موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
الهزيمة تجبر أولمرت على دفن خطة " الانطواء

في لقائه بعدد من كبار حزبه " كاديما "، ، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت حازماً، فخطة " الإنطواء " إحادية الجانب، لم تعد مطروحة على جدول أعمال حكومته.وكما نقلت عنه وسائل الإعلام الإسرائيلية في هذا الإجتماع المغلق، فقد برر أولمرت قراره هذا بأن حكومته ستضع على رأس أولوياتها في المرحلة الحالية إعادة اعمار منطقة الجليل وشمال إسرائيل التي تضررت بسبب الحرب. وأضاف " ليس من الحكمة التفرغ لأي قضية مهما كانت مهمة، وترك عملية إعمار الشمال، هذا ما يتوقعه منا مواطنونا ". أقوال أولمرت هذه تأتي متناقضة تماماً مع التصريحات التي أدلى بها لأحدى الوكالات الأجنبية بعد اسبوع على بداية المعارك مع حزب الله، حيث قال في حينه إن انجازات الجيش الاسرائيلي في الحرب ستساعد على تطبيق الانطواء.

الفشل في الحرب قضى على " الانطواء "

الأمر الذي أجمع عليه خصوم أولمرت في اليسار واليمين عند اندلاع الحرب بين إسرائيل وحزب الله هو أنهم يجزمون أن هذه الحرب نشبت بفعل الخطوة إحادية الجانب التي قام بها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود براك عندما أمر بسحب الجيش من جنوب لبنان في العام 2000 بشكل أحادي الجانب وبدون تنسيق مع الحكومة اللبنانية. ويقول الجنرال عوزي ديان الرئيس الأسبق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي أنه كان بإمكان براك في حينه أن يضمن نزع سلاح حزب الله، أو على الأقل نزع مبررات وجوده وإستخدامه ضد إسرائيل لو أقدم على هذه الخطوة كجزء من تسوية مع الحكومة اللبنانية، وبثمن التنازل عن مزارع " شبعا ".  والآن وبعد إنتهاء الحرب وبعد فشل إسرائيل في حسم المعركة لصالحها، فأن الانتقادات للخطوات احادية الجانب أصبحت جارفة حتى داخل الحزب الحاكم " كاديما ". وزراء هامين في الحزب من أمثال وزير الأمن الداخلية افي ديختر ووزير الإسكان مئير شطريت، بالاضافة الى وزراء حركة شاس خرجوا ضد الخطة. شطريت الذي يقود المعارضة داخل " كاديما "، قال أن التشبث بخطة " الأنطواء " يعني عملياً فك إرتباط الحزب مع الجمهور الإسرائيلي بشكل عام. من المفارقة أن أولمرت بعيد انتخابه كرئيس للوزراء كان يدرك أنه من الصعب جداً عليه أن يطبق خطة " الأنطواء " إحادية الجانب في الضفة الغربية بسبب المعارضة العنيفة التي يبديها التيار الديني الصهيوني والمستوطنون، وتلويح القيادات الروحية في المستوطنات بالإضافة الى عدد من مرجعيات الإفتاء الهامة في الدولة العبرية بالدعوة الى عصيان مدني ضد الحكومة والى رفض الخدمة في الجيش احتجاجاً على تنفيذ " الإنطواء ". ومصدر المفارقة يكمن في أن أولمرت ظن أن إسرائيل ستحسم المعركة في مواجهة حزب الله بسرعة فائقة، ويكون التفوق الإسرائيلي حاسماً لدرجة تقلص المعارضة لخطة " فك الارتباط " في أوساط المعارضة اليمينية الجمهور الإسرائيلي. المنطق الذي استند اليه المعارضون لخطة " الإنطواء " لمضاعفة معارضتهم للخطة بعد الحرب يقوم على أنه في حال قامت إسرائيل بإخلاء مستوطنات في الضفة الغربية بشكل إحادي الجانب في الضفة الغربية، فأنه، سيحدث هناك ما حدث في جنوب لبنان، حيث ستتمركز في هذه المستوطنات حركات المقاومة الفلسطينية، بحيث تتحول إلى نقاط انطلاق لعمليات المقاومة ضد الأهداف الإسرائيلية سواء في الضفة الغربية أو داخل إسرائيل نفسها.

تأثير " فشل فك الارتباط " في غزة

بعد حوالي عام على تنفيذ خطة " فك الارتباط " في قطاع غزة، التي تعتبر أول خطة إحادية الجانب تقوم بها الدولة العبرية للتعاطي مع القضية الفلسطينية، فأن معظم الجمهور الإسرائيلي يعتبر أن حكومة رئيس الوزراء السابق ارئيل شارون ارتكبت خطأً كبيراً بتنفيذ هذه الخطة. وكما يقول المعلق السياسي في صحيفة " هارتس " عكيفا الدار فقد قدم كل من شارون وأولمرت الذي كان يشغل منصب القائم باعمال رئيس الحكومة هذه الخطة على اعتبار أن " الوصفة " التي ستحسن الأوضاع الأمنية في الدولة العبرية بشكل كبير. ويضيف إلدار فأن الجمهور الإسرائيلي لم يلمس منذ تنفيذ هذه الخطة إلا مزيد من التدهور في الأوضاع الأمنية. ويشير الجنرال تسفيكا فوجل الذي شغل منصب رئيس هيئة اركان قيادة المنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال سابقاً في مقابلة مع الإذاعة الإسرائيلية العامة باللغة العبرية أن المستوطنات التي أخليت خلال " فك الارتباط " تحولت الى معسكرات تدريب للمقاومين، و نقاط لاطلاق صواريخ " القسام " على المستوطنات اليهودية التي تحيط بقطاع غزة، الى جانب استغلال حركات المقاومة انسحاب الجيش من أجل تكثيف عمليات تهريب السلاح الى قطاع غزة. وقد دلت استطلاعات الرأي المتعاقبة أن الأغلبية الساحقة من الإسرائيليين يعتبرون أن " فك الارتباط " في قطاع غزة أدى الى حدوث مزيد من التدهور في أوضاع إسرائيل الأمنية.

حكومة بدون برنامج سياسي

من المعروف أن حزب " كاديما "حصل على العدد الأكبر من المقاعد في البرلمان الحالي بناء على برنامج سياسي يقوم فقط على خطة " الإنطواء ". أولمرت ووزير قضائه حاييم رامون الذي سيعلن غداً استقالته من الحكومة بسبب شبهات بقيامه بالتحرش جنسياً بإحدى المجندات، بررا تحمسهما لخطة " الإنطواء "، بأنه لا يوجد في الجانب الفلسطيني طرف يمكن أن يكون شريكاً لإسرائيل في تسوية سياسية، وبالتالي يتوجب على إسرائيل أن تقوم بالإنفصال عن الفلسطينيين بشكل إحادي الجانب، وبصورة تضمن تحقيق مصالحها الإستراتيجية. بعد تردد، اقتنعت الإدارة الأمريكية بالخطة، وأصبحت تلعب دوراً في تسويقها للعالم، سيما للدول العربية. والآن بقرار أولمرت شطب الخطة من جدول أعماله، فأن حكومته ستكون الحكومة الإسرائيلية الأولى منذ العام 1977 التي تحكم بدون برنامج سياسي يتعلق بحل النزاع مع العالم العربي. والسؤال الذي يطرح في إسرائيل حالياً ليس فقط حول كيفية مواصلة حكومة أولمرت ادارة علاقاتها الخارجية بدون خطة " الانطواء "، لكن كيف سترد الإدارة الأمريكية على قرار أولمرت.

" الأنطواء " في سطور

تنص خطة " الانطواء " على اضفاء الشرعية على ضم معظم المستوطنات اليهودية التي أقيمت بعد العام 1967، والتي تنتظم فيما يعرف بالتجمعات الاستيطانية الكبرى رسمياً للدولة العبرية، واسدال الستار على أي فرصة للتباحث حولها في أي تسوية سياسية مستقبلية. الى جانب ضم منطقة " غور الأردن " التي تمثل حوالي 25% من مساحة الضفة الغربية، وضم المناطق التي تحتوي على مصادر المياه العذبة، سيما في جنوب الضفة الغربية، الى جانب استكمال تهويد القدس المحتلة ومضاعفة مساحتها عبر ربطها بالمستوطنات اليهودية المجاورة، سيما مستوطنة " معاليه أدوميم " التي تعتبر أكبر مستوطنة في الضفة الغربية. وفي نفس الوقت اخلاء بضع عشرات من المستوطنات النائية وتسليمها للفلسطينيين.

وبنظرة بسيطة يتضح من هذه الخطة أنها تصلح كآلية لتصفية القضية الفلسطينية، لكنها تجابه بالرفض من اليمين لأنها تتضمن اخلاء بعض المستوطنات، ومن اليسار لأنها تتم بشكل احادي الجانب وليست نتاج تسوية ثنائية.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر