موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
المقاومة الفلسطينية : خلل يتوجب علاجه

على الرغم من الاستبسال الذي أبدته حركات المقاومة الفلسطينية في تصديها لقوات الاحتلال منذ أن شرعت في حملة "أمطار الصيف" العسكرية على قطاع غزة؛ ومع أن المقاومين الفلسطينيين يبدون استعدادا غير محدود للتضحية في سبيل رد العدوان الصهيوني؛ فإن هناك العديد من مكامن الخلل في أداء المقاومة الفلسطينية التي يحاول جيش الاحتلال استغلالها لاستنزاف المقاومين، والمس بمعنويات الشعب الفلسطيني؛ وتيئيسه من إمكانية تحقيق الأهداف التي وضعتها المقاومة في هذه المرحلة. ونحن هنا بصدد رصد وتعقب مكامن الخلل هذه التي بات من الضروري أن يتم معالجتها بأقصى سرعة ممكنة:
1-بسبب ميْل موازين القوى العسكرية لصالح جيش الاحتلال، الذي توضع تحت تصرفه أحدث التقنيات المتقدمة في المجال الحربي؛ فإنه ليس من مصلحة حركات المقاومة أن يخرج عناصرها إلى مواجهة مكشوفة يحدد جيش الاحتلال شروطها وظروفها. وليس من الضروري أن يكون المرء خبيراً عسكرياً حتى يعرف أنه يتوجب على حركات المقاومة ألاّ يُستدرَج عناصرها إلى مواجهة في مناطق مكشوفة وذات كثافة سكانية قليلة. ففي هذه الحالة يكون من السهل أن يوظف جيش الاحتلال أحدث ما لديه في مجال التقنيات المتقدمة العسكرية لحسم المعركة، وإيقاع أكبر عدد من الشهداء في صفوف عناصر حركات المقاومة. وهذا ما حدث بالفعل عندما اجتاحت قوات الاحتلال مؤخراً بلدة "بيت لاهيا" الزراعية المكشوفة، وذات الكثافة السكانية القليلة نسبياً؛ فخرج رجال المقاومة بأسلحتهم الخفيفة لمواجهتها في أرض مكشوفة وسماء يسيطر عليها الطيران الحربي الصهيوني، وكانت النتيجة أن استطاع جيش الاحتلال قتل العشرات من عناصر المقاومة. المؤسف حقاً أنه منذ بداية انتفاضة الأقصى اتبعت قيادة جيش الاحتلال نفس التكتيك العسكري القائم على استدراج عناصر المقاومة الفلسطينية إلى معركة يتم تحديد شروطها سلفاً من قبل هذه القيادة. والذي يثير المرارة أن هيئة أركان جيش الاحتلال لا تحاول حتى أن تخفي تكتيكها هذا. فقائد المنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال (يوآف جلانت) يؤكد أن المقاومين الفلسطينيين قد وقعوا في الفخ الذي نُصب لهم عندما هبوا للتصدي لدبابات الاحتلال في المناطق المكشوفة. من هنا كان يتوجب على قيادات حركات المقاومة المختلفة أن تقوم بتكتيك عسكري مضادّ، يقوم على استدراج جيش الاحتلال إلى مواجهة تحدد المقاومة الفلسطينية شروطها وساحاتها ، وليس العكس؛ أي محاولة استدراج جيش الاحتلال إلى المناطق ذات الكثافة السكانية الكبيرة، بحيث يكون من الصعب على جيش الاحتلال توظيف قدراته في مجال التقنيات المتقدمة. في نفس الوقت فإن اضطرار جيش الاحتلال إلى خوض مواجهة في مناطق ذات كثافة سكانية كبيرة يعني أنه سيكون محتاجاً إلى تجنيد أعداد كبيرة من جنود الاحتياط من أجل تنفيذ عملياته؛ وهذا سيحرك في النهاية الرأي العام الإسرائيلي ضد سياسات الحكومة الإسرائيلية في مواجهة الشعب الفلسطيني؛ لأن المخاطر على حياة جنود جيش الاحتلال ستكون كبيرة جدا في مثل هذه الحالات .
2-يتوجب على حركات المقاومة محاولة سلب جيش الاحتلال زمام المبادرة، عبر فتح ساحات مواجهة جديدة؛ فمن الأهمية بمكان ألاّ يُترك للعدو أن يحدّد الساحة التي تتم فيها المواجهة العسكرية، وظروف هذه المواجهة؛ إذ إن فتح ساحات جديدة للمواجهة لا يتوقعها جيش الاحتلال – وخاصة في الضفة الغربية - ، يقلص قدرته على تطبيق الخطط التي بلورها .
3-من الأمور التي لا يمكن تفهمها على الإطلاق أن تعمل حركات المقاومة الفلسطينية حتى الآن بدون قيادة مشتركة تشرف على عملياتها. صحيح أن الأذرع العسكرية لحركات المقاومة قد أقامت غرف عمليات مشتركة في محافظات القطاع؛ لكن هذه الخطوة غير كافية لتنظيم عمل المقاومة وجهدها العسكري في مواجهة جيش الاحتلال؛ إذ إن كل فصيل فلسطيني لا يزال يعمل وحده في هذه المواجهة. وحتى هذه اللحظة يعمل كل فصيل تقريباً وفق رؤيته العسكرية الخاصة؛ الأمر الذي يؤدي إلى بعثرة جهد المقاومين. للأسف الشديد، إن إحدى الملاحظات التي أشار إليها قائد قوات جيش الاحتلال الذي قام بعمليات الاقتحام في شمال قطاع غزة هو عدم وجود قيادة موحدة لحركات المقاومة لإدارة المعركة؛ الأمر الذي سهّل على هذه القوات المسّ بهذا العدد الكبير من المقاومين. إن الخلافات السياسية والأيدلوجية بين الفصائل الفلسطينية لا يعني ألاّ تتوحّد أذرعها العسكرية في هذه المواجهة؛ لأن دولة الاحتلال تستهدف في هذه المواجهة المقاومين من جميع الحركات الفلسطينية. والذي يؤكد أهمية وجود قيادة موحدة للمقاومة هو حقيقة أن أنجح عمليات المقاومة التي نُفّذت ضد قوات الاحتلال، وأعمقها أثراً كانت بلا شك العمليات المشتركة التي ساهم في تنفيذها أكثر من فصيل، مثل عملية "الوهم المتبدّد"، التي شارك في تنفيذها ثلاثة من تشكيلات المقاومة. إلى جانب ذلك يتوجب أن يدرك المقاومون أهمية الانضباط العسكري، فقد لوحظ مؤخراً أن بعض المقاومين يتحركون إلى ساحة المواجهة دون الرجوع إلى قياداتهم العسكرية؛ وهذا خلل كبير يتوجب إصلاحه حالاً وإلى الأبد.
4-على حركات المقاومة أن تبقي دائماً على هامش للمناورة السياسية من أجل إنهاء المواجهة الحالية بتحقيق أكبر قدر ممكن من الإنجازات للشعب الفلسطيني، لاسيما على صعيد إطلاق سراح أسرى الحرية من سجون الاحتلال. وهامش المناورة السياسية هذا هام أيضاً من أجل حشد أكبر تأييد عربي ودولي للمطالب العادلة للمقاومة المشددة على ضرورة إطلاق سراح الأسرى من سجون الاحتلال.
إن المناورة السياسية ضرورة لعزل دولة الاحتلال وفضح مرامي وأهداف حملتها العسكرية القمعية ضد الشعب الفلسطيني، والتي لا تهدف إلى إطلاق سراح الجندي الأسير بقدر ما تهدف إلى تحقيق أهداف سياسية وإستراتيجية تتمثل في الدفع نحو إيجاد واقع سياسي فلسطيني يخدم مصالح دولة الاحتلال

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر