موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
المقاومة الفلسطينية.........مواجهة يحظر فيها الفشل

أياً كانت عمليات القمع التي قامت وستقوم بها إسرائيل في مسعاها لإجبار حركات المقاومة الفلسطينية على إطلاق سراح الجندي الأسير، فأنه لا يوجد ثمة خيار أمام الشعب الفلسطيني سوى الصمود حتى إنجاز الأهداف التي وضعتها المقاومة الفلسطينية لعملية " الوهم المتبدد "، ألا وهي اطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال. معركة " عض الأصابع " بين دولة الاحتلال والشعب الفلسطيني يجب أن تنتهي بانتصار المقاومة، ليس فقط بسبب عدالة المطالب التي تطرحها، بل لأن دولة الاحتلال تحاول أن تجعل من انكسار الشعب الفلسطيني في هذه المواجهة – لا سمح الله – نقطة تحول في فرض اجندتها السياسية والأمنية على الشعب الفلسطيني. القرارات التي اتخذها مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر لشؤون الأمن لدى اجتماعه ليلة الأحد الماضي لا تدع مجالاً للشك حول طبيعة الأهداف التي تحاول الدولة العبرية تحقيقها من خلال تكثيف عملياتها العسكرية وتوسيعها في مواجهة الشعب الفلسطيني. ولعل القليل الذي سرب حول ما جاء في هذا الاجتماع يدلل على أن دوائر صنع القرار في الدولة العبرية جعلت من تحرير الجندي الأسير هدف ثانوي، إزاء الهدف الرئيسي المتمثل في محاولة جعل الشعب الفلسطيني ومقاومته يدرك أن الدولة العبرية لا يمكنها أن تقدم أي تنازل مقابل عمليات المقاومة مهما كانت نوعية وبطولية. وزير التعليم الإسرائيلي يولي تامير والعضو في المجلس الوزراء المصغر لشؤون الأمن قالت أن تل أبيب تريد من خلال عمليات القمع المتواصل، وصنوف العقوبات الجماعية ضد الشعب الفلسطيني أن تحاول اقناع الفلسطينيين أنهم " يخطئون خطأ كبيراً باعتمادهم على حركة حماس وعلى نهجها في التعاطي مع إسرائيل ". وأضافت تامير "  الويل لنا أن سمحنا لحركة حماس أن تنجح في هذه المواجهة، الويل لنا لو قمنا بالإفراج عن أسرى فلسطينيين بناء على املاءات تحاول حركة حماس فرضها علينا، أن هذه هي الوصفة الأكيدة لتهاوي ما تبقى من عامل ردع لإسرائيل في مواجهة المقاومة الفلسطينية ". ليس هذا فحسب، بل أن وزير الداخلية الصهيوني روني بارعون، العضو في مجلس الأمن الإسرائيلي المصغر يؤكد بما لا قبل التأويل على أن الحملة العسكرية الإسرائيلية المتواصلة تهدف أيضاً للتأثير على النظام السياسي الفلسطيني، ومحاولة تغيير موازين القوى في الساحة الحزبية الفلسطينية. بارعون كان أكثر وضوحاً عندما شدد على أنه يتوجب أن تعمل إسرائيل على دفع الرأي العام الفلسطيني على نزع ثقته بحركة حماس، ومحاولة السماح بعودة " الجناح المعتدل " في حركة " فتح " لتولي زمام الأمور. أما يوفال ديسكين، رئيس جهاز المخابرات الداخلية الإسرائيلية " الشاباك "، فينصح حكومته بأن تستغل العملية العسكرية في قطاع غزة من أجل احداث تغيير إستراتيجي في المنطقة بأسرها لصالح دولة الاحتلال. ويقصد ديسكين ب " التغيير الاستراتيجي "، هو استغلال الحدث من أجل تكريس قواعد جديدة للعبة إزاء سوريا تحديداً، بحجة أنها تأوي القيادة السياسية لحركة حماس وتقدم الغطاء السياسي لها. من هنا، وإزاء ما تقدم، ومن أجل افشال المخطط الصهيوني، فأنه يتوجب القيام بما يلي:

1-   يتوجب على حركات المقاومة استنفاذ كل الجهود في التأثير على الرأي العام الصهيوني من خلال التأكيد للشارع الصهيوني بطلان الدعاية الحكومة الإسرائيلية القائلة أن حملة " أمطار الصيف " المتواصلة ضد حركات المقاومة في قطاع غزة لن تزيد إلا فرص المس بحياة الجندي الأسير. وقد أحسنت حركات المقاومة عندما أنذرت حكومة الاحتلال بتحديد موعد ل " إغلاق ملف " الجندي، دون أن تحدد ما تقصده بقولها " إغلاق ملف ". وحسب جميع المعلقين في وسائل الاعلام الصهيونية، فقد كان لهذا الإنذار في التأثير على معنويات عائلة الجندي الاسير وعلى الشارع الصهيوني. ولعل التوبيخ الذي تلقاه رئيس هيئة أركان جيش الاحتلال دان حلوتس من والد الجندي الأسير خير دليل على نجاح الرسالة التي عملت حركات المقاومة على ايصالها. فقد حذر والد الجندي حلوتس وحكومة الاحتلال من مغبة استخدام مصير إبنه من أجل استعادة دولة الاحتلال لعامل الردع في مواجهة حركات المقاومة. في نفس الوقت، فأن استطلاعات الرأي العام الإسرائيلية تؤكد بما لا يقبل الشك أن الشارع الإسرائيلي يحث حكومته على الموافقة على مطالب حركات المقاومة واطلاق سراح أسرى فلسطينيين مقابل اخلاء سبيل الجندي الأسير. مع العلم أن حكومات الاحتلال لا يمكنها أن تتجاهل ردود فعل المجتمع الصهيوني، إذ أنه في حال أدرك الصهاينة أن حكوماتهم تقصر في بذل الجهود لإعادة ابنائها الأسرى، فأن ذلك يؤثر بشكل كبير على توجه هذه العائلات لتشجيع ابنائها على التطوع للخدمة في الوحدات القتالية في جيش الاحتلال.

2-   تحسن حركات المقاومة الفلسطينية وأذرعها العسكرية صنعاً في حال نجحت في عدم تمكين العدو من جرها الى حرب استنزاف طويلة الأمد، يكون له فيها الغلبة، لأن عمقه المدني سيكون بعيد نسبياً عن المواجهة، بعكس الطرف الفلسطيني. و هناك بعض المؤشرات التي تؤكد أن الحملة العسكرية الصهيونية على قطاع غزة ستكون متدحرجة وعلى مراحل، وتتجنب القيام بضربة مباغتة حتى لا تتحمل الحكومة الصهيونية المسؤولية عما يحلق بالجندي المختطف من أذى. لذلك على حركات المقاومة أن تحاول كل جباية أثمان باهظة من المحتل بسرعة من أجل تقليص هامش المناورة أمامه.

3-   أن كان سقف توقعات الشعب الفلسطيني كانت دائما متدنية جداً من النظام العربي الرسمي، إلا أنه في هذه الأزمة يتوجب عدم التسليم بهذا الموقف، والوقوف بدون إتخاذ اجراءات من أجل محاولة احراج الحكومات العربية التي لا يحرك بعضها ساكناً، في حين أن البعض الآخر – غدا يتبنى الموقف الصهيوني من حل مشكلة أسر الجندي الإسرائيلي. وبكل ثقة، فأنه بدون موقف عربي مساند وقوي فأنه الأمور ستكون بالغة التعقيد أمام الشعب الفلسطيني وقواه المقاومة، لأن هذا يعني السماح لدولة الاحتلال بكل ما تملك من ترسانة عسكرية للانفراد بالمقاومة الفلسطينية. المؤسف حقاً أن تحرك القوى الاسلامية والقومية والاتحادات النقابية، والهيئات الشبابية في العالم العربي دون المستوى المطلوب بكثير، على الرغم من حساسية الموقف. فعلى هذه القوى وتلك النقابات أن تبادر الى تحريك الجماهير العربية للاحتجاج على تخلي النظام العربي الرسمي عن الشعب الفلسطيني في محنته، وتذكير القادة العرب أن قيام طائرات إسرائيل العسكرية بتنفيذ غارات وهمية فوق قصر الرئيس السوري بشار الأسد في اللاذقية يحمل رسالة قوية لهؤلاء القادة، حيث أن هذا يكرس لصورة جديدة من التعاطي الصهيوني من الأنظمة العربية، الأمر الذي يحتم على هؤلاء القادة التحرك لتقصير هامش المناورة أمام الدولة العبرية. في نفس الوقت يتوجب العمل على اشعال الجبهات العربية في المواجهة، سيما الجبهة الشمالية من أجل محاولة تشتيت الجهد الحربي الصهيوني.

4-   يجب أن يمثل ردة الفعل العربية والإسلامية رسالة قوية للإدارة الأمريكية التي بادرت الى منح إسرائيل الشرعية لمواصلة حملتها العسكرية في قطاع غزة. ويتوجب أن تدرك واشنطن أنه ليس أمامها إلا أن تخسر من مواصلة تحيزها الأعمى لدولة الاحتلال.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر