موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
الجيش الإسرائيلي .....عندما يقع في قبضة المتدينين
حتى أوائل الثمانينيات من القرن الماضي ظلت نسبة المتدينين الصهاينة في الهيئات القيادية في الجيش أقل من النسبة التي يمثلونها من حيث تعداد السكان. فحتى ذلك الوقت ظل القادمون من القرى التعاونية "الكيبوتسات" - التي تمثل قلاع العلمانية الإسرائيلية - ينفردون بالسيطرة على المواقع القيادية في الجيش، لدرجة أن الانتماء لـ (الكيبوتس) كان رديفاً للانتساب للوحدات المختارة في الجيش، مع أنه بمثل هذا الانتساب تُفتح الطريق أمام احتلال المواقع القيادية في الجيش والدولة مستقبلاً. لكن منذ ذلك الوقت حدث تغيّر دراماتيكي متلاحق ولافت للنظر ، فقد قلّت نسبة خريجي (الكيبوتسات) الذين يلتحقون بالوحدات المختارة بسبب تحلّل الكثير من هؤلاء من الإيمان بـ "واجب التضحية من أجل الدولة". في المقابل حدثت عملية عكسية تماماً، حيث كانت توجيهات المرجعيات الروحية للتيار الديني الصهيوني لأتباعها بأن عليهم أن يتوجهوا تحديداً للانخراط في الوحدات المختارة والسريات النخبويّة في الجيش، من أجل قيادة الجيش، وبالتالي التحكم في المشروع الصهيوني. الذي سهّل على الصهاينة المتدينين تحقيق هدفهم وهو وجود ما يُعرف بالعبرية ب "يشيفوت ههسدير"، وهي معاهد دينية عسكرية – يمولها الجيش – و ينضم إليها حصراً أتباع التيار الديني الصهيوني بعد تخرجهم من المدرسة الثانوية. يقضي هؤلاء ثمانية عشر شهراً في هذه المعاهد، يمارسون خلالها تعليمهم الديني، وفي نفس الوقت يؤدون الخدمة العسكرية، مع العلم أنه بعد تخرجهم منها يقضون ثلاثين شهراً إضافية في الخدمة العسكرية. يبلغ عدد هذه المدارس اثنتين وأربعين مدرسة يديرها الحاخامات، و يتم التشديد فيها على أن "الخدمة العسكرية والروح القتالية هي مهمة جماعية يفرضها الدين بهدف قيادة المشروع الصهيوني". من هنا كان كل طالب في هذه المدارس لا ينظر للخدمة العسكرية على أنه يؤدي خدمة إجبارية تنتهي بعد ثلاث سنوات، بل إنها بوابة واسعة لممارسة التأثير على مستقبل الدولة، وعلى عملية صنع القرار فيها. على الرغم من أن " يشيفوت ههسدير" يتم تمويلها من قبل الجيش، كذلك فإن مدراءها من الحاخامات يتلقون رواتبهم من خزانة الدولة، إلا أن نظام التعليم فيها مستقل تماماً، وتتحكم فيه المرجعيات الروحية للتيار الديني الصهيوني دون أي قدر من الرقابة على مضامين مناهج التعليم فيه، على الرغم من أن الخدمة العسكرية في إسرائيل إلزامية، إلا أن الانتساب للوحدات المختلفة داخل الجيش هو أمر اختياري وطوعي لكن بفعل التثقيف والتعبئة التي يتعرضون لها داخل "يشيفوت ههسدير"، فإن أتباع التيار الصهيوني الديني يتجهون للانتساب للوحدات المختارة، وسرايا النخبة في الجيش. شيئاً فشيئاً أصبح معظم قادة الوحدات المقاتلة من المتدينين. ومعظم القادة والمنتسبين للوحدات المختارة مثل "سرية وحدة الأركان"، و "ايجوز"، "دوفيديفان" و "يسام"، هم أيضاً من المتدينين. ليس هذا فحسب بل إن المتدينين يحتكرون الخدمة فيما يُعرف بـ "سرايا النخبة" التابعة لألوية المشاة، فمثلاً 60% من القادة والمنتسبين لسرية النخبة في لواء المشاة "جفعاتي" هم من المتدينين. تغلغل المتدينين الصهاينة في المواقع القيادية للجيش دفع الجنرال يهودا دونيدينان الذي كان مسؤولاً عن قسم "الشبيبة " في وزارة الدفاع للقول: إن أتباع التيار الديني الصهيوني أصبحوا يشكلون "العمود الفقري" للجيش. ولا يقتصر اندفاع المتدينين نحو المواقع القيادية في الجيش، بل أيضاً في الأجهزة الاستخبارية؛ فعلى الرغم من أنه لا يُعلن عن هوية الذين يخدمون في الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية، إلا أن التسريبات الصحافية تؤكد أن المتدينين أصبحوا يمثلون ثقلاً متصاعداً داخل جهاز المخابرات الداخلية "الشاباك"، وهو أكثر الأجهزة الاستخبارية تأثيراً على دوائر صنع القرار في الدولة. وما ينطبق على الجيش والمخابرات ينطبق على الشرطة وحرس الحدود. لا شك أن المعطيات السابقة يجب أن تدق ناقوس الخطر لدى دوائر صنع القرار في العالم العربي، إن كان ثمة من يلقي بالاً لما يحدث في إسرائيل؛ فاحتلال المتدينين المراكز القيادية في الجيش سيؤثر مستقبلاً بشكل كبير على طابع العلاقات بين إسرائيل مع العالم العربي. فالجيش الذي سيكون تحت قيادة المتدينين هو غير الجيش الحالي، على الرغم من أن معظم القادة الحاليين ذوو نزعات عنصرية متطرفة. الجيش تحت قيادة المتدينين سيدفع الحكومة إلى سياسات أكثر تصادماً مع العالم العربي، وذلك بفعل تأثرهم الشديد بالأفكار "الخلاصوية" التي توغل في نفيها للآخر العربي وازدرائه. القادة المتدينون سيخلطون بين متطلبات السياسة وتعليمات الحاخامات. فهاهو الحاخام مردخاي الياهو أكبر مرجعية روحية للتيار الديني الصهيوني، والذي يحرص كل القادة المتدينيين على تقبيل يديه و الحصول على "تبريكاته" يصدر فتوى مؤخراً تبيح إبادة الفلسطينين عملاً بالفريضة التوراتية التي تقول " اذكر عدوك وأبده "( معاريف 28-3-2005). إن سماح النظام السياسي في الدولة العبرية للمتدينين بتقلد المواقع القيادية يثير في نفس كل عربي ومسلم المرارة بشكل خاص. ففي الوقت الذي توفّر فيه " إسرائيل " كل الظروف لمساعدة متدينيها على الارتقاء في سلم القيادة في الجيش والمؤسسات الاستخبارية على اعتبار أن هذا حق تكفله "المواطنة"، نجد أن الأمور تنقلب رأساً على عقب في كثير من بلدان العرب والمسلمين، حيث إن مظاهر التدين تحول دون الارتقاء في سلم القيادة، وفي بعض البلدان يُمنع المتدينون من الالتحاق بالجيش مطلقا ، وفي حال ضبطوا وهم يمارسون الشعائر الدينية يُطردون من الخدمة العسكرية ويقدّمون للمحاكمة. إن هذه المقارنة مهمة جداً في معرفة أسباب الهزائم التي لحقت بالعرب في مواجهتهم مع دولة الاحتلال. ففي حين يصطفى النظام السياسي الصهيوني من يعتبرهم القادرين على تقديم أفضل الأداء في هذه المواجهة، تقوم الكثير من أنظمة الحكم في العالمين العربي والإسلامي بإقصاء كل من لديه مؤهلات الثبات والمواجهة، فقط لظن تلك الأنظمة أن ذلك يخدم مصلحتها ويضمن بقاءها. للأسف الشديد أنه في كل ما يتعلق بهذه القضية يتوجب علينا أن نتعلم من عدونا الذي يعرف كيف يستنفد كل الطاقات الكامنة في أبنائه وفق معايير موضوعية صرفة، إن كنا نريد أن تنقشع هذه الحقبة البائسة من تاريخنا بسرعة وإلى غير رجعة
مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر