موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
التمييز العنصري ضد الفلسطينيين كسياسة اسرائيلية

" ان اسرائيل دولة تميز في التعامل مع مواطنيها على اساس العنصر والدين ، انه من الصعب على غير اليهود من مواطنيها ان يعيشوا فيها "  (1)، هذه كلمات دان مريدور ، وزير المالية و القضاء الاسرائيلي الاسبق ، امام نقابة المحامين قبل ثلاث سنوات . ان كانت مثل هذه الشهادة تصدر عن سياسي يميني ينتمي الى حزب الليكود وبشأن الفلسطينيين الذين يعيشون داخل الخط الاخضر ويحملون هوية اسرائيلية وتدعي الدولة العبرية انهم " مواطنوها " ، فما بالك عندما يتعلق الامر بالفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة .

قبل الخوض في شواهد تدلل على حجم التمييز الذي تتعامل به الدولة العبرية مع الفلسطينيين ، فانه يتوجب الاشارة اولا الى الاتي :

** ما يعرف ب " وثيقة الاستقلال " التي تمثل الدستور الفعلي للدولة ( التي لا تملك دستور رسمي ) ، تنص على ان اسرائيل دولة الشعب اليهودي . وهذا يعطي الدولة الحق في عمل كل ما يلزم من اجل ضمان بقاء هذه الدولة دولة ذات اغلبية يهودية مطلقة وكبيرة جدا . و من اجل تحقيق هذه الهدف ،تصدر الدعوات لطرد الفلسطينيين ، حتى اولئك الذين تعتبرهم الدولة من مواطنيها (  النواب بني ايلون ، افيغدور ليبريمان ، ايفي ايتام ) .و حتى تحقيق هذا الهدف تواظب الدولة على التمييز ضد الفلسطينيين الذين تدعى انهم من " مواطنيها " لكي يبحثوا عن مكان اخر ، وهو " الطرد النظيف " ، الذي ينادي به الوزير عوزي لانداو . و رائحة التمييز والعنصرية ، تشتم ايضا من اطروحات اليسار الصهيوني ، حيث يشدد ممثلوه ومنظروه على ان التسوية السياسية ضرورة  من اجل ضمان التفوق الديموغرافي وليس من منطلق ا الاقرار بحقوق الفلسطينيين ، او  من منطلق اعتبار السلام هي قيمة يتوجب تحقيقها ، وابداء التنازلات في سبيلها  . واوضح من عبر عن ذلك الوزير الاسبق يوسي بيلين احد ابرز المبادرين لاصدار وثيقة جنيف ، حيث كرر عبارة اسحاق رابين الشهيرة " ليتني اصحو يوما وقد ابتلع البحر غزة وابتلعت الارض عرب الضفة ، ولاننا نعرف ان هذا لن يتحقق ، فانه يتوجب علينا ان نسرع بالتسوية حتى نضمن بقاء التفوق الديموغرافي ، الذي هو ثاني اهم انجاز بعد اقامة الدولة نفسها " (2) . اذن حتى مشاريع وصيغ التسوية المتداولة اسرائيليا تصدر من منطلق التمييز وانكار حق الفلسطينيين في هذه الارض.

 

**** التمييز في تطبيق القانون

** يميز القضاء الاسرائيلي بشكل فظ في التعامل مع الفلسطينيين واليهود . فمثلا من اصل مائتين وخمسين جريمة قتل قام بها مستوطنون ضد فلسطينيين ، لم يتم تقديم الا عشرين مستوطن للمحكمة ، وكان اكثر عقوبة صدرت بحقهم سبعة سنوات ، حيث يتم تقليص مدة الاعتقال الى ثلث المدة . في حين ان معظم الذين يقومون بهذه الجرائم ، اما انه يتم التحقيق معهم ويطلق سراحهم بحجة عدم توفر ادلة تدينهم ، او انه لا يتم اعتقالهم او التحقيق معهم . فمثلا قبل من عام توصلت المخابرات الاسرائيلية الى ادلة موثقة ،  ، فضلا عن الكثير عن الشواهد المادية الاخرى حول وجود خلية يهودية تعمل على التخطيط لتدمير المسجد الاقصى يوم الجمعة ، الى جانب تدمير عشرات المساجد في نفس اليوم في انحاء الضفة الغربية ، لكنه اطلق سراحهم ، بحجة توفر ادلة كافية . وحتى نعرف كيف يتم التحقيق معهم في داخل غرف التحقيق . فقد سالت وسائل الاعلام احد الاشخاص الذين اتهموا بالتخطيط لمثل هذه العمليات ، فقال انه كان يتعرض لتعذي  شديد !!!! ولما ساله الصحافيون : ما الوسائل التي استخدمت في التعذيب ، فرد : كانوا يجبروننا على قراءة صحيفة " هارتس " !!!!! ( على اعتبار انها ذات خط يساري )  وقد اجمعت وسائل الاعلام في الدولة العبرية على ان الشرطة والمخابرات تتهاون في التحقيق في عمليات القتل والاعتداء التي يقوم بها المستوطنون واليهود بشكل عام ضد الفلسطينيين ، وهناك الكثير من جرائم القتل التي قام بها المستوطنون لم يتم الكشف عن منفذيها من المستوطنين . وهنا يتوجب الاشارة الى ما قام به الحاخام موشيه ليفنجر ، احد اكثر الحاخامات اليهود  الذين يستوطنون الخليل تطرفا ،  في العام ، 1984، عندما قام بقتل شاب فلسطيني بمسدسه وقام التلفزيون الاسرائيلي بتصوير الجريمة ، عندما تواجدت احدى اطقمه في المكان بالصدفة  ، ومع ذلك فقد تم التحقيق مع ليفنجر لمدة ساعة وبعد ذلك اطلق سراحه ، حيث ضغطت المستويات العليا من اجل اغلاق ملف التحقيق قبل ان يفتح ضده . ناهيك عن قيام المستوطنين الان باقتلاع الاف الاشجار المثمرة في الضفة الغربية ، دون ان يحرك الجيش والشرطة الاسرائيلية ساكنا بحجة " عدم توفر قوى بشرية قادرة على حفظ القانون !!!!! . ومن المفارقة ان الحجة التي بررت بها الشرطة الاسرائيلية قيامها باطلاق النار على المتظاهرين الفلسطينيين في الجليل والمثلث من الذين يحملون الهوية الاسرائيلية ، في تشرين اول من العام 2000، بانها اطلقت النار عليهم ، وقتلت ثلاثة عشر منهم  لعدم توفر وسائل تفريق متظاهرين بالوسائل السلمية (3) . فالمستوطنون الذين هم مواطنون للدولة لا يتم التدخل لوقف اعتداءاتهم على الفلسطينيين لعدم توفر قوى بشرية ، اما " مواطنو " الدولة من الفلسطينيين فيتم اطلاق النار عليهم وقتلهم ، لمجرد انه لا يوجد وسائل تفريق متظاهرين ، عندما كانوا يمارسون حقهم " كمواطنون " في الدولة التي تزعم انها ديموقراطية ، ومع ان الحق في التظاهر هو من منجزات المواطن في أي دولة ديموقراطية ، ومع انه لم يحدث ان استخدمت الشرطة الاسرائيلية حتى  استخدام الغاز المسيل للدموع ، في تفريق المتظاهرين اليهود ، حتى عندما كانوا يقومون بعمليات عربدة ضد الشرطة نفسها .

 هذا على صعيد المستوطنين ، اما على صعيد الجرائم التي يقترفها الجنود بحق الفلسطينيين ، فحدث ولا حرج . هنا لا نريد ان نناقش جرائم القتل التي يقوم بها الجنود بناء على اوامر قيادة الجيش ، فهذا " واجب وطني " ، اما على صعيد عمليات القتل التي قام بها الجنود وتعتبر غير مبررة بناء على معايير النائب العسكري العام ، فان اكبر حكم صدر بحق جندي قام بقتل فلسطيني بدون مبرر ، هو عام سجن بدون تنفيذ . في حين تم الحكم على ثلاثة من الجنود قاموا بقتل خمسة من الفلسطينيين بغرامة مالية : شيكل على كل واحد ( الشيكل اقل من ربع دولار ) . وهناك من الجنرالات الذين ادينوا بالتنكيل بالفلسطينيين وتمت ترقيتهم . مثل الجنرال ايفي ايتام الذي كان قائدا للواء المشاه المعروف ب " جفعاتي " في قطاع غزة اثناء الانتفاضة الاولى ، وكان  برتبة عقيد ، وقد ادانته محكمة عسكرية بانه قام في العام 1989 باحتجاز ثلاثة من الشباب الفلسطيني من مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة ، وقام بربطهم الى شجرة وبعد ذلك قام  بضرب رؤوسهم بحجرة كبيرة حتى انهار الشباب وسالت الدماء منهم . اللافت للنظر ان ايتام رقي في سلك الجيش الى درجة جنرال . وبعد تسرحه من الجيش اصبح زعيما لحزب المفدال والان يشغل منصب وزير الاسكان في حكومة شارون ، ويعتبر من اكثر الوزراء تاثيرا . مثله مثل الوزير جدعون عيزرا ، الذي كان نائبا لرئيس جهاز المخابرات الاسرائيلية العامة " الشاباك " ، والذي كان من اكثر الذين ساهموا في تطوير وسائل تعذيب للمعتقلين الفلسطينيين ، والان يشغل منصب وزير في حكومة شارون ( لازالت العديد من الفضائيات العربية تجري معه لقاءات على اعتبار ان شخصية سياسية اسرائيلية !!!!!) . وينضم الى هذه القائمة النائب في البرلمان ايهود ياتوم ، رئيس شعبة العمليات في الشاباك والذي تباهى يوما بانه قام بقتل اسيرين من اعضاء الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بعد استسلامهما عن طريق تحطيم جمجمتيهما ، وقد نشرت صحيفة " يديعوت احرنوت " اعترافاته كاملة ومع ذلك ، فقد تم انتخابه في الانتخابات الاخيرة نائبا عن حزب الليكود ، و يتوقع ان يشغل منصب هام في أي حكومة قادمة يشكلها حزب الليكود . بالطبع هناك عشرات الحالات لقيادات سياسية اسرائيلية ذات ماضي عسكري متورطة في عمليات قتل للفلسطينيين . ولعل ما يوجز هذه النقطة ما قاله حاييم بن عامي ، مدير قسم التحقيقات في الشاباك ، الذي سخر ذات مرة من قول شارون انه لن يسمح باطلاق اسرى فلسطينيين " ملطخة اياديهم بدماء اليهود " ، فقال في برنامج " بوبوليتيكا " الذي بثته القناة الاولى في التلفزيون الاسرائيلي قبل سبعة  اشهر " ايادي ملطخة بالدماء ، ما هذا الامر ، كلنا ايادينا ملطخة بدماء الفلسطينيين ، يدي ويد شارون " .

اما بالنسبة للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة  ، فان أي فلسطيني يتهم بالقاء حجر ، يحكم عليه بالسجن لاكثر من ثلاثة اعوام على الاقل ، بشكل فعلي . لكن اخطر ما في تعامل الاحتلال مع الاسرى الفلسطينيين ، هي عمليات التعذيب التي تتجاوز كل وصف ، ففي حين يشكو المستوطن من انه يتم " تعذيبه بتقديم صحيفة هارتس لكي يتصفحها " . فان اقبية التحقيق الاسرائيلية التي يزج بالفلسطينيين فيها تحتوى على ما يطلق عليه الاسرى الفلسطينيون ب " المسلخ " ، حيث يتم ابشع وسائل التعذيب الجسدي والنفسي . وهنا يتوجب مقدار ما يحصل عليه السجين الفلسطيني من طعام  يبلغ ربع ما يحصل عليه كلب الحراسة في أي سجن اسرائيل ، وفقد شهادة صحيفة معاريف الاسرائيلية .

البرفسور مردخاي كريمنتسير ، احد اهم القانونيين في الدولة العبرية اجمل التمييز في القضاء ضد الفلسطينيين ، حيث قال هناك نظامين قانونيين في الضفة والقطاع ، نظام للاسياد " اليهود " ، ونظام للعبيد " الفلسطينيين " . 

 

*** قيود الحركة : في مدينة الخليل يفرض جيش الاحتلال نظام حظر التجوال على المدينة التي يسكنها اكثر من 120 الف فلسطيني من اجل ان يستمتع 450 مستوطن فيها . وفي حال قتل مستوطن فان المدينة ، يجعلها تخضع لنظام التجوال لمدة طويلة جدا .

في قطاع غزة الذي تبلغ مساحته 360 كيلومتر مربع ، يستحوذ المستوطنون على 40% من مساحة القطاع ، مع ان عددهم لا يتجاوز الستة الاف مستوطن ، في حين ان عدد الفلسطينيين مليون وثلاثمائة الف شخص !!! .ومن اجل رفع مستوى شعور هؤلاء بالامن الشخصي ، يحرص الجيش على اغلاق الشوارع الرئيسية في القطاع ، فضلا عن مصادرة عشرات الالاف من الدونمات من اجل اقامة مواقع عسكرية فيها . المستوطنات في قطاع غزة تقام فوق مخزون المياه العذبة الوحيد في قطاع غزة .ومن المفارقة ان اسرائيل تضخ بعض هذه المياه للمستوطنات ،والباقي لداخل اسرائيل . وتبيع الفلسطينيين في القطاع مياه مالحة !!!!.

 

***** المرجعيات الدينية اليهودية ودورها في تبرير التمييز ضد الفلسطينيين .

الحاخام الاكبر لليهود الشرقيين الاسبق اسحاق  بن الياهو " افتى " اكثر من مرة انه لا يجوز المساواة بين دم اليهود ودم العرب ، على اعتبار ان دم اليهود " اكثر قدسيه " . وهناك عشرة من كبار الحاخامات من افتى بنفس فتواه .وقد افتى حاخام مدينة " كفار سابا " بان دماء الفلسطينيين نجسة

الحاخام ريسكين من كبار الحاخامات في الدولة افتى بجواز قتل الفلسطينيين " الابرياء " ولو من باب تحقيق الردع في نفوس بقية الفلسطينيين .

بالطبع ليس من المناسب اضاعة الوقت في ذكر الهذيان الصادر عن الحاخام عوفاديا يوسيف  مؤسس وزعيم حركة شاس ، احد ابرز الحركات السياسية في الدولة العبرية ، والذي يعتبر العرب ( لمجرد انهم عرب ) افاعي وكذابين ، كما انه افتى بجواز قتل المدنيين الفلسطينيين في حال كان ذلك يتطلبه عمل ميداني يقوم به جنود الاحتلال ، وغيرها من الفتاوى .

** القيادات السياسية تكرس التمييز ضد الفلسطينيين على اعتبار انهم مسلمون وعرب . وهنا عبارة رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق اسحاق شامير ، متحدثا عن الفلسطينيين " انهم يكذبون على  اليهود كما كذب نبيهم محمد على اجدادنا من قبل " 4

شارون خلال زياته الاخيرة لموسكو ، تحدث طويلا عن بعض الصفات الملازمة لاي عربي لمجرد انه عربي " انهم يكذبون " . وعادة ما يقول لمخاطبيه "لا تنسوا ان الحديث يدور عن عرب " .

 

هوامش :

(1)   القناة الثانية في التلفزيون الاسرائيلي 25-1-2001

(2)   اذاعة الجيش ، 19-11-2003

(3)   تقرير لجنة اور التي حققت في مقتل ثلاثة عشر فلسطينيي من فلسطينيي الخط الاخضر برصاص الشرطة الاسرائيلية

(4)   27-11-1986

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر