موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
الإخلاء والتطبيع .. رهانات إسرائيليّة

" الاسلام اليوم "  13/9/2005
تحاول الدولة العبرية بكل ما أُوتيت من قوة أن تستغل قوة الدفع الناجمة عن تطبيق خطة "فك الارتباط" من أجل دفع التطبيع مع العالمين العربي والإسلامي قدماً. ليس هذا فحسب، بل إن حكومة شارون باتت تعد التطبيع مع العالمين العربي والإسلامي هدفاً إستراتيجياً يتوجب استنفاد الطاقة الكامنة فيه حتى النهاية. ومن المفارقات المؤلمة أن حكومة الليكود التي تتولى مقاليد الأمور في الدولة العبرية تعتبر أن التطبيع –بالذات- سيساعدها في تحقيق هدفها الإستراتيجي المتمثل في تصفية القضية الفلسطينية، وإنهائها، وهذا ما لا يتورع القادة الصهاينة عن الحديث عنه صراحة. ويمكن هنا أن نشير إلى أن دوائر صنع القرار ومراكز الأبحاث المستقلة والتابعة للأجهزة الاستخبارية في الدولة العبرية ترى أن نجاح "إسرائيل" في إقناع الدول العربية في تطبيع علاقاتها معها سيساعد حكومة شارون على إيجاد مناخ دولي يساعدها على تعزيز المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية، واستكمال تهويد مدينة القدس، وإنجاز إقامة الجدار الفاصل في قلب الضفة الغربية بدون ممانعة دولية. وتشير هذه الدوائر إلى أنه سيكون من شبه المستحيل نجاح الفلسطينيين في تجنيد الرأي العام العالمي ضد توجه إسرائيل بتعزيز الاستيطان في الضفة الغربية، في الوقت الذي تواصل فيه الدول العربية المسارعة في تطبيع علاقاتها مع تل أبيب.وترى هذه الدوائر أن الدول الأوروبية والمنظمات الدولية التي كانت تبدي حساسية تجاه البناء في المستوطنات والجدار ستتغاضى عن ذلك، أو سيقل اعتراضها عليه في ظل مبادرة الدول العربية على تطبيع علاقاتها مع إسرائيل. وتعدّ مؤسسة الحكم الإسرائيلية أن تطبيع الدول العربية لعلاقاتها معها سيدفع الفلسطينيين لتخفيض سقف توقعاتهم، وسيمثل أداة ضغط على قيادة السلطة للتقارب مع التصور الإسرائيلي للتسوية. وتشير دوائر صنع القرار العبرية إلى أن هناك الكثير من المؤشرات على ممارسة الدول العربية الضغط على قيادة السلطة من أجل تغيير الكثير من المواقف "التقليدية" المتعلقة بالتصور لتسوية الصراع، لا سيما في مجال دفع السلطة للتنازل بشكل مباشر أو غير مباشر عن حق العودة للاجئين. وهاهو مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلي جاك بورسو يعبر عن ذلك بشكل حر وصريح، عندما قال: إن هناك بعض الدول العربية تبدي استعداداً لقبول توطين اللاجئين الفلسطينيين. واللافت للنظر أن الدولة العبرية تخطط لتسوية قضية اللاجئين دون أن تدفع أي مقابل مادي وذلك عبر التطبيع. وحسب ما صرح به دوف فايسغلاس -كبير مستشاري شارون- فإن تل أبيب ستطرح على الدول العربية -وبتدخل أمريكي فاعل- القيام بإعادة تأهيل مخيمات اللاجئين في قطاع غزة والضفة الغربية وتحويلها إلى أماكن سكن ثابتة ومستقرة، وذلك بتمويل دول الخليج العربي.
إلى جانب الرهانات السياسية، فإن الدولة العبرية ترى أن التطبيع مع العالمين العربي والإسلامي سيساعد على تحقيق أهداف أمنية ذات طابع إستراتيجي. فدوائر صنع القرار في الدولة العبرية ترى أن التطبيع مع العالم العربي سيساعدها في محاصرة حركات المقاومة عبر تشديد الحصار عليها، وتجفيف منابع الدعم لها داخل الدول العربية عبر التضييق عليها؛ إذ تفترض الدولة العبرية أنه سيكون هناك تعاون أمني نشط وفعّال بين الأجهزة الاستخبارية في كل من الدول العربية وإسرائيل. وتطمح الدولة العبرية إلى تبادل المعلومات الاستخبارية المتعلقة بحركات المقاومة الفلسطينية، اعتماد آلية التنسيق التكميلي بين الجانبين، بحيث تقوم الأجهزة الأمنية والاستخبارية في الدول العربية بتحويل المعلومات الاستخبارية التي تقدمها إسرائيل حول أنشطة عناصر حركات المقاومة إلى عمليات اعتقال وتحقيق بغية الحصول على مزيد من المعلومات الاستخبارية؛ فضلاً عن ردع ومعاقبة حركات المقاومة الفلسطينية. وتطمح الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية في قيام الدول العربية في الكشف عن قنوات ومصادر تمويل حركات المقاومة الفلسطينية لسدها وتجفيفها. و تخطط الدولة العبرية لاستغلال العلاقات مع الدول الإسلامية بشكل عام من أجل التعاون في الحرب ضد تنظيم "القاعدة"، والحركات الجهادية في أرجاء العالم. وحسب تقييمات الأجهزة الاستخبارية الصهيونية فإن تنظيم "القاعدة" قد وضع الدولة العبرية على رأس قائمة الأهداف التي يسعى لضربها في العالم. وتُقرّ الأجهزة الاستخبارية الصهيونية بوجود نقص كبير ومخل في المعلومات لديها حول هذا التنظيم، الأمر الذي يجعل من الصعوبة بمكان إحباط العمليات التي ينوي هذا التنظيم تنفيذها. وتأمل الأجهزة الاستخبارية في الدولة العبرية ممثلة في أجهزة الاستخبارات للعمليات الخارجية "الموساد"، وجهاز المخابرات الداخلية "الشاباك"، وشعبة الاستخبارات العسكرية "أمان" في أن تساعد العلاقات الآخذة بالتوطد بين الدولة العبرية ونظام برويز مشرف في باكستان في تبادل المعلومات بينها وبين المخابرات الباكستانية، وذلك من أجل تكثيف الحرب ضد تنظيم "القاعدة"، وغيرها من التنظيمات الإسلامية. على الرغم من يأس دوائر صنع القرار في الدولة العبرية من إمكانية قبول الشعوب العربية والإسلامية لتقبل التطبيع معها، إلا أنها في نفس الوقت تراهن على قبول اقتناع بعض النخب في العالمين العربي والإسلامي بقبول التطبيع والدعوة له، على اعتبار أن هذه النخب هي الأكثر قدرة على التأثير على الرأي العام والتوجهات العامة للجماهير العربية. وعلى الرغم من أنه سبق لها أن يئست من إمكانية تقبّل الشعوب العربية لوجودها في المنطقة والتسليم ببقاء احتلالها للأرض الفلسطينية، إلا أن هناك رهانات كبيرة إسرائيلية على أن يساهم التطبيع مع الأنظمة في تآكل جدار الرفض الشعبي العربي لوجود الدولة. اللافت للنظر والمثير للدهشة أنه حتى في إطار جهدها لدفع الجماهير العربية لقبولها، فإن الدولة العبرية لا تتنازل عن حدة لهجتها عندما تتحدث عن تمسكها بالمشروع الاستيطاني في الضفة، وعزمها على مواصلة تهويد القدس. بكلمات أخرى فإن الدولة العبرية تطمح في تقبل قطاعات من النخب في العالم العربي هذه المواقف والتسويق لها عبر المنابر المتاحة لها، لاسيما المنابر الإعلامية. وتطمح الدولة العبرية في مساهمة التطبيع في تحسين الأوضاع الاقتصادية لها بشكل مباشر وغير مباشر. وكما عبّرت عن ذلك صراحة، فإن وزارة المالية الإسرائيلية ترى في انخراط رجال الأعمال الإسرائيليين في المشاريع الاستثمارية في دول الخليج -تحديداً- مصلحة اقتصادية. وتخطط "إسرائيل" لإقامة ممثليات دبلوماسية تُعنى تحديداً بتكثيف الأنشطة الاقتصادية الإسرائيلية في هذه الدول. إلى جانب ذلك ترى إسرائيل أن هناك مجالاً لأن يشارك رجال الأعمال الإسرائيليون رجال الأعمال الخليجيين في مشاريع في مناطق السلطة، بمساهمة المتنفذين في السلطة. الإغراء الذي تقدمه إسرائيل للدول العربية في هذا المجال هو الادّعاء أن الدولة العبرية قد قطعت شوطاً كبيراً في مجال التقنيات المتقدمة "الهاي تكنلوجي"، وتكون المعادلة التي تقدمها إسرائيل للعالم العربي على النحو الآتي: المشاريع المشتركة بين إسرائيل والدول العربية تقوم على مال عربي مقابل تقنيات إسرائيلية.

 

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر