موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
الإسرائيليون يفوضون اليمين " تأديب " العرب

ما تنفك إسرائيل الجريحة ومجتمعها الذي يعصف به التيه عن إجراء عملية حساب نفس كبيرة، لكنها مضطربة بعد الفشل العسكري الكبير الذي منيت به في الحرب الأخيرة مع المقاومة اللبنانية. الإحساس الجماعي بالمهانة والدونية، الذي يعتري الصهاينة، وشعور النخب في الدولة العبرية بتهاوي قوة الردع الإسرائيلية في مواجهة العرب بشكل لم يسبق له مثيل بعد هذه الحرب جعل جل تركيز الإسرائيليين ينصب حول كيفية اعادة ترميم هذه القوة، ومحاولة رد الصاع صاعين للعرب. القائمون على دوائر صنع القرار في الدولة العبرية كما هو الحال بالنسبة لرجل الشارع الإسرائيلي يعتقدون أن عجز آلة الحرب الإسرائيلية عن حسم المواجهة عسكرياً واضطرار حكومة ايهود أولمرت الى وقف العمليات العسكرية دون تحقيق أي من الأهداف التي اعلنتها للحرب؛ سيؤدي الى دفع العرب الى التجرؤ على إسرائيل واستسهال التحرش والمس بها عسكرياً. لذا فأن الاستنتاج الذي لا خلاف حوله بين معظم الإسرائيليين هو ضرورة الاستعداد للحرب القادمة، وتوفير كل الإمكانيات التي تلزم لحسمها بسرعة وذلك " للسع الوعي الجمعي للعرب "، كما يقول رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق موشيه يعلون.

يتجهون بقوة نحو اليمين المتطرف

تدل استطلاعات الرأي العام المتواترة على أن الأغلبية الساحقة من الإسرائيليين تعتبر أن أحد أهم الأسباب وراء خسارة كيانهم الحرب الأخيرة هو ضعف قيادتهم السياسية، وعجز إئتلاف يمين الوسط الحاكم الذي يعتمد بشكل أساسي على حزبي " كاديما " و " العمل " عن إدارة المعركة. وعلى الرغم من أن عدداً من وزراء هذين الحزبين في الحكومة وكذلك نوابهم في الكنيست هم من الجنرالات الذين كان لهم باع طويل في ارتكاب جرائم الحرب ضد العرب والفلسطينيين، إلا أن نتيجة الحرب تدفع الإسرائيليين للاعتقاد أن أي حكومة تتشكل في المستقبل من هذين الحزبين لن تستطيع قيادة حرب حاسمة في مواجهة العرب. من هنا نجد أن الإسرائيليين يتجهون لإعطاء أحزاب اليمين المتطرف في الدولة العبرية الفرصة لتولي الحكم. وكما تفيد استطلاعات الرأي العام، فأنه لو أجريت الانتخابات حالياً فأن إئتلافاً يتكون من حزب الليكود ومن هم على يمينه من الأحزاب اليمينية المتطرفة سيشكل الحكومة القادمة. واللافت للنظر أن الإسرائيليين وفي سعيهم لاستعادة هيبتهم، فأنهم مستعدون للتغاضي عن كل عيوب قادة اليمين المتطرف، سيما زعيم الليكود بنيامين نتنياهو، الذي سبق له أن تولى رئاسة الوزراء في الفترة بين 1996 و1999 وفشل فشلاً ذريعاً في إدارة شؤون الدولة، الى جانب تفجر العديد من قضايا الفساد في عهده، وإجماع الطبقة السياسية في ذلك الوقت على أنه غير أهل لقيادة الدولة. لكن الإسرائيليين الذين يبحثون عمن يعيد لهم قوة ردعهم، استهوتهم تصريحات نتنياهو خلال الحرب وبعدها والتي أكد فيها أن السبب وراء ما لحق بالدولة من عجز وفشل عسكري يرجع الى تعلق الطبقة الحاكمة بخيارات التسوية السياسية مع العرب، وأنه لا مجال للتعامل مع العرب إلا من خلال الحسم العسكري. ووصل الأمر بنتنياهو إلى حد تعهده للإسرائيليين بأن يعمل على " تأديب العرب وتلقينهم درساً لن ينسوه " في حال عاد للحكم.

 صدام حضارات

الأمر المثير جداً في الجدل الدائر في الأوساط السياسية والفكرية في الدولة العبرية بعد الحرب هو تزايد الأصوات التي تعتبر أن المواجهة بين إسرائيل والعالم العربي هي مواجهة أبدية لأنها جزء من " صدام الحضارات " بين العرب الذين يمثلون الحضارة الإسلامية وإسرائيل التي تمثل الحضارة الغربية. وهنا يبزغ نجم نتنياهو في التنظير لهذه المنطلقات. وحسب نتنياهو، فأن الصراع بين إسرائيل والعرب لم ينشأ بسبب احتلال الدولة العبرية للأراضي العربية، بل أن هذا الصراع – حسب زعم نتنياهو – يشتعل لعدم تسليم المسلمين والعرب بوجود إسرائيل " كممثلة للحضارة الغربية في الشرق الأوسط "، كما كرر ذلك في معظم المقابلات التي أجريته معه بعد نشوب الحرب بين حزب الله وإسرائيل. ويضيف نتنياهو  " بدلاً من إضاعة الوقت في البحث عن صيغ تسويات سلام مضللة، فأنه يتوجب العمل دوماً على مراكمة الردع والقوة في مواجهة دول العالم العربي والإسلامي، من أجل اقناعها أنه لا يمكن قهر وهزيمة الغرب ". واعتبر نتنياهو أن دعم الولايات المتحدة والغرب لإسرائيل "ليس منة " بل هو استحقاق يفرضه الدور الذي تقوم به اسرائيل في مواجهة العالم العربي. ويهاجم نتنياهو الساسة الإسرائيليين الذين يصفهم ب " الإغرار " الذي يبدون استعدادهم للتنازل عما يعتبره مناطق تشكل " ذخر استراتيجي " لإسرائيل من اجل " السلام القاتل " مع العرب. ويصل والد نتنياهو المؤرخ التسعيني بنتسيون نتنياهو المؤرخ المعروف بتوجهاته المتطرفة الى نفس استنتاجات إبنه ويدعو دوائر صنع القرار في الدولة العبرية الى عدم اغماد سيف الدولة الذي يرى أنه يتوجب أن يظل مسلطاً للدفاع عن الدولة ووجودها في حرب الحضارات التي يرى نهايتها فقط بيأس المسلمين " المتخلفين " في حسم المواجهة مع الغرب المتنور. ويضيف نتنياهو الأب الذي اشتهر بدارسة تاريخ اليهود في أسبانيا في القرنين الخامس والسادس عشر أن قرار شن الحرب ليس بيد إسرائيل، على اعتبار أن جميع حروب اسرائيل حتى تلك التي بادرت تل ابيب لشنها هي في الحقيقة حروب دفاعية، زاعماً أن الدولة العبرية شنتها فقط بعد أن أدركت أنها حرب لا مفر منها من أجل ردع " الوحش المسلم  المتربص بالدولة والذي يتحين الفرصة للانقضاض عليها ". ويعود نتنياهو الأب الى معلمه زئيف جابوتنسكي أبو المدرسة الصهيونية التصحيحية ومؤسس حركة " حيروت "، النواة التي انطلق منها حزب الليكود، وينصح باعتماد نظرية الجدار الحديدي في مواجهة العرب والمسملين. وهذه النظرية تقوم على منطق يقول أنه لا يمكن للدولة العبرية أن تجبر العرب على التسليم بوجودها إلا في حال بنت حولها " جدار قوة ناري " يردعهم عن شن الحرب. من ناحيته يرى صديق نتنياهو الدكتور عوزي عراد مدير مركز " هرتسليا متعدد الاتجاهات "، أهم مركز أبحاث في إسرائيل، والذي سبق له أن رأس مركز الابحاث الخاص بجهاز الموساد لعدة سنوات أن حرب الحضارات تفرض على إسرائيل أن تقنع العالم الغربي ببناء حلف معها يقوم على أساس مواجهة " الغول الإسلامي ". و ينصح عراد بأن تعتمد إسرائيل في بناء استراتيجيتها المستقبلية على ما تنبأ بها المؤرخ الأمريكي اليهودي برنارد لويس أحد المتحمسين لفكرة " صدام الحضارات "، معتبراً أن تواصل الدولة العبرية العيش في المنطقة بناء على التسويات السياسية مهما كانت سيكون مستحيلاً، لأن هذه التسويات – حسب عراد – كانت بين اسرائيل وأنظمة الحكم العربية، في الوقت الذي لم تسلم الشعوب العربية بوجود إسرائيل. ويشير عراد الى ما يحدث في مصر، مشدداً على أنه على الرغم من ان مصر كانت أول دولة عربية توقع على معاهدة سلام مع إسرائيل، إلا أن شعبها هو الشعب الذي يكمن أكبر قدر من  العداء تجاه الدولة العبرية ".

قصارى القول أن إسرائيل الجريحة تتجه نحو مزيد من الإنغلاق والانعزالية والتطرف استعداداً للمنازلة القادمة….. فماذا عسى العرب أن يعملوا ؟؟؟؟؟؟؟

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر