موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
المقاومة تطيح بالنظرية الأمنية الإسرائيلية

وسط حالة من الذهول والتيه وجد القائمون على دوائر صنع القرار في الدولة العبرية أنه بعد 58 عاماً على وجود هذه الدولة، فأن الأسس التي قامت عليها النظرية الأمنية الإسرائيلية قد تهاوت أثر المواجهة الأخيرة مع المقاومة الإسلامية في لبنان؛ مع أنه استناداً إلى هذه النظرية استطاعت دولة الاحتلال التغلب على الدول العربية في الحروب التي خاضتها ضدها. وحتى ندلل على تهاوي هذه النظرية، فأننا نذكر فقط الأسس الثلاثة الرئيسية التي تقوم عليها هذه النظرية والتي وضعها رئيس وزراء ووزير حرب إسرائيل الأول دفيد بن غوريون في العام 1948، ونبرهن في نفس الوقت كيف تآكلت هذه الأسس في نهاية الحرب الأخيرة.

أسس النظرية الأمنية الإسرائيلية:

1-   نقل المواجهة الى أرض العدو : منذ العام 1948 حرصت الدولة العبرية على نقل المعركة الى الأرض العربية، وذلك لتجنيب العمق المدني والجبهة الداخلية الصهيونية تأثير الحرب؛ ومضاعفة معاناة التجمعات المدنية العربية بسبب هذه الحرب. المنطق الذي كان فرض على صناع القرار في الدولة العبرية الحرص على ذلك هو إدراكهم هشاشة المجتمع الإسرائيلي وضعف قدرته على الصمود. لكن في هذه الحرب تهاوى هذا الأساس الهام، عندما استطاعت المقاومة الإسلامية تحويل العمق المدني والجبهة الداخلية الإسرائيلية إلى أحد ساحات المواجهة الرئيسية في الحرب وذلك عن طريق قصف المدن والتجمعات السكانية والمدنية في قلب الدولة العبرية، وهو ما حول اكثر من مليون ونصف المليون صهيوني الى لاجئين. وقد كان التأثير على العمق المدني الصهيوني كبير لدرجة دفعت الكثير من المعلقين الإستراتيجيين في الدولة العبرية الى التحذير من إمكانية حدوث فرار جماعي من الدولة العبرية بسبب عدم استعداد قطاعات واسعة من الجمهور الصهيوني لدفع ثمن الصمود في الحرب. وقد تجسد التأثير الكبير للحرب على الجبهة المدنية الداخلية الإسرائيلية في قيام دوائر الأمن الصهيونية بفرض حظر على نشر أي معلومات حول أعداد الإسرائيليين الكبيرة الذين توجهوا للسفارات المختلفة لطلب تأشيرات سفر لترك الدولة أثناء الحرب. صحيح أن العمق المدني اللبناني تعرض لأضعاف ما تعرض له العمق المدني الصهيوني، لكن الفرق هنا يكمن في إنعدام الإستعداد لدى معظم قطاعات المجتمع الصهيوني على تحمل تبعات الحرب؛ ولعل هذا الذي دفع الحكومة الصهيونية الى إتخاذ قرار غير مسبوق؛ عندما أمرت بإخلاء سكان جميع المستوطنات في شمال فلسطين. وكما بات واضحاً الآن، فأن أهم الاعتبارات التي دفعت رئيس الوزراء الصهيوني إيهود أولمرت ووزير حربه عمير بيريتس الي التحمس لوقف اطلاق النار هو التخوف من تداعيات تواصل الحرب على العمق المدني والجبهة الداخلية الإسرائيلية.

2-   الحرب الخاطفة: بخلاف ما هو عليه الحال في معظم دول العالم، فأن معظم الجهد الحربي لإسرائيل أثناء الحروب يقع على عاتق قوات الاحتياط وليس على القوات النظامية. من هنا فأن النظرية الأمنية الإسرائيلية تشدد على أنه يتوجب على الجيش الإسرائيلي أن يحسم المواجهة مع " العدو " ويحرز النصر بسرعة فائقة؛ على اعتبار أنه لا يمكن مواصلة الزج بقوات الاحتياط في ساحات المعارك لأمد طويل لأن هذا يعني شل الحياة في الدولة بما يؤثر سلباً على سير المعارك في النهاية. فجنود الاحتياط هم الاطباء والصناعيون والمهندسون والمعلمون وأصحاب المهن، الذين يعني بقاؤهم في المعارك وقتاً طويلا توقف مؤسسات الدولة عن تقديم الخدمات الأساسية. وفي الحرب الأخيرة تهاوى هذا الأساس رأساً على عقب. فقد أدرك صناع القرار في الدولة العبرية أنه بدون وقف اطلاق النار، فأن ذلك يعني أن الحرب ستتواصل الى عدة أشهر، الأمر الذي يعني توقف مؤسسات الدولة عن العمل. مع العلم أن هناك افتراض في إسرائيل يقول أنه كلما طالت المواجهة بين إسرائيل والمقاومة الإسلامية في لبنان، فأن هناك مخاوف من أن تتحول هذه المواجهة الى حرب إقليمية تضاعف من التأثير على العمق الداخلي المدني الإسرائيلي.

3-   إلحاق ضربة قاصمة بالعدو: أدرك صناع القرار في إسرائيل أن تقصير أمد المواجهة مع " العدو " العربي تتطلب من الجيش الإسرائيلي توجيه ضربة قاصمة ليس فقط للجيوش العربية، بل للعمق المدني العربي أيضاً، وإجبار الطرف العربي على الإستسلام، أو الموافقة على الشروط التي تضعها الدولة العبرية لوقف الحرب. ومن الأهمية بمكان التشديد هنا على أن توجيه ضربة قاصمة للعدو لا يوظف فقط من أجل تقصير أمد الحرب، بل وبشكل اساسي يهدف الى مراكمة الردع في مواجهة الأطراف العربية وإقناع أنظمة الحكم العربية أنه لا يمكن كسب مواجهة عسكرية مع إسرائيل. ودائماً ما يردد شمعون بيريس رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، و الوزير في حكومة أولمرت الحالية عبارته الشهيرة " العرب لم يوافقوا على عقد اتفاقيات تسوية معنا، إلا بعد أن يئسوا من إمكانية تحقيق مكاسب في الحروب ضدنا ". وفي الحرب الأخيرة وعلى الرغم من كثافة النيران التي استخدمتها إسرائيل ليس فقط ضد القوة العسكرية لحزب الله ومؤسساته، بل وضد المؤسسات المدنية والبنية التحتية للدولة اللبنانية، فأن إسرائيل فشلت فشلاً ذريعاً في اجبار المقاومة اللبنانية على الإستسلام والقبول بشروطها. بل على العكس، فإسرائيل هي التي تراجعت عن الشروط التي وضعتها لإنهاء الحرب. فقد توعد أولمرت عند بدء العمليات العسكرية، أنه لن يوقف الحرب إلا في حال تحقق شرطيين أساسيين: الإفراج عن الجنديين الأسيرين، وتفكيك حزب الله ونزع سلاحه. وهاهي الحرب تقف دون أن يحقق أولمرت اياً من هذين الشرطين.

قصارى القول أن هذه الحرب قد مثلت تهاوي النظرية الأمنية الصهيونية. قد حدث هذا في حرب بين إسرائيل وتنظيم من تنظيمات المقاومة العربية ذو إمكانيات مادية محدودة. الأمر الذي يعني أنه كان يفترض أن تتهاوى هذه النظرية في الحروب التي خاضتها إسرائيل ضد جيوش الدول العربية ذات الإمكانيات الكبيرة. لكن على كل الأحوال فأن ما حدث يمثل تطور بالغ الأهمية والخطورة يؤذن بنجاح العرب لأول مرة في نسف أسس النظرية الأمنية الإسرائيلية.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر