موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
كيف تؤثر عصابات الإجرام المنظم على الحكم في إسرائيل
يكاد لا يخلو يوم لا تكشف فيه وسائل الإعلام العبرية عن مزيد من الأدلة على ظاهرة استشراء الفساد في مؤسسات الحكم في دولة الكيان الصهيوني. و يكاد لا يختلف اثنان في هذه الدولة على أن عصابات الإجرام المنظم أصبحت جزءاً لا يتجزأ من المشهد السياسي والحزبي في " إسرائيل ". استشعار الخطر المتمثل في تأثير عصابات الإجرام على دوائر صنع القرار الصهيوني دفع وزيرة التعليم الصهيوني ليمور ليفنات السابقة مؤخراً قد اكدت أن عصابات الاجرام المنظم تملك تأثير كبير على حزب " الليكود " . الشارع الصهيوني بات يعي عمق هيمنة الإجرام المنظم على الأحزاب " الإسرائيلية ". فحسب دراسة اعدها الباحث الصهيوني البرفسور دافيد نحمياس من " مركز هرتسليا متعدد الاتجاهات "، فأن أكثر من خمسين بالمائة من الاسرائيليين يعتقدون أن عصابات الاجرام المنظم قد تسللت بالفعل الى داخل مراكز الحكم في الدولة العبرية. ويشير نحمياس الى عشرات الادلة التي تؤكد أن الإجرام المنظم أصبح جزءاً اساسياً ومؤثراً في الحياة السياسية في الدولة العبرية. فعلى سبيل المثال يشير نحمياس - الى ما أشارت اليه الصحف العبرية مراراً - من أن خمسة على الأقل من الذين أشرفوا على الحملة الانتخابية الاخيرة لرئيس الوزراء الصهيوني ارئيل شارون هم من الذين على علاقة بالاجرام المنظم. وابرزهم المقاول دفيد آبل، الذي يشهد الكثيرون انه استطاع ايصال عدد من مقربيه الى القائمة البرلمانية لليكود. مع العلم أن آبل هذا يعتبر ضيفا مرغوباً فيه في أروقة جميع الأحزاب الصهيونية، و بالذات الاحزاب اليمينية والدينية ،التي تتولى الحكم. من المفارقة أن آبل عادة ما يتدخل علناً في المشاورات التي تجريها الاحزاب لتشكيل الحكومات بعد الاعلان عن نتائج الانتخابات العامة، حيث يتوجه له الحزب الذي ينوي تشكيل الحكومة لاستغلال علاقته برؤساء الاحزاب الاخرى. فمثلاً معروف أن آبل على علاقة قوية مع مؤسس وزعيم حركة " شاس " الحاخام عفوديا يوسيف، الذي يتشاور معه في كل صغيرة وكبيرة من شؤون الحركة. ومن الأمثلة على العلاقات بين الحكم والاجرام المنظم، هو تورط وزير المواصلات الأسبق افيغدور ليبرمان ( صاحب التهديد الشهير بتدمير المسجد الاقصى والسد العالي وقصر الرئيس السوري )، بعلاقات شراكة اقتصادية مع جادي ليرنير ، احد قادة عصابات الاجرام المنظم في الدولة العبرية والذي تطارده الحكومة الروسية أيضاً، لقيادته منظمات تقوم بعمليات تبييض الاموال. ليس هذا فحسب، بل أن اوري فاين، مدير فرع الليكود في مدينة " بات يام " ، المتاخمة لتل ابيب ، هو من قادة عصابات الاجرام المنظم العاملة في مجال تبييض الاموال والتهريب وتجارة النساء. ومن المفارقة أن وزراء حزب الليكود ونوابه يزورونه في بيته لتجنيده لصالحهم في معاركهم الانتخابية. وقد كافأه وزراء الليكود بمنح شركة حراسة يملكها امتياز حراسة المعابر الحدودية للدولة . يوئيل ماركوس ، ابرز معلقي صحيفة الصفوة " هارتس "، علق على نفوذ فاين هذا قائلاً " في اسرائيل اليوم يوجد سلطتان يحرسهما حراس شخصيون: رؤساء السلطة ورؤساء عصابات الجريمة المنظمة " . ويضيف ماركوس ان عصابات الاجرام المنظم قد بذلت محاولات ناجحة، للسيطرة على مراكز القوى في الدولة ، الامر الذي أدى الى انهيار منظومة فرض القانون. ويشير الى أن اصحاب الملايين يتلقون الامتيازات، من الحكومة ووزرائها ، و " العطاءات الحكومية تفصل على قياس مانحي الرشاوى، وتبذل جهود للتأثير على التعيينات في المناصب الحساسة، بما في ذلك القضاة " ، على حد تعبير ماركوس. ايلي لانداو ، الرئيس السابق لبلدية " هرتسليا " الصهيونية ، واحد ابرز اعضاء اللجنة المركزية لليكود يؤكد انه في حال ظلت الامور على ما هي عليه فانه لا يستبعد اليوم الذي قد يصبح فيه ايفرجيل ( زعيم اكبر عصابة اجرام منظم في الدولة )رئيسا للوزراء. بدعة صهيونية: مقاولو الأصوات في الاحزاب الاسرائيلية بشكل عام و أكبرها حزب الليكود بشكل خاص، تستشري ظاهرة اطلقت عليها الصحافة وعلماء الاجتماع السياسي في الدولة العبرية " مقاولو الاصوات "، حيث يتوجه الساسة، الطامحون لتبوء مقاعد في البرلمان، عشية كل انتخابات تمهيدية تجرى لاختيار قوائم الاحزاب البرلمانية إلى اشخاص معروفين بنفوذهم الواسع في أوساط أعضاء الحزب، لكي يقنعوهم بالتصويت لصالحهم ، مقابل تعهد هؤلاء الساسة بتقديمهم وظائف واموال لهؤلاء الاشخاص، الذين يطلق عليهم " مقاولو الاصوات ". الوزير الصهيوني تساحي هنغبي المتطرف، كان قد حاز على أكبر نسبة من أصوات أعضاء اللجنة المركزية لحزب الليكود في الانتخابات التي اجريت لاختيار قائمة الحزب البرلمانية في الانتخابات قبل الأخيرة، بعد أن استبق الانتخابات بتعيين ثمانين عضو من أعضاء اللجنة المركزية للحزب كمدراء عامين في وزارة شؤون البيئة، التي كان يتولاها قبل الانتخابات، وذلك للوفاء بتعهدات سابقة لمقاولي الاصوات ، مع العلم أن وزارة البيئة هي وزارة صغيرة وذات صلاحيات ضيقة جدا، ولا يمكن أن تستوعب هذا العدد الكبير من المدراء العامين !!!!. وأحد أبرز مقاولي الاصوات في حزب الليكود هو عوزي كوهين ، نائب رئيس بلدية " رعنانا " . وكان وزراء ونواب في الليكود عن طورهم في حال حضر كوهين، حيث يتنافسون على تلبية طلباته. ولعل من أهم الشواهد على تأثير هذا الرجل الذي لا يتجاوز الخامسة والاربعين من العمر، هو ما جرى لدى قيام موظفي وزارة المالية الصهيونية أواخر العام الماضي بإعداد مشروع الموازنة، وكان أحد البنود التي تضمنتها الموازنة في أطار التقليصات في النفقات، بند ينص على التوقف عن منح مرتبات لنواب رؤساء البلديات ومجالس الحكم المحلي في الدولة، وكان من المتوقع أن يوفر تنفيذ هذا القرار مئات الملايين من الدولارات على حزانة الدولة، لكن لأنه كان من المتوقع أن يتضرر عوزي كوهين، فقد سارع وزير المالية بنيامين نتنياهو إلى الغاء البند، بعد أن وبخ كبار موظفي وزارته، هذا مع أن كوهين يشغل مناصب عامة اخرى. من هنا فان ظاهرة " مقاولي الاصوات "، هي أحد الأسباب التي تشجع على استشراء الفساد في نظام الحكم في الدولة العبرية، مع أن اسرائيل تكاد تنفرد بهذه الظاهرة. وشراء المناصب و المواقع السايسية في النظام السياسي الاسرائيلي، ليس جديدا ، فقد حذرت مراقبة الدولة السابقة القاضية مريام بن فورات في تقرير لها من أن السلطة في "إسرائيل " تشترى بالمال . ساسة تحت التحقيق حسب تقرير صدر عن سكرتارية الكنيست الإسرائيلي ( البرلمان ) فأن 10%من النواب إما يخضعون للتحقيق في الشرطة وإما ملفاتهم لدى النائب العام لتقديم لوائح اتهام لهم بسبب تورطهم في أعمال فساد. مع العلم أنه في حال اضفت الكنيست بعض المرورة عند تقديم طلبات رفع الحصانة عن اعضاء الكنيست، لكان عدد النواب الذين يقدمون للمحاكم اكبر بكثير. الفساد استشرى في دوائر الحكم الصهيونية لدرجة أنه اصبح أقوى من أن تزيحه التشريعات القانونية. فالتورط في قضايا الفساد بات لا يشكل عائقا أمام الساسة للتقدم في المناصب. وهنا نشير الى الفضيحة التي عرفت بالعبرية ب " حيفرون بارعون " التي تفجرت اثناء حكم رئيس الوزراء الاسبق بنيامين نتياهو في العام 1997. حيث توصل نتنياهو الى صفقة مع رئيس حركة " شاس " في حينه ارييه درعي، تؤيد شاس بموجبها اعادة انتشار جيش الاحتلال في مدينة الخليل ، مقابل ان يعين نتنياهو المحامي روني بارعون في منصب المستشار القضائي للحكومة، مع العلم أن بارعون كان محامياً لدرعي الذي كان يواجه تهما كبيرة بالفساد، وكان درعي يامل ان يؤدي تعيين محاميه بارعون في المنصب إلى إغلاق الملف ضده. ولولا كشف الصحافة لهذه الفضيحة لتمت الصفقة ولاغلق الملف ضد درعي. وعلى الرغم من تورط نتياهو في الفضيحة، إلا أنه واصل الحكم، اما الوزير تساحي هنغبي الذي كان متورطا فقد تقدمه في المناصب السياسية، اما بارعون نفسه فقد تم اختير كنائب عن الليكود ومن المفارقة انه يشغل حالياً منصب رئيس لجنة الكنيست، التي تبت في مسألة رفع الحصانة عن النواب المتورطين في الفساد. أما درعي الذي اعتزل السياسة.
مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر