موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
رهانات "شارون" في اتصالات السلطة و"إسرائيل"

الاسلام اليوم  18/10/2005
لا يمكن للمرء أن يبدي أي قدر من التفهّم لحرص السلطة الفلسطينية على مواصلة الاتصالات بين مسؤوليها ومسؤولي دولة الاحتلال في الوقت الذي تواصل فيه هذه الدولة ارتكاب جرائمها ضد أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتثبيت الحقائق الاستيطانية في أراضي الضفة الغربية، وجني الثمار السياسية لخطة "فك الارتباط". الأمر الذي يثير الاستهجان والاستغراب بشكل خاص هو حقيقة أن المسؤولين الإسرائيليين لا يفوّتون فرصة قبيل هذه الاتصالات وبعدها على التأكيد أنها لن تفضي إلى أي انطلاقة في حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي سياسياً. و يجتهد كبار المسؤولين في مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي ارئيل شارون في التشديد على أنه يتوجب على مسؤولي السلطة الفلسطينية أن ينتظروا طويلاً قبل موافقة إسرائيل على استئناف المفاوضات لحل الصراع وتطبيق خطة " خارطة الطريق". وسواء تم لقاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس مع شارون أم لا، فإن الإسرائيليين قد نجحوا في فرض أجندة هذا اللقاء، وغيره مستقبلاً. فشارون مستعد أن يبحث أي قضية، إلا استئناف المفاوضات من أجل تسوية الصراع. من هنا فإن أجندة أي لقاء بين شارون وعباس، وبين أي مسؤول فلسطيني وإسرائيلي ستتمحور فقط حول القضايا الحياتية للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وبالذات مستقبل ظروف وشروط عمل المعابر الحدودية في قطاع غزة، والممر الآمن بين الضفة وقطاع غزة وتشغيل المطار والميناء وغيرها من القضايا المتعلقة بظروف حياة الناس فقط. ومن الأهمية بمكان التذكير هنا بأن تل أبيب تبدي مواقف متشددة جداً حيال هذه القضايا. فالدولة العبرية تستبق كل لقاء من هذه اللقاءات من خلال التشديد على أنها لن توافق على تشغيل المعابر الحدودية، والمطار والميناء والممر بين الضفة والقطاع إلا تحت الرقابة الأمنية الإسرائيلية المباشرة، ناهيك عن تأكيد مكتب شارون أنه ليس من الوراد لدى الدولة العبرية الموافقة على إطلاق أي أسير فلسطيني شارك في عملية جهادية أسفرت عن قتل وإصابة إسرائيليين، وغير ذلك من المواقف الإسرائيلية المتشددة التي تبخرت معها الآمال التي عقدها قطاع واسع من الفلسطينيين على تغيير ظروف حياتهم بعد تطبيق خطة "فك الارتباط". والذي يثير الاستهجان –حقاً- هو حقيقة أن الإسرائيليين يجاهرون بحقيقة رهاناتهم على اللقاءات مع مسؤولي السلطة، ويتباهون بتوظيفها لصالح إستراتيجية الدولة العبرية وخدمتها لجهود شارون الرامية إلى تعزيز مكانته داخل حزب الليكود الحاكم لكي يضمن بقاءه في الحكم حتى العام 2111 على الأقل. ويمكن الإشارة هنا إلى مظاهر التوظيف الإسرائيلي للاتصالات مع مسؤولي السلطة:
1- تعتبر تل ابيب أن مواصلة عقد اللقاءات مع مسؤولي السلطة يساهم في تعزيز مكانة الدولة العبرية الدولية، ويضمن لها مواصلة قطف مزيد من الثمار السياسية لتطبيقها خطة "فك الارتباط". حيث إن إسرائيل تحاول – من خلال هذه الاتصالات- أن تكرس انطباعاً مضللاً لدى الرأي العام العالمي، وكأن هناك علاقات طبيعية بين السلطة وإسرائيل. وبكل تأكيد فأن تل أبيب ترى أن عرض شاشات التلفزة للقاءات بين مسؤولي السلطة وإسرائيل سيغطي على صور جثث الفلسطينيين الذين يقتلهم جيش الاحتلال صباح مساء. إلى جانب ذلك فإن شارون معني تحديداً بعقد لقاء مع أبو مازن لطمأنة الإدارة الأمريكية على وجه الخصوص أن الأمور بين السلطة وإسرائيل تسير على ما يرام؛ إذ إن شارون يخطط للقاء الرئيس الأمريكي جورج بوش قريباً في واشنطن. وبكلمات أخرى فإن أي لقاء بين شارون وعباس سيتم توظيفه من قبل ماكنة الدعاية الإسرائيلية كلقاء علاقات عامة، ليس أكثر.
2- تحاول تل أبيب تحويل هذه اللقاءات كمحفز لضرب الوحدة الوطنية للشعب الفلسطيني، وإغراء الفرقاء في الساحة الفلسطينية بإشعال نار الفتنة الداخلية. وكان الأمر مثيراً للاستهجان أن تركز وسائل الإعلام الإسرائيلية على التجاذبات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، التي طالب بعض رؤسائها بالسماح بتزويد السلطة بالسلاح على أمل أن تستخدمه أجهزة أمن السلطة في حربها ضد حركة حماس. والذي يثير التساؤل هو أن أحداً من مسؤولي السلطة لم يسارع لنفي ما تناقلته وسائل الإعلام الإسرائيلية من أن السلطة طالبت بشراء السلاح من إسرائيل لنفسها بغرض تعزيز موقفها العسكري في مواجهة حركة حماس. في نفس الوقت فإن قادة دولة الاحتلال لا يفوّتون فرصة من أجل التأكيد على أنهم لن يتجاوبوا مع أيٍّ من مطالب السلطة قبل أن تثبت قيادتها الرغبة والقدرة على ضرب حركات المقاومة. أي أن هناك ما يسوّغ لحركات المقاومة أن تشعر بالقلق الشديد من اتصالات السلطة وإسرائيل، مع العلم أن تل أبيب لا تعرض مقابل هذه المطالب أي استعداد للتجاوب مع المطالب السياسية للسلطة الفلسطينية، لاسيما مواصلة إخلاء المستوطنات في الضفة الغربية.
3- لكن التوظيف الإسرائيلي لهذه اللقاءات يتعدى كل ذلك لكي يتم توظيفه من قبل شارون في تعزيز مكانته السياسية داخل حزب الليكود الحاكم. فمعروف أن شارون حقق مؤخراً نصراً غير متوقع على منافسه على زعامة الحزب بنيامين نتنياهو. وشارون يتجه الآن لتعزيز سيطرته على الحزب من خلال التقرب والتوافق مع النواب والحزب وأعضاء لجنته المركزية الذين رفضوا خطة "فك الارتباط"، من خلال عرض مواقف متطرفة، مثل تأكيده على أنه لن يقوم بإخلاء أي مستوطنة في الضفة الغربية، وسيواصل تعزيز الاستيطان في الضفة الغربية، وضرب حركات المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة بكل قوة، إلى غير ذلك من المواقف المتطرفة. ويريد شارون من خلال عقد اللقاءات مع مسؤولي السلطة القول لمعارضيه داخل الليكود: إنه على الرغم من طرحه هذه المواقف المتطرفة، فإن السلطة ترى فيه شريكاً سياسياً ضمن الخطوط التي يحددها هو ويقبلها الفلسطينيون مرغمين.
إن على قيادة السلطة الفلسطينية أن تفطن لجملة الرهانات التي يعلقها شارون على هذه اللقاءات التي تفتقد أي مسوغ، لاسيما عندما تجمع شارون مع الرئيس محمود عباس. فإذا كانت إسرائيل معنية ببحث القضايا ذات الطابع الحياتي فقط في هذه اللقاءات، فبالإمكان أن تقوم مستويات منخفضة بتمثيل السلطة في هذه اللقاءات، بدلاً من مشاركة عباس شخصياً فيها. وعلى السلطة ألاّ تسمح بتحويل هذه اللقاءات كمنطلق لتحسين مواقع الدولة العبرية في الساحة الدولية، أو جعلها قناة تقود إلى فتنة داخلية فلسطينية. لقد كان من الضروري أن تعلن قيادة السلطة الفلسطينية- بشكل لا يقبل التأويل- أنها لا يمكنها أن تقبل التوظيف الإسرائيلي لهذه اللقاءات، وأن توضّح للعالم دوافع التحرك الإسرائيلي لفضحه وتعريته، ومنع تل أبيب من الاستفادة من ذلك في الساحة الدولية.

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر