موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
اندفاع العرب التطبيع..... كما تفسره اسرائيل وتوظفه
تدافع العديد من الدول العربية في الآونة الأخيرة لتطبيع علاقاتها مع الدولة العبرية،فاجأ حتى عدد من كبار المسؤولين الإسرائيليين. ففي بادئ الأمر لم يستوعب عدد من وزراء الحكومة الإسرائيلية الميل العربي الرسمي للتطبيع، في الوقت الذي تمارس فيه الدولة العبرية هذا القدر من الاجرام ضد الشعب الفلسطيني،. فالقائم بأعمال رئيس الحكومة ايهود أولمرت يقول " أنني أقر بالشعور بالمفاجأة بسبب حرص أنظمة الحكم في العالم العربي على تطبيع علاقاتها معنا، بالذات في الوقت الذي تعمل فيه حكومتنا على أستخدام أكبر قدر من القوة للقضاء على انتفاضة الأقصى، وتجريد الفلسطينيين من كل مصدر يمكنهم من مواصلة الكفاح ضد وجودنا في الضفة الغربية وقطاع غزة". أما وزيرة الخارجية تسيفي ليفني ليفني فتقول " حتى عندما كان يتملكني التفاؤل وأقع أسيرة أحلامي الوردية، لم أكن أتصور أن نفاجأ بهذا القدر من المؤشرات على الرغبة العربية بالتطبيع معنا، على الرغم من الحرب التي لا هوادة فيها التي شنتها حكومتنا الحالية في سبيل اخماد جذوة انتفاضة الأقصى، وتوظيفها كل أدوات القوة من أجل تحقيق هذا الهدف". لم يدم طويلاً الشعور بالمفاجأة لدى دوائر صنع القرار في الدولة العبرية حيال الميل العربي الرسمي للتطبيع مع اسرائيل، وسرعان ما تمت بلورة تفسير لهذا الميل. ومن الأهمية بمكان أن نقف على التفسير الذي قدمه الجنرال جيورا ايلاند، رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، بوصفه أهم مرجعيات اتخاذ القرار في الدولة العبرية، للحرص العربي على التطبيع مع الدولة العبرية. فايلاند يرى – في تقرير قدمه لحكومة شارون - أن الحرص العربي الرسمي على التطبيع موجه في الأساس للإدارة الامريكية. وحسب ايلاند فأن العديد من أنظمة الحكم في العالم العربي ترى أنه من أجل استرضاء الادارة الأمريكية التي جعلت على رأس أولوياتها تغيير الأنظمة الحاكمة كوسيلة لضمان مصالحها في المنطقة، فأن هذه الأنظمة ترى أن عليها التقرب مع اسرائيل وبشكل لافت. ومن اللافت للنظر أن أيلاند يرى أن محاولة بعض انظمة الحكم في العالم العربي استرضاء واشنطن لا يقتصر على التطبيع، بل أيضا في حرص بعض الدول العربية في لعب دور في خطة " فك الارتباط "، وبالذات مصر والأردن. ويرى ايلاند أن الحكومة المصرية – على سبيل المثال - تصر على لعب دور في " فك الارتباط " لاقناع الادارة الأمريكية باستثناء نظام الحكم في مصر من التغييرات التي تزمع واشنطن القيام بها ضمن جهودها ل " دمقرطة " المنطقة. وهناك من صناع القرار في الدولة العبرية من يرى أن الميل العربي الرسمي نحو التطبيع هو ترجمة للشعور بالعجز العربي إزاء أي امكانية لدفع اسرائيل لتغيير سياساتها بالقوة. فهذا هو وزير الأمن الداخلي جدعون عيزرا، يعقب ساخراً على الحرص العربي على التطبيع، ويقول " لقد قرب اليوم الذي سيضطر فيه زعماء العرب للحجز مسبقاً حتى توافق اسرائيل على طلباتهم بزيارتهم لها". ويضيف " لم يحاول العرب تطبيع علاقاتهم معنا الا بعد أن يئسوا تماماً من إمكانية الحاق الهزيمة بنا وبدولتنا، هذا التطبيع تجسيد بالتسليم العربي الرسمي بالحقائق التي ارستها الحركة الصهيونية فوق هذه الأرض". الذي يثلج صدور الصهاينة هو حقيقة أن الحرص العربي على التطبيع يتزامن مع انعدام وجود أي توجه عربي لتعديل موازين القوى الاستراتيجية مع الدولة العبرية. فقد نقلت صحيفة الصفوة " هارتس " في عددها الصادر بتاريخ ( 18-1-2005 ) عن هيئة أركان جيش الاحتلال قولها أن الخطة التسليحية للجيش المصري تلائم فقط الحروب السابقة، ولا يمكنها أن تشكل خطراً على الدولة العبرية في المستقبل. التطبيع لعزل المقاومة لا ينتمي شارون إلى اولئك الذين يؤمنون بفكرة " الشرق الأوسط الجديد "، بل على العكس تماماً.فشارون يحمل اراءاً عنصرية بالغة التطرف تجاه العرب، ومن الأهمية بمكان أن نذكر هنا ما يرويه المعلق الإسرائيلي بن كاسبيت الذي يقول أن شارون دائما ينهي كل حديث يتناول العلاقة مع العرب بالقول بكثير من الاستعلاء والعنصرية " في نهاية المطاف، محظور علينا ان ننسى بان الحديث يدور هنا عن العرب ". ومع ذلك فأن شارون يولي أهمية للتطبيع مع الدول العربية. ويفسر نجله النائب عومري شارون ذلك بالقول أن أهمية تطبيع العلاقات مع العالم العربي تكمن في أنها تساهم في عزل حركات المقاومة الفلسطينية وتقلص من حجم الفضاء الذي تستفيد منه هذه الحركات في العالم العربي. ويشير شارون الابن إلى أنه بفعل الاتصالات مع بعض الدول العربية فقد تقلصت قدرة حركات المقاومة الفلسطينية – على سبيل المثال – على تجنيد الأموال اللازمة لمواصلة عملياتها ضد إسرائيل. في نفس الوقت فأن اسرائيل تستفيد من أجواء التطبيع في محاولة التأثير على ما يجري في الساحتين السورية واللبنانية. ولعل أقل ما يذكر هنا هو التأكيد الإسرائيلي على اتصالات اجراها مسؤولون إسرائيليون مع قيادات لبنانية من أجل العمل على أن يصدر البرلمان اللبناني عفواً عن عناصر جيش جنوب لبنان الذين فروا لإسرائيل في أعقاب انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان في العام 2000. يرى الاسرائيليون أن الدور المصري والأردني في خطة " فك الارتباط "، هو الذي فتح الباب أمام بقية الحكومات العربية لتطبيع علاقاتها مع الدولة العبرية.ويؤكد العديد من كبار المسؤولين الإسرائيليين على أن الدور المصري والأردني يساعد اسرائيل على تحقيق اهدافها من خطة " فك الارتباط ". فتل ابيب تتعاطى مع الدور المصري والأردني في هذه الخطة كبديل عن الدور الفلسطيني الرسمي، الأمر الذي يضفي صدقية على مزاعم إسرائيل بأن هذه الخطة " أحادية الجانب ". تعي الدولة العبرية أن انضمام الطرف الفلسطيني كشريك في هذه الخطة يعني الربط بينها وبين خطة " خارطة الطريق "، التي تلزم إسرائيل – لو من ناحية نظرية - باخلاء مزيد من المستوطنات في الضفة الغربية، وصولاً لإقامة الدولة الفلسطينية. الذي يبعث على الارتياح الاسرائيلي هو حقيقة أن كلاً من الاردن ومصر تواصلان التنسيق مع تل ابيب في تنفيذ خطة " فك الارتباط " على الرغم من اعلان اسرائيل لاهدافها من تنفيذ هذه الخطة. فقد سمع العالم، كله،دوف فايسغلاس كبير مستشاري شارون الذي أعلن أن خطة " فك الارتباط " جاءت للقضاء على أي فرصة لقيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية في المستقبل ". ولم تؤثر تأكيدات وزير الدفاع الإسرائيلي شاؤول موفاز على أن " فك الارتباط " تأتي لاعطاء " طفرة غير مسبوقة " للمشروع الاستيطاني في الضفة الغربية على خطط كبار المسؤولين الامنيين في القاهرة لمواصلة التنسيق مع نظرائهم الإسرائيليين حول هذه الخطة، مع العلم أن تصريحات موفاز هذه أصبحت واقعاً تشهده الضفة الغربية حالياً. وهناك ارتياح اسرائيلي من تعاطي الحكومة المصرية مع " فك الارتباط " كما لو كان انسحاباً حقيقياً لجيش الاحتلال من قطاع غزة، مع أن هذا الجيش سيواصل سيطرته على أجواء وحدود ومياه قطاع غزة الاقليمية، الامر الذي يتحول معه القطاع الى سجن كبير. موفاز قال أكثر من مرة أنه يرى في قبول مصر والأردن بلعب دور في " فك الارتباط " على الرغم من الاهداف الإسرائيلية المعلنة منها، وسيلة ضغط على الجانب الفلسطينيين للتعاطي مع هذه الخطة والتسليم بالحقائق التي تفرضها على الأرض. مفارقة هناك مفارقة تكمن في حقيقة تزامن الحرص العربي على التطبيع مع تعدد المؤشرات التي تؤكد أن المجتمع الإسرائيلي يتجه بقوة نحو مزيد من التطرف والشوفينية بشكل محرج لكل الذين تذرعوا بدور في دفع اسرائيل للتسوية. الذي تتجاهله أنظمة الحكم العربية هو حقيقة أن انعدام وجود بدائل لدى العرب، غير التهافت على التطبيع، يدفع الإٍسرائيليون لمزيد من التشدد. فرئيس الوزراء الإٍسرائيلي الأسبق بنيامين نتنياهو ووزير المالية الحالي، والمرشح لخلافة شارون في زعامة " الليكود " وقيادة الدولة يملك تأويلاً للغزل المصري والتطبيع العربي، حيث يقول " حرص العرب على استرضائنا واقامة العلاقات معنا مظهر من مظاهر انتصار المشروع الصهيوني، لكن على إسرائيل ألا تدفع أي ثمن ذلك لهم لقاء ذلك".
مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر