موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
عندما بكى الشيوخ قهراً في غزة !!!!
القى الحاج حسين خرايسي نظرة على الافق الذي تقطعه الكثبان الرملية المحيطة بالتجمع الاستيطاني المجاور، والتفت الى اكوام الحجارة التي بجواره، ثم اطرق هنيهة في الارض ورفع رأسه فاذا بهذا الشيخ الذي تجاوز الثمانين من العمر يجهش بالبكاء. هذا المشهد كان في صيف العام 2003 فبيت الحاج خرايسي كان احد البيوت التي ساوتها جرافات الجيش الاسرائيلي في ذلك الحين بالارض لدى اقتحامها مخيم خان يونس للاجئين في أحد أيام الأربعاء من ذاك الصيف. في مخيلة خرايسي الذي كانت ترتسم على محياه كل مظاهر العجز، كانت تتصارع ذكريات اليمة، فقد كانت هذه المرة الثانية التي يشاهد فيها بام عينيه قوات الاحتلال وهي تهدم بيته. قبل قرابة ثلاثة وخمسين عاما وعندما كانا شابا يرعى الغنم في منطقة «وادي الشلالة» في بئر السبع عاد حسين خرايسي في احد الايام الى بيت العائلة الذي كان الوحيد المصنوع من الحجر ليفاجأ بان البيت تحول الى كومة حجارة بعد ان دمره رجال «الهاجناه» اليهود. لم يجد خرايس اهله وزوجته الشابة، فعلم انهم سبقوه في رحلة هجرة قسرية الى قطاع غزة. مشهد بيته المدمر، كان بالنسبة للحاج حسين بمثابة اعادة انتاج المأساة واخراجها من جديد. فبيت العائلة الذي كان يسكنه عشرة افراد وتبلغ مساحته مائتي متر مربع نصفه مسقوف بالاسبستس والنصف الاخر بالاسمنت المسلح دمره جنود الاحتلال دون ان يعطوه وعائلته الفرصة لكي يخلوا اثاث المنزل. والآن وبعد أربعة أعوام على تدمير بيته للمرة الثانية لازال هذا العجوز يقطن في شقة سكنية ضيقة وبائسة تم تسليمها للعائلة، دون مراعات الظروف الخاصة لهذا العجوز وعائلته.الحاج حسين ابو اللوز (70 سنة) الذي كان يستمع باهتمام الى حديث جاره خاريسي، كان يندفع فجأه ليقول جازما ان ما تعرضوا له في هجرة عام 1948 كان اقل بكثير مما تعرضوا له في يوم الاربعاء المشؤوم. فحسب الحاج ابو اللوز الذي، مثله مثل سائر سكان الحي، هاجر من منطقة بئر السبع. واتيحت الفرصة في الهجرة الاولى للأسر ان تأخذ متاعها القليل اصلا، اما في هذه المرة، فيقول هذا العجوز انه خرج بملابسه الداخلية ولم يتركوه يأخذ حتى نظارته الطبية فسقط ارضا عشر مرات. بخلاف الحاجين ابو اللوز وخرايسي، كانت مظاهر المرارة والاسى عند الحاجة كفاية (72 سنة) اكثر وضوحا. فهذه العجوز التي كان يعيش معها ابنها وعائلته وبنتها وزوجها بالاضافه الى عشرة من احفادها لا ترى في مصابها أي عزاء، ومن شدة ما تعانيه فإنها لم تتورع عن تعنيف ابنها وصهرها مطالبة كليهما بالبحث عن حل لنفسيهما. وتصر على ان الشقة التي حصلت عليها ستكون من حقها وحدها، فقد كانت مساحة بيتها الذي دمر تبلغ مائتين وخمسين مترا مربعا. وتتساءل كيف لشقة تبلغ مساحتها تسعين مترا مربعا ان تستوعب خمسة عشر نفرا؟…….. وعلى كومة من التراب يجلس حاليا الحاج خرايسي بعد صلاة العصر يشيح بنظره عن كل ما هو امامه، لكنه يرقب باستمرار اثنين من احفاده يعبثان لاهين في اطلال البيوت المهدمة، ثم يعود لينبش التراب بعود في يده. ما كان للعالم الظالم أن يتردد في تحديد المجرم والحاح خرايسي يعكف على جلسته هذه كل يوم!!!!!!
مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر