موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
حتى لا يساء فهم تحمس ابو مازن لوثيقة الأسرى !!!
أولاً أود التأكيد هنا أنني من أولئك الذين يرون أن وثيقة الوفاق الوطني الذي بادر الى صياغتها المناضل الكبير مروان البرغوثي وعدد من المناضلين الأسرى العظام في سجون الاحتلال من مختلف الفصائل تصلح حقاً لأن تكون أساساً للتداول في جلسات الحوار الوطني. وأزعم أن هذه الوثيقة يمكن أن تساهم في تقليص دائرة الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني، أو على الأقل تعمل على تآكل المسوغات التي يقدمها اعداؤنا لمواصلته. وحسب اعتقادي أنه كان من المفترض أن تستغل هذه الوثيقة للمناورة في الساحات الوطنية والأقليمية والدولية بشكل أفضل مما قامت به. ولكن ذلك لا يعني أن هناك مبرراً للإنذار الذي وجهه الرئيس الفلسطيني أبو مازن للفصائل الفلسطينية في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر الحوار، حيث أمهل الفصائل مدة عشرة أيام لتوافق على هذه الوثيقة التي تتضمن تصورات واضحة حول المركبات الأساسية للقضية الفلسطينية مثل: الدولة واللاجئين والمستوطنات والمقاومة والاعتراف بإٍسرائيل، وغيرها من القضايا. وأنذر بأنه سيبادر إلى إجراء استفتاء شعبي على الوثيقة. اللافت للنظر في كلمة أبو مازن التي أعلن فيها هذا الإنذار استخفافه بالفصائل بدون تمييز، مستخدماً مفردات ليست الأنسب في هذا المقام، لاسيما عند الحديث عن حوار وطني، حيث اتهم الفصائل بـ "التحشيش الفكري والعبثية". والسؤال الذي يطرح نفسه هنا بقوة: هل يحق "لأبو مازن" فرض إجراء استفتاء شعبي على هذه الوثيقة؟ و ما هي الدوافع الحقيقية وراء حماسه الكبير لها؟ أولاً: وثيقة الأسرى كانت واحدة من بين وثائق وتصورات عدة تم تقديمها لمؤتمر الحوار الوطني من أجل التوصل لبرنامج القواسم المشتركة. وبالتالي لم يكن من الحكمة أن يتم إلزام الفصائل بطرح كل الوثائق جانباً وتبني وثيقة "الوفاق الوطني". فهل من الحكمة تجاهل الفصائل التي تمثل الشعب الفلسطيني والاهتمام بوثيقة تقدم بها بعض الأسرى، الذين يكن لهم الشعب الفلسطيني كل الاحترام والتقدير؟ ومن ناحية ثانية، فإن إنذار أبو مازن أفقد مؤتمر الحوار أهميته ومسوغات عقده؛ لأنه يحاول من خلال هذا الإنذار فرض نتيجة واحدة ووحيدة لمؤتمر الحوار، وهي المصادقة على وثيقة الأسرى. ثانياً: ترى معظم الفصائل أن عدداً من بنود وثيقة "الوفاق الوطني"إشكالية"، لاسيما تلك المتعلقة بالنطاق الجغرافي للمقاومة ضد الاحتلال وحصرها في مناطق العام 1967، وتلك المتعلقة بالاستناد للشرعية العربية والدولية. و هناك بنود غامضة تحتاج إلى توضيح. وليس من حق أحد أن يتجاهل الاختلافات في وجهات النظر بين الفصائل عبر فرض وثائق بعينها وتجاهل غيرها، مع العلم أن الفرقاء في الساحة الفلسطينية يمكن أن يقوموا بتطوير وثيقة الأسرى لتشكل بالفعل برنامج الحد الأدنى من القواسم المشتركة التي يتفق عليها الجميع. ثالثاً: على الرغم من أن الوثيقة يُطلق عليها وثيقة الأسرى، إلاّ أنه تبين أنها لا تعبر عن رأي أغلبية الأسرى، فمثلاً قد أعلن أسرى حركة حماس في السجون أن أحداً لم يستشرهم قبل طرح هذه الوثيقة، وبالتالي هناك من وظّف توقيع الأسرى لكي يوهم الرأي العام أن الأسرى مجمعون على تأييد هذه الوثيقة، ليحاول ترويجها مستغلاً ما يحظى به الأسرى من احترام كبير في أوساط الشعب الفلسطيني. رابعاً: إن كان أبو مازن يريد من خلال إجراء الاستفتاء الشعبي إضفاء "شرعية" شعبية على هذه الخطة، فإن الشعب الفلسطيني قد شهد انتخابات تشريعية شارك فيها أكثر من 75% من الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وقد عبر الفلسطينيون بوضوح عبر نتائج هذه الانتخابات عن الوجهة التي يفضلونها، وبالتالي فإن طرح فكرة الاستفتاء يعني محاولة تجاوز نتائج الانتخابات التشريعية. خامساً: ليس من حق رئيس السلطة الفلسطينية الدعوة لإجراء استفتاء شعبي، فلا يوجد قانون فلسطيني ينظم إجراء الاستفتاءات الشعبية، كما قال عمار الدويك مدير لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية، وبالتالي، فإن إجراء الاستفتاء يتطلب أن يقوم المجلس التشريعي بسن قانون ينظم إجراء مثل هذا الاستفتاء. وواضح تماماً أنه حسب موازين القوى داخل المجلس لا يوجد أمل أن يوافق المجلس على سن مثل هذا القانون. سادساً: ولو افترضنا أنه قد ذُللت العقبات القانونية أمام إجراء الاستفتاء، فهل فكرة تنظيمه عملية؟. فواضح تماماً أنه من حق جميع الفلسطينيين في جميع مناطق تواجدهم المشاركة في هذا الاستفتاء، على اعتبار أن نتائجه ستؤثر على مصيرهم. فكيف سيتم تنظيم الاستفتاء في الأردن ولبنان وسوريا ومناطق الشتات. مع العلم أنه قد يكون وارداً في ذهن أبو مازن، ومن يحيطون به أن الشعب الفلسطيني قد يقبل باقتصار المشاركة في الاستفتاء على الفلسطينيين في الضفة والقطاع، وهذا اعتقاد في غير محله، ويتوجب على كل من يطرح فكرة الاستفتاء أن يقدم أولاً ضمانات لمشاركة كل الفلسطينيين في هذا الاستفتاء. لكن هناك بعض المؤشرات التي تجعل البعض يشك في أسباب تحمس ابو مازن لوثيقة الأسرى. و من هذه المؤشرات: 1- لم تكد تمضي ساعات على كلمة أبو مازن، حتى انطلق ممثلوه والمقربون منه لكي يهددوا باسمه بأنه في حال لم توافق حكومة "هنية" على وثيقة الأسرى، فإن أبو مازن سيسارع إلى إقالة الحكومة. 2- إن تصريحات أبو مازن قوبلت بترحيب حار من قبل القيادة الصهيونية التي سارعت إلى كيل المديح "لأبو مازن" والإشادة بـ "قدراته القيادية". وقد شدد كل مسؤولي الدولة العبرية على أن إصرار أبو مازن على وثيقة الأسرى جاء لتقليص المناورة أمام حكومة حماس. مع العلم أن هذه القيادة ترفض وثيقة الأسرى. 3- الأخطر من كل ذلك أن إسرائيل أعلنت أنها "كافأت" أبو مازن على موقفه الشديد من حركة حماس بالسماح للأجهزة الأمنية التابعة له بالتزود بسلاح تم تقديمه من الأردن لكي يكون بمقدوره مواجهة قوة الإسناد التي شكلتها وزارة الداخلية الفلسطينية، أي المساعدة على اندلاع حرب أهلية. قد تكون هذه المؤشرات في غير محلها، وقد يكون ابو مازن لا يقصد ذلك، من هنا عليه أن يطمئن مواطنيه أن قراراته تنبع فقط من اعتبارات وطنية فلسطينية محضة وفلسطينية فقط.
مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر