موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
58 عاماً على النكبة....... وتستمر المؤامرة !!
في هذه الأيام يحيى الفلسطينيون في فلسطين والشتات الذكرى الثامنة والخمسين للنكبة التي تجسدت بإقامة دولة الكيان الصهيوني الغاصب، وتشريد أبناء الشعب الفلسطيني في بقاع الأرض. ومن المؤسف حقاً أنه بعد كل هذا الوقت، فأن الأسباب والماكينزمات التي أدت الى هذه النكبة لازالت قائمة، وتمارس على نطاق واسع. فقد جاءت النكبة كمحصلة لعمليات الإرهاب المنظم الذي مارسته الحركة الصهيونية وبعد ذلك الدولة العبرية ضد أبناء الشعب الفلسطيني من أجل اجبارهم على ترك أراضيهم ليتحقق الحلم الصهيوني بالسيطرة على أرض فلسطين بدون أغلبية الفلسطينيين، ولكي يدعي الصهاينة أن فلسطين هي أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض. والآن وبعد 58 عاماً لازالت الحركة الصهيونية تواصل السيطرة على الأراضي الفلسطينية وأن كان ذلك بمكاينزمات مختلفة، فيتم اجبار المواطنين الفلسطينيين في القدس على مغادرتها عن طريق فرض الضرائب الباهظة وسحب الهويات والتوسع في تدمير المنازل بحجة عدم الحصول على تراخيص للبناء، وغيرها من الوسائل. وفي بقية أرجاء الضفة الغربية تمثل المستوطنات وجدار الفصل العنصري الوسيلة " الأمثل " لاجبار المواطنين الفلسطينيين على الإنطواء والانعزال في جيوب بعد أن يتم الفصل بينهم وبين مزارعهم التي تسيطر عليها دولة الاحتلال بزعم دواعي أمنية. وفي نفس الوقت تواصل دولة الاحتلال ارتكاب الجرائم البشعة أملاً في تقليص قدرة الشعب الفلسطيني على الممانعة والمقاومة، فكانت ومازالت عمليات الاغتيال والاعتقال والعقوبات الجماعية والحصار الاقتصادي. ولا خلاف أيضاً على أن النكبة لم تكن لتقع لولا المؤامرة الدولية التي قادتها سيدة " المجتمع الدولي " في حينه بريطانيا، التي أصدرت وعد " بلفور " الذي أعطى اليهود ما ليس لهم من حق، وعملت في المقابل على تسهيل سيطرة اليهود على الأراضي الفلسطينية، وحاربت الوجود الفلسطيني بكل قوة عن طريق فرض الضرائب على المزارعين ومنع تصدير محاصيلهم، وغيرها من وسائل القمع. وها هو التاريخ يعيد نفسه، وهاهو المجتمع الدولي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة حالياً يوفر الغطاء الدولي لجرائم الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني ويمنح الشرعية لمصادرة الأراضي الفلسطينية، وهاهي واشنطن تلعب دور العراب في خطوات فك الارتباط أحادية الجانب التي تهدف تل ابيب من ورائها عملياً الى تصفية القضية الفلسطينية بكل ما تعنيه هذه الكلمة. هذا المجتمع الدولي الذي اعترف بمجرمي الحرب الذين صنعوا النكبة من أمثال بيغن وشامير واسحاق رابين وشارون وتعامل معهم ك " رجال دولة " ، هو نفسه المجتمع الدولي الذي يفرض الحصار على الشعب الفلسطيني ويعاقبه على خياره الديموقراطي المتمثل في اختيار حركة حماس، على الرغم من أن " جرم " هذه الحركة الوحيد هو العمل على إزالة آثار العدوان على الشعب الفلسطيني الذي تآمر هذا المجتمع مع دولة الاحتلال من أجل شنه. وفي هذا السياق لا يمكن تجاهل التواطؤ العربي الرسمي في انتاج النكبة الفلسطينية، فقد بات في حكم المؤكد الآن أن عدداً من أنظمة الحكم حتى بعد الاعلان عن دولة الاحتلال قد سمحت بهجرة مواطنيها من اليهود الى أرض فلسطين ليشكلوا احتياطاً بشرياً لمساعدة الصهاينة على اغتصاب ما تبقى من أرض فلسطين التاريخية وليساهموا في الحروب التي خاضتها دولة الاحتلال على الأمة العربية. ومن الأمور التي تبعث المرارة في النفس هي حقيقة أن هذه الأنظمة كانت أبعد ما تكون عن الجدية في مواجهتها للخطر الصهيوني، فيتبين أن عدد الجيوش العربية التي خاضت حرب العام 1948 مجتمعة، كان أقل من عدد عناصر جيش الإغتصاب، مع العلم أن عدد المستوطنين اليهود في أض فلسطين لم يكن يتجاوز السبعمائة الف مستوطن. وللأسف الشديد، فأنه بعد 58 عاماً تبقى ملامح التواطؤ العربي مع دولة الاحتلال ماثلة للعيان، فهاهو النظام العربي الرسمي ينضم للحملة الأمريكية الإسرائيلية في فرض الحصار على الشعب الفلسطيني ليتضور ابناؤه جوعاً ويموت مرضاه بسبب نقص الأدوية والعلاج. ولا تكتفي بعض الأنظمة بذلك، بل تلجأ الى فبركة الأباطيل والادعاءات لتبرير فرض المزيد من العزلة على الشعب الفلسطيني وحكومته المنتخبة. ولا جدال على أن العامل الرابع الذي ساعد على حصول النكبة هو التشرذم الفلسطيني الداخلي، وتغليب الفرقاء في الساحة الفلسطينية الحسابات الفئوية والشخصية الضيقة على الحسابات الوطنية. فقبل العام 48 كانت العائلات الكبرى التي احتكرت تمثيل الفلسطينيين سياسياً منشغلة في خلافاتها الداخلية جرياً وراء الجاه الكاذب، في الوقت الذي كان المشروع الصهيوني يتجسد على الأرض في ظل مقاومة بسيطة إذا ما قورنت بخطورة هذا المشروع. والآن وبعد عقود على هذه الحدث الكارثي، يبدو أن الفرقاء في الساحة الفلسطينية لازالوا عاجزين عن مغادرة نفس تلك الرؤى الضيقة والحسابات الفئوية والشخصية الصغيرة. وهاهو الحصار يعصف بالشعب الفلسطيني وهناك بعض الأطراف الفلسطينية التي تتواطأ معه بشكل مباشر أو غير مباشر، فقط لأنها تأثرت سلباً بسبب العملية الديموقراطية. لكن على الرغم من كل ما تقدم، فأن ثمة معطيين يجعلان الصورة أقل قتامة. فبخلاف ما كانت عليه الأمور قبل العام 1948، فأن الحسابات الضيقة للفرقاء في الساحة الفلسطينية لم تمنع من تواصل المقاومة ضد المشروع الصهيوني لدرجة أن هذه المقاومة نجحت في تقلص هذا المشروع واجبرت دوائر صنع القرار في الدولة العبرية على اعادة صياغة اهدافها لتكون أكثر تواضعاً. فالصهاينة الذين حلموا يوماً أن تمتد دولتهم على جميع أراضي فلسطين وحتى شرق الأردن، أصبحوا يدركون أن نجاحهم في الاحتفاظ بالتجمعات الاستيطانية في الضفة الغربية سيكون انجازاً كبيراً، مع أدراك قطاعات واسعة منهم، أنه لا بد من التخلص حتى من جميع هذه المستوطنات. في نفس الوقت فقد بات واضحاً أن الدولة العبرية خسرت المعركة الديموغرافية، حيث أصبح في حكم المؤكد أن الحركة الصهيونية بعد 58 عاماً على اقامة دولة الاحتلال فشلت في تحقيق هدفها المتمثل في تحقيق أغلبية يهودية مستقرة في أرض فلسطين، مع أن معظم الدراسات الإسرائيلية باتت تؤكد أن الفلسطينيين سيحققون أغلبية ديموغرافية في هذه الأرض في ظل توجه الكثير من الصهاينة للهجرة العكسية وترك الأرض التي وصفت لهم بأنها أرض " السمن والعسل ". قصارى القول، هناك متطلبين أساسيين لمحاصرة ماكينزمات النكبة والتخلص من أسبابها، وهما: موقف فلسطيني موحد على قدر التحدي الذي يمثله المشروع الصهيوني، وموقف عربي رسمي مساند يقلص تأثير التأمر الدولي مع دولة الاحتلال.
مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر