موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
صحافي في غزة...... سيرتي المهنية
تمردت عيناي على الإغفاء طوال تلك الليلة من شتاء عام 2000، وحتى بزوغ الفجر وعلى وقع شخير رفاقي في الزنزانة ظللت أسألث نفسي عن السبب الذي دفعهم لاعتقالي، والزج بي في هذا القسم من سجن «الجوازات» التابع لمديرية الشرطة العامة في مدينة غزة، مع اللصوص وتجار المخدرات. وبعد منتصف اليوم اذا بهم يأخذوني الى مكتب مدير المباحث الجنائية، وبعدما جلست أمام المدير وهو ضابط برتبة عميد، كانت المفاجأة كبيرة عندما عاجلني مستفسراً عن مصدر خبر نشر في صحيفة اخرى، فقلت له: انني اعمل مع «الشرق الأوسط»، فما كان منه إلا أن اتصل بأحد ما موبخاً، وطالباً اعتقال مراسل تلك الصحيفة التي نشرت الخبر. مضايقات الاجهزة الامنية الفلسطينية تكررت مرات كثيرة منذ التحاقي بـ«الشرق الأوسط» في عام 1999. ففي أواخر عام 2000 نشرت «الشرق الأوسط» لي خبرا حول قيام عناصر من جهاز أمن الرئاسة الفلسطيني بالاعتداء بالضرب المبرح على الوزير الفلسطيني قدورة فارس عندما كان يهم بدخول مقر الرئيس الراحل ياسر عرفات في رام الله. كان التقرير الذي ارسلته يتضمن مقابلة مع فارس نفسه حيث تحدث عن ظروف الاعتداء عليه. ففوجئت بأن أحد الاجهزة الأمنية يستدعيني حول الخبر، حيث حاولوا اجباري بالتوقيع على تعهد بألا اتعرض لكل ما له علاقة بمقر الرئاسة، فرفضت، ولم يخل سبيلي إلا بعد ساعات من عروض الترغيب والترهيب. تدخلات الأجهزة الأمنية الفلسطينية ومحاولتها التأثير على ما اقوم بتغطيته من أحداث وما لا أغطيه، عززت لدي كما لدى عدد من العاملين في مجال الصحافة في مناطق السلطة الفلسطينية الرقابة الذاتية خوفاً من المساءلة من قبل أناس آخر ما يعنيهم ضمان حق الجمهور بالمعرفة. الى جانب ذلك، فإنّ ممارسات جيش الاحتلال جعلت العمل صعباً وشاقاً ومحفوفاً بقدر هائل من المخاطر. فقد اندلعت الانتفاضة بعد عام تقريباً على التحاقي بـ «الشرق الأوسط»، ومثلي مثل بقية الصحافيين كان علي أن أقوم بتغطية عمليات الاجتياح والاغتيال التي قام بها جيش الاحتلال في عمق التجمعات السكانية بقطاع غزة وفي محيطها، الى جانب متابعة التحركات السياسية التي هدفت لاحتواء الانتفاضة على طول عمرها. كنت أعمل بشعور أنه من الممكن أن أتعرض لسوء في كل لحظة. أذكر أنني في أواخر عام 2002 كنت قد حددت موعداً لمقابلة الدكتور عبد العزيز الرنتيسي زعيم حركة «حماس» الذي اغتيل فيما بعد، وحددت المقابلة في مكان عمله في الجامعة الاسلامية، لكن قبل موعد اللقاء بساعتين اتصل بي احد مرافقيه ليبلغني أنه تقرر اجراء المقابلة في المنزل، عندها شعرت بشيء من الخوف، حيث أن الرنتيسي مرشح للتصفية، وإسرائيل شرعت حينها في تصفية المطلوبين عبر قصف منازلهم وتدميرها فوق رؤوسهم، فقلت في نفسي انه قد ينتظرني نفس مصير صديقي الصحافي محمد البيشاوي وزميله عثمان قطناني اللذين كانا يجريان مقابلة مع الشيخ جمال منصور قائد حماس في شمال الضفة الغربية، فقتلا معه عندما قامت مروحية بقصف مكتبه في نابلس في مطلع ذلك العام. عندما استقبلني الرنتيسي، وعلى الرغم من انني وجدت رجلاً يبث الطمأنينة والثقة في كل اتجاه، إلا أن شعوري بالخوف ظل على حاله. في ظل انتفاضة الأقصى كان مجرد التحرك في شوارع المدينة مخاطرة ليست قليلة. اذكر انني كنت في أحد الأيام قد غادرت المكتب في الساعة الرابعة بعد الظهر، لحضور احدى الفعاليات، وعندما قطعت مسافة مائة متر، مرت سيارة سوبارو بيضاء اللون، وبعد أن تجاوزتني بثلاثين مترا، فإذا بها تتعرض للقصف من الجو، انبطحت على طرف رصيف الشارع، وبعدما هدأ القصف، اسرعت نحو السيارة التي تشتعل فيها النيران رأيت بداخلها احد عناصر المقاومة، وكان حينها ما زال حياً والنيران تأتي عليه. كان هذا مشهدا لاحدى ثلاث عمليات اغتيال جعلتني الصدف أول صحافي اصل الى ساحتها. والى جانب عمليات الاغتيال، كانت هناك عمليات الاقتحام التي كانت تتم في الليل، أو في ساعات الفجر الأولى. كنا نمضى وقتاً طويلاً في متابعة عمليات الاقتحام وتغطية انشطة المقاومين الذين يقومون بالتصدي لها، الى جانب رصد وتغطية النتائج المترتبة على هذه العمليات من قتل وتدمير وعمليات اعتقال. كانت اكثر معيقات العمل صعوبة بالنسبة لي الحواجز العسكرية وتقطيع اوصال القطاع الى ثلاثث مناطق يحظر جيش الاحتلال الانتقال بينها. ولأنني أسكن المنطقة الوسطى من القطاع، فعندما يتم قطع الطريق البرية الواصلة بين المنطقة ومدينة غزة، أضطر الى قطع مسافة ثلاثة كيلومترات مشياً على الأقدام على شاطئ بحر غزة، وهو المسلك الوحيد الذي يسمح جيش الاحتلال بسلوكه، بالطبع مع عشرات الآلاف من المواطنين الفلسطينيين. وفي بعض الاحيان نقطع المسافة على العربات التي تجرها الحمير والبغال. واذكر انني في احدى المرات كنت استقل عربة يجرها بغل وكانت تنطلق بسرعة، فسقط هاتفي النقال على الشاطئ وجرفته الامواج معها قليلاً، فنزلت مسرعاً لانتشله، بينما واصل البغل وصاحبه طريقهما وكأن شيئاً لم يكن. وفي احيان كثيرة كنت عندما يتم اغلاق المنطقة اضطر للمبيت في المدينة سواء داخل المكتب او عند احد الاصدقاء. والى جانب المشاكل التي منشؤها الامن الفلسطيني وقوات الاحتلال، فإن مستوى الخدمات التي تقدمها السلطة يجعل العمل الصحافي أمراً صعباً. ولعل أهم المشاكل هنا الانقطاع المفاجئ للتيار الكهربائي. وقد وصل الأمر في بعض الايام ان قطع التيار الكهربائي أكثر من 15 مرة في اليوم الواحد. كان الأمر مثيرا للاستفزاز والقرف في آن معاً. فكثيراً ما كنت اوشك على الانتهاء من تحرير القطعة التي انوي ارسالها للصحيفة على الحاسوب، فينقطع التيار الكهربائي فجأة. فأضطر للانطلاق الى احد مقاهي الانترنت في احد احياء غزة التي لم يقطع فيها التيار الكهربائي واقوم باعداد القطعة من جديد. هذا تكرر مرات كثيرة جداً. الخوف من انقطاع التيار الكهربائي جعلنا نحرص على اقتناء مولد كهرباء للاستعانة به عند انقطاع التيار الكهربائي، على الرغم من الضجيج الذي يحدثه ورفض جيراني في المكاتب الاخرى لذلك. ومن المعيقات الاخرى هو تردي خدمة الانترنت الذي يجعل عملية ارسال المواد تستغرق وقتاً طويلاً. اما من ناحية مهنية فإن الاحداث المتلاحقة، والكثيرة التي تترى في اليوم تجعلني اعتمد التكثيف، بحيث يتم تغطية اكبر قدر من الاحداث في اقل عدد من الكلمات، الى جانب اعتماد معالجات مختلفة لتغطية ما يحدث. وهنا من الأهمية بمكان الاشارة الى أن احدى مزايا العمل الصحافي في غزة هو أنه يمد الصحافي بعدد كبير من الافكار للعمل، سيما على صعيد القصص التي تصور معاناة الناس هنا، سيما عندما تتحدث عن معاناة أناس انت جزء منهم وهم جزء منك. قصارى القول: إن غزة بيئة عمل «مستحيلة» لكل صحافي ينشد العمل في ظروف طبيعية
مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر