موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
المقاومة في القطاع .... اعادة تقييم عاجلة

" الاسلام اليوم "  28/9/2005

أعلنت دولة الاحتلال شن حملة عسكرية واسعة على قطاع غزة، تقوم على استئناف عمليات الاغتيال واستخدام المدفعية الثقيلة لأول مرة منذ العام 67 في قصف القطاع كرد على اطلاق الصواريخ على المستوطنات اليهودية في منطقة النقب. حكومة الاحتلال شددت على أنها تهدف من وراء شن هذه العملية التي اطلقت عليها " أول الغيث " الى ايصال رسالة لحركات المقاومة مفادها أن قواعد اللعبة قد تغيرت تماماً بعد استكمال تنفيذ خطة فك الارتباط، وان اسرائيل بعد اخلاء مستوطنيها وجنودها من القطاع ترى أنه من حقها الرد بكل الوسائل من أجل وقف كل اشكال المقاومة المنطلقة من قطاع غزة ضد مستوطناتها. في نفس الوقت فأن قادة جيش الاحتلال أوضحوا أن هذه العمليات تهدف الى اقناع السلطة والجمهور الفلسطيني بضرورة الضغط على حركات المقاومة لوقف عملياتها انطلاقاً من قطاع غزة. الى جانب ذلك تود اسرائيل أن تؤسس لواقع جديد بعد فك الارتباط يقوم على نزع الشرعية عن حق حركات المقاومة في قطاع غزة في الرد على الجرائم التي يرتكبها جيش الاحتلال في الضفة الغربية، وذلك من خلال تحذير هذه الحركات أنها أخطأت في تقدير اقدام اسرائيل على تنفيذ خطة فك الارتباط. وقد عبر عن ذلك الجنرال يسرائيل زيف رئيس شعبة العمليات في جيش الاحتلال الذي قال ان اسرائيل " قررت شن حرب استنزاف ضد حركات المقاومة الفلسطينية من اجل اقناع السلطة والجمهور الفلسطيني ان هذه الحركات ستعيد الشعب الفلسطيني لعشرات السنين للخلف". واضاف زيف "  ان حملة "أول الغيث" ستوضح للفلسطينيين، و للسلطة وللحركات الفلسطينية، بأنه رغم الاحتفال في محور فيلادلفيا، و إحراق الكنس والمسيرات المسلحة، فأن الفلسطينيين لا يمكنهم أن يطلقوا صواريخ القسام نحو اسرائيل متى يشاؤون. واسرائيل لن تقبل صيغة يتم بموجبها الرد على كل عملية للجيش الاسرائيلي ضد المقاومة في الضفة بوابل من الصواريخ على البلدات المحيطة بغزة". وهنا يتوجب التشديد على أن الدولة العبرية تعتبر أنها باتت متحررة من الكثير من الاعتبارات التي كانت تضعها في الحسبان قبل تنفيذ خطة فك الارتباط، عند الرد على عمليات المقاومة، وبالذات على الصعيد الدولي والأقليمي.فاسرائيل تشعر الآن أن لديها غطاء دولي للرد على عمليات المقاومة المنطلقة من قطاع غزة. وتستمد تل ابيب التشجيع من موقف الكثير من الاطراف الدولية التي باتت تعتبر أنه بعد تنفيذ " فك الارتباط "، فأن الكرة باتت في الملعب الفلسطيني، وأن على السلطة أن تقوم بنزع سلاح المقاومة، كما عبرت عن ذلك اللجنة الرباعية مؤخراً، وأنه في الوقت الذي لا تقوم فيه السلطة بذلك فأن من حق إسرائيل الرد على عمليات المقاومة المنطلقة من القطاع بما تراه مناسباً. ويعتبر الصمت العربي و الدولي عن العمليات الواسعة التي تقوم بها دولة الاحتلال ضد حركات المقاومة في قطاع غزة مؤخراً دليلاً على صحة الحسابات الاسرائيلية. الذي يشجع الدولة العبرية على الرد بكل هذه القسوة هو حقيقة عدم وجود اهداف اسرائيلية داخل قطاع غزة يمكن للمقاومة ضربها، فلم يعد هناك مستوطنات أو قواعد لجيش الاحتلال يمكن قصفها أو التسلل اليها، ولم يعد من الممكن نصب الكمائن لمستوطني الاحتلال وجنوده كما كانت عليه الأمور قبل تنفيذ خطة " فك الارتباط ". الأمر الذي يعني أن هامش المناورة امام حركات المقاومة تقلص الى حد أنه لم يعد أمامها سوى اطلاق الصواريخ على المستوطنات اليهودية الواقعة داخل الخط الأخضر. ومن نافلة القوى أن اطلاق هذه الصواريخ له اثر محدود جداً كما دلت التجربة حتى الان، ومع ذلك فأن حكومة الاحتلال تعتبرها مبرراً لقيامها بردود كاسحة باستخدام وسائل لم تستخدم طوال انتفاضة الأقصى. في نفس الوقت وكما دلت الاحداث في الاونة الاخيرة داخل قطاع غزة فأن عمليات المقاومة المنطلقة من قطاع غزة قد ادت الى حدوث تدهور في العلاقات الفلسطينية الداخلية، وأن خطر تفجر صدامات بين حركات المقاومة سيما حركة حماس والسلطة الفلسطينية اصبح امراً وراداً. الى جانب ذلك فأن هذا الواقع الخطير يؤذن بتضعضع الاجماع الوطني الفلسطيني حول المقاومة كخيار وحيد.  وليس سراً أن بعض الأطراف في السلطة تجد في هذا الواقع بيئة مناسبة لدفع الأمور نحو الصدام مع حركات المقاومة والتحريض عليها، على اعتبار أن ذلك متطلب سابق لقيامها بالتساوق مع فكرة الدولة ذات الحدود المؤقتة التي يهدف شارون وبيريس الى اقناع الفلسطينيين بها. من هنا فأن على حركات المقاومة أن تعيد حساباتها جيداً وأن يحسن صانوا القرارات فيها قراءة الاحداث جيداً. من حيث المبدأ من حق حركات المقاومة في القطاع الرد على جرائم الاحتلال في الضفة الغربية بواسطة اطلاق الصواريخ على المستوطنات الواقعة في تخوم قطاع غزة.ولكن اذا كان ممارسة هذا الحق ستؤدي الى الحاق ضربات قاصمة وموجعة بالمقاومة، مقارنة بالأثر الذي لا يكاد يذكر لعمليات اطلاق الصواريخ، فأنه بالامكان ضبط النفس وعدم توفير المبررات لاسرائيل لاستغلال تفوقها النوعي لحسم المواجهة وتهيئة الظروف لتغلب الأطراف الفلسطينية التي تكفر بالمقاومة وتستخف بورقتها. وحسناً فعلت حركة حماس التي اعلنت وقف عملياتها ضد الاحتلال انطلاقاً من قطاع غزة، وأعلنت التزامها باتفاق القاهرة. وعلى الرغم من صعوبة الظروف الميدانية في الضفة الغربية، فأنها تبقى الساحة التي بامكان حركات المقاومة منها توجيه ضربات موجعة لدولة الاحتلال. ففي الضفة تتواجد عشرات المستوطنات التي يقطنها عشرات الالاف من المستوطنين، فضلاً عن انتشار عشرات القواعد العسكرية التي بالامكان توجيه ضربات لها. في نفس الوقت فأن متاخمة مناطق الضفة للعديد من المدن الاسرائيلية الكبرى جعل من السهل على المقاومين الوصول الى قلب هذه المدن وضربه، على الرغم من التعقيدات التي يخلقها اقامة جدار الفصل العنصري.

أن المنطق يفرض على حركات المقاومة ألا تسمح لدولة الاحتلال باستنزافها عبر جرها الى معركة غير متكافأة، وفي ظرف تتكالب فيه كل القوى العالمية والأقليمية ضدها. فالمعركة لازالت في بدايتها، ويتوجب على حركات المقاومة في القطاع أن تحرص على توفير الظروف التي تضمن احتفاظها بكل قوتها تمهيداً لحلول ظروف محلية وأقليمية ودولية تسمح لها باستخدام هذه القوة في مواجهة دولة الاحتلال. وهناك مجال لأن تنشغل حركات المقاومة بالعمل على تمتين الجبهة الداخلية الفلسطينية في القطاع من خلال اجبار السلطة بوسائل الضغط السياسي والجماهيري على عدم التفريط بثوابت القضية الفلسطينية، وعدم السماح بأي قدر من التساوق مع المخططات الاسرائيلية. وفي نفس الوقت النضال ضد الفساد وسوء استخدام السلطة والمال العام، وارساء دعائم العدالة الاجتماعية التي تضمن للفلسطينيين في القطاع اكبر قدر من الحياة الكريمة، على اعتبار ان ذلك من مقومات الانتصار في معارك المستقبل

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر