موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
حماس.......حتى لا تنسف الحكومة رصيد المقاومة

المضحك المبكي أنه في الوقت الذي تخضع فيه الضفة الغربية للاحتلال الإسرائيلي المباشر، ويرزح قطاع غزة تحت حصار شامل لا يستطيع معه حتى رئيس الوزراء إسماعيل هنية تجاوز الحدود، ينشغل الساسة وقادة التنظيمات الفلسطينية في البحث في تشكيل ما يسمونه ب " حكومة الوحدة الوطنية "، وكأن هناك ثمة حكومة تمارس صلاحياتها في سلطة تتمتع حتى بالحد الأدنى من معالم السيادة الوطنية. أي حكومة تلك التي يعتقل وزراؤها ونوابها ويزج بهم في غياهب السجون ليتحولوا الى أوراق للمساومة في أيدي العدو ؟؟، وأي سلطة وطنية هذه التي يسلم العالم بإجتياح الجيش الإسرائيلي لمدنها وبلداتها وقراها، فيقتل ويجرح ويأسر ويدمر ويجرف ما يشاء، وكأن هذا حق مكفول له ؟. لقد ساهمت السلطة الفلسطينية منذ تأسيسها في العام 1994 وحكوماتها الوهمية في تمكين إسرائيل في لعب دور " الإحتلال النظيف "، فهذه الحكومات الكرتونية أخذت على عاتقها القيام بكل الواجبات التي يفرضها القانون الدولي على كل دولة احتلال من اطعام وإغاثة وتشغيل لإبناء الشعب الذي يرزح تحت الاحتلال، وذلك عن طريق استجداء دول الشرق والغرب لتدفع للفلسطينيين من فتاتها ولتفرض على السلطة وحكوماتها الإملاءات. وبعد أن تخلصت إسرائيل من كل مسؤوليات الإحتلال وتبعاته المادية، واصلت التمتع بمزاياه الأمنية عن طريق مواصلة استباحة مناطق السلطة الفلسطينية وزيادة سقف القمع للشعب الفلسطيني وحركاته المقاومة، فالجرائم التي لم تحلم دولة الاحتلال بإرتكابها عندما كانت تمارس الاحتلال المباشر للضفة الغربية وقطاع غزة، أصبحت تمارسها بكل سهولة وبشكل يومي بعد تشكيل سلطة الوهم الفلسطينية.

حل السلطة: هو الحل

أن أبسط متطلبات إدارة الأزمة في مواجهة دولة الاحتلال أصبحت تقتضي التخلص من النظام السياسي الفلسطيني المشوه الذي ولد بعد التوقيع على اتفاقيات أوسلو.وأهم مقتضيات صياغة نظام سياسي جديد يفرض حل السلطة الفلسطينية نفسها، ورمي الكرة مرة ثانية في ملعب الدولة العبرية، بحيث تتحمل واجباتها كدولة احتلال، فلا يمكن أن يبقى الفلسطينيون أسرى في السجن الكبير التي يطلق عليها السلطة الفلسطينية، ولتسمى الأشياء بأسمائها الحقيقية، فالفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة تحت الاحتلال، وعليهم أن يجبروا العالم على التعامل معهم وفق ذلك من خلال حل السلطة، وعلى الساسة وقادة الفصائل أن يتوقفوا عن لعب دور في حفلة التزوير هذه عندما يواصلون الحديث عن تشكيل حكومة وحدة وطنية وغير ذلك من مسميات لا تسمن ولا تغني من جوع مادامت ستواصل مثل سابقاتها تحمل الأعباء التي يتوجب على دولة الاحتلال تحملها. فحل السلطة لا يسهم فقط في إعفاء الفلسطينيين من تولي دفع استحقاقات الاحتلال بدلاً عن إسرائيل، بل أنه يعيد للمقاومة ضد الاحتلال شرعيتها الدولية، بعد أن تحول مجرد وجود السلطة بحد ذاته في نظر العالم إلى هدف يتوجب على الفلسطينيين أن يضحوا من أجله بمقاومتهم ضد الاحتلال الجاثم على صدورهم.

حماس والخروج من عنق الزجاجة

أن كان حل السلطة هو أمر بالغ الأهمية للشعب الفلسطيني وفصائله وقواه، فأنه أكثر أهمية لحركة حماس التي تشكل الحكومة الفلسطينية الحالية. فحماس ارتكبت خطأً كبيراً عندما اعتقدت أنه بالإمكان الجمع بين الحكم والمقاومة؛ لأن مقتضيات الحكم في الواقع الفلسطيني الحالي تتناقض مع متطلبات المقاومة كما اسلفنا. فحماس تريد مواصلة المقاومة وإدارة شؤون حكومة تعتمد في توفير خدماتها للجمهور الفلسطيني على مساعدات دول لا ترفض فقط شرعية المقاومة، بل أنها تعتبر حركة حماس  حركة " إرهابية ". في نفس الوقت فأن مواصلة عمليات المقاومة من قبل حركة حماس خلال إدارتها للحكومة يتيح لإسرائيل زيادة الأهداف التي بالإمكان ضربها رداً على هذه العمليات، سواء ضد حماس بشكل مباشر، أو ضد الجمهور الفلسطنيي في محاولة لإقناعه أن هذه العمليات لا تزيد أموره إلا تعقيداً، كما حدث في اعقاب عملية " الوهم المتبدد " النوعية، التي ردت عليها إسرائيل بإعتقال الوزراء والنواب وتدمير المنازل واغلاق الحدود والمعابر. ويمكن للمرء أن يجزم أنه لو تمت هذه العملية وحماس لم تكن حماس في الحكم لما أقدمت الدولة العبرية على كل هذه الممارسات، فصناع القرار في الدولة العبرية يؤكدون علانية أنهم يرون أن وجود حماس في الحكم يساعدهم على تكثيف الضغط عليها وعلى الجمهور الفلسطيني. في نفس الوقت فأن سيطرة حماس على الحكومة في ظل الحصار الخانق وتوقف المساعدات الدولية يؤذن بتهاوي شعبية الحركة بشكل غير مسبوق. فقد بات واضحاً أن إنهيار نظام الخدمات في مناطق السلطة الفلسطينية أصبح مسألة وقت بسبب عدم تلقي الموظفين رواتبهم، وعدم تمتع الوزارات بالموازنات التشغيلية التي تضمن مواصلة اداء مهامها. أن مطالبة الفلسطينيين بالصبر وتحمل هذه الظروف، إلى جانب أنه غير مجدي ولن يمنع مظاهر الاحتجاج ضد الحكومة، فأنه غير مبرر، فهل بقاء حماس في الحكومة يستحق المخاطرة برصيد الحركة الجماهيري الذي راكمته خلال جهادها ضد الاحتلال. أن تلويح رئيس الوزراء الفلسطيني اسماعيل هنية بإمكانية حل السلطة يجب أن يكون عملياً، وأن تسعى حماس للدفع بإتجاهه عبر التنسيق مع بقية الفصائل الفلسطينية، بحيث لا ينجم عن حل السلطة فراغ يفاقم من ظاهرة الفلتان الأمني ويمس بالسلم المجتمعي. لن يكون بإمكان حماس وحدها حل السلطة، سيما وأن الرئيس الفلسطيني وقطاعات داخل حركة فتح يعارضون بشدة هذه الفكرة، الأمر الذي يعني أن هناك احتمال ألا يتم تحقيق هذه الفكرة. وعلى كل الأحوال سواء تم حل السلطة أم لا، فأنه يتوجب على حماس التخلص من ورطة الحكومة بكل السبل الممكنة، سواء عن طريق تشكيل حكوة تكنوقراط، أو حكومة لا يشارك فيها رموز حماس من امثال هنية والزهار وصيام، بل تترك المشاركة فيها لقيادات الصف الثاني في الحركة.

 

 

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر