موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
لماذا تخشى إسرائيل تحوّل العرب إلى الديموقراطيّة؟

" الاسلام اليوم "  10/11/2005
أمر بالغ الدلالة ما كشف عنه التلفزيون الإسرائيلي باللغة العبرية بتاريخ 10/10/2005 حول تفاصيل اجتماع عقده مؤخراً رئيس الوزراء الإسرائيلي ارئيل شارون وعدد محدود من وزرائه مع كبار قادة الجيش وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية حول تصوّر العلاقات المستقبلية مع العالم العربي. فقد كان من اللافت أن هناك إجماعاً بين شارون وقادة أجهزته الأمنية على أنه من مصلحة "إسرائيل" الإبقاء على أنظمة الحكم الشمولية في العالم العربي. ليس هذا فحسب بل إن المجتمعين توصلوا إلى استنتاج مفاده أن التحوّل الديموقراطي في العالم العربي -وبالذات في الدول التي تحيط بدولة الاحتلال- سيفاقم المخاطر الإستراتيجية على وجود الدولة العبرية نفسها. المجتمعون الذين استمعوا إلى تصوّرات قدّمها عدد كبير من المستشرقين الصهاينة وعدد من كبار قادة أفرع المخابرات الذين تعاطوا مع الشؤون العربية خلصوا إلى نتيجة مفادها أن التحوّل الديموقراطي في العالم العربي يعني بالضرورة وصول الإسلاميين إلى سدّة الحكم، الأمر الذي سيكون معه من المستحيل على الدولة العبرية التوصل إلى تسويات سياسية وفق بوصلة المصالح الإسرائيلية. ولم يكن هناك ثمة خلاف على أن وصول الإسلاميين للحكم يعني فيما يعني أن الصراع بين العرب و "إسرائيل" لن يُحلّ إلا عن طريق الحسم العسكري، الأمر الذي يعني أن على الدولة العبرية ألاّ تعيد سيفها إلى غمده أبداً، كما يقول المؤرخ الصهيوني (بنتسيون نتنياهو). ما توصّل إليه صٌنّاع القرار في الدولة العبرية من سياسيين وعسكريين من استنتاجات قاطعة، يُضاف إلى فيض من الأحكام التي توصّل إليها عدد من كبار الباحثين الصهاينة حول خطورة تحوّل العالم العربي نحو الدمقرطة. البرفسور (يحزكيل درور) الذي يوصف بأنه "أبو الفكر الإستراتيجي والسياسي" يقول في صحيفة (هارتس) بتاريخ 4/3/2005: "أنا مع الديموقراطية، ولكن هيّا نتخيّل ديموقراطيّة في مصر أو في الأردن. فهل هذا سيعزز سلامهما مع إسرائيل؟ بالطبع لا. النخب الحاكمة تفهم الحاجة للسلام، ولكن الجمهور في الشارع له رأي آخر، استطلاعات الرأي العام في مصر تظهر بوضوح بأن الجمهور لا يؤيد السلام مع إسرائيل". ويضيف "درور": إنه على مدى تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي كان للجماهير العربية دوماً توجهات"لا سامية" أكثر من الحكام العرب الذين كانوا في حاجة لليهود. ويصل (بن كاسبيت) المعلق الصهيوني البارز في صحيفة "معاريف 8/2/2005" إلى نفس الاستنتاج فيقول: إن إسرائيل لا يمكنها أن تعيش في ظل تحوّل العالم العربي نحو الديموقراطية؛ لإن الرأي العام العربي معادٍ للسلام معها؛ لأن الأنظمة الديموقراطية تستند إلى شرعية نتائج الانتخابات النزيهة التي يمليها الشعب، كما يرى المستشرق (جاي باخور) الباحث البارز في مركز "هرتسليا متعدّد الاتجاهات" في صحيفة (يديعوت احرنوت) بتاريخ 18/1/2004. وينوه (باخور) إلى أن حقيقة حرص الأنظمة العربية الشمولية على موائمة سياستها مع السياسة الأمريكية طمعاً في البقاء، جعلها ترى في مغازلة إسرائيل والتودّد لها بمثابة "جواز السفر" إلى قلب صناع القرار في واشنطن. ويجزم (باخور) أن مبادرة أنظمة الحكم العربية للتطبيع مع إسرائيل تأتي فقط لعدم استناد هذه الأنظمة إلى شرعية الانتخابات؛ إذ إن كل ما يهم هذه الأنظمة هو بقاؤها، وليس مصالح شعوبها. ومن المفارقة أن (باخور) يصل إلى استنتاج مثير؛ إذ يوصي صُنّاع القرار في الدولة العبرية بتجاهل مبادرات التطبيع التي تبديها الأنظمة العربية. ويشير الجنرال المتقاعد (داني روتشيلد) الذي شغل في السابق منصب رئيس قسم الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية "أمان" إلى حقيقة استفادة إسرائيل دوماً من حصر الأنظمة الشمولية في العالم العربي اهتمامها فقط بالحفاظ على استقرارها، وعدم ارتباطها بمصالح شعوبها الوطنية والقومية. وأضاف في حديث مع الإذاعة الإسرائيلية باللغة العبرية بتاريخ 23/7/2005: "الحكومات التي يتم فرزها ديموقراطياً تكون ملتزمة بالعمل على تحقيق المصالح الإستراتيجية لدولها، لذا فإن هناك مصلحة إسرائيلية واضحة وجلية في بقاء أنظمة الحكم العربية الحالية". ويضرب (روتشيلد) مثالاً على ذلك بالتطورات الدراماتيكية على سياسة معمر القذافي، وانقلابه على شعاراته القديمة بعد أن تملّكه الفزع من مصير كمصير صدام حسين، ومسارعته إلى الإعلان عن التخلص من الأسلحة الكيماوية، وخروجه عن طوره من أجل استرضاء أمريكا. من ناحيته يرى الكاتب والمعلق السياسي الشهير (الوف بن) أنه ليس من مصلحة إسرائيل تحوّل العالم نحو الديموقراطية، وذلك لأن إسرائيل في هذه الحالة ستفقد خصوصيتها كـ "واحة" للديموقراطية في منطقة تحكمها الديكتاتوريات، وبذلك تفقد تل أبيب الحق في الزعم بأنها الدولة الوحيدة في المنطقة التي تربطها قواسم مشتركة مع حضارة الغرب. ويرى الإسرائيليون أن الديكتاتوريات في العالم العربي أفرزت -مع مرور الوقت- قادة ضعافاً، وبوجود هؤلاء القادة تصبح إسرائيل هي التي تمنح السلام لهم، لا أن تصنعه معهم، كما يقول بنيامين نتنياهو (هارتس 18/4/2005).ويؤكد (عكيفا الدار) أن إسرائيل وجدت فرصتها الذهبية في ممارسة الضغوط على القادة العرب الضعاف؛ فهؤلاء أبدوا دوماً قدرة كبيرة على الاستجابة للضغوط التي مارستها عليهم تل أبيب. ولا يساور (الدار) شك في أن إسرائيل ستفقد هذه القدرة في حال تم استبدال الأنظمة الشمولية في العالم العربي بأنظمة ديموقراطية. وقد وصل الأمر إلى درجة أن كبار قادة أجهزة المخابرات الإسرائيلية يرون أن هناك علاقة وثيقة بين هيمنة الأنظمة الديكتاتورية في العالم العربي وبين استعداد المواطنين العرب للسقوط في حبائل المخابرات الإسرائيلية، وقبول عدد كبير منهم للعمل لصالح هذه المخابرات. ويقول (رافي ايتان) الذي شغل منصب قائد وحدة تجنيد العملاء في جهاز الموساد المعروفة بـِ "قيساريا" في حديث مع التلفزيون الإسرائيلي بتاريخ (15/2/2003): إن وجود أنظمة حكم شمولية في العالم العربي سهّل على الموساد تجنيد العملاء من العرب.

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر