرى كان لها رأياً اخر، إلا ان "الشاباك " نجح في رفض تقديم مثل هذه البوادر على اعتبار أنها تضعف قدرة الدولة على احباط العمليات.  لكن في زحمة الأحداث، وفي ظل الاطراء غير المتناهي على دور " الشاباك " في مواجهة المقاومة والانتفاضة،  فوجئت اسرائيل بعريضة تنشرها صحيفة " يديعوت احرنوت " مطلع العام 2004، يوقع عليها اربعة من رؤساء " الشاباك " السابقين،وهم: ابراهام شالوم ويعكوف بيري وكارمي غيلون عامي ايالون. وكان أهم ما جاء في هذه العريضة التي وجهت للرأي العام الإسرائيلي" اذا ظلت إسرائيل متشبثة بالخيار العسكري في مواجهة الفلسطينين فقط فأنها مهددة بخطر الزوال ". ويؤكد هؤلاء القادة الذي كان كل واحد منهم أيضا محط الاعجاب "  أنه من التضليل الايحاء للرأي العام أنه بالامكان ضمان امن الدولة وبقائها عن طريق القوة وبدون الاستعداد لدفع الثمن الذي تتطلبه تسوية سياسية دائمة مع الفلسطينيين ".

 

قصارى القول فأنه يمكن تلخيص ما جاء في " أكاذيب حول السلام " و " الحرب السابعة "، بالقول أنه بسبب انعدام الجدية الإسرائيلية في التوصل لتسوية سياسية حقيقة، فقد كان من الطبيعي والمنطقي والمطلوب أن تندلع انتفاضة الأقصى.

 

 

 

 

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر