موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
لماذا عاد " اولمرت ل" خارطة الطريق " ؟

ليس من قبيل الصدفة أن يفاجئ رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت العالم بإعلان عودته للتمسك بخطة " خارطة الطريق " لحل الصراع بين الشعب الفلسطيني ودولة الاحتلال، كما جاء في المؤتمر الصحافي الذي عقده مساء السبت الماضي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي توني بلير. مع العلم أن أولمرت هو الذي دفن هذه الخطة عندما أعلن عشية الانتخابات البرلمانية الأخيرة في الدولة العبرية أنه لا مجال لحل الصراع مع الشعب الفلسطيني عبر تسويات ثنائية، على إعتبار أنه لم يعد لإسرائيل شريك فلسطيني في مثل هذه التسويات بعد صعود حركة حماس وتوليها الحكم في السلطة الفلسطينية. واعتبر أولمرت في حينه أن الخيار الوحيد المتاح أمام إسرائيل للتعاطي مع القضية الفلسطينية هو الخطوات أحادية الجانب، متمثلة في خطة " الإنطواء " في الضفة الغربية الهادفة الى ضمان مصالح الإسرائيلي الاستراتيجية في الضفة الغربية عبر اعادة انتشار قوات الاحتلال من جانب واحد. لكن في أعقاب فشل خطة " فك الارتباط " في قطاع غزة في منع تواصل عمليات المقاومة المنطلقة من القطاع، وبفعل الانتقادات الموجهة لأدائه خلال الحرب الأخيرة، أدرك أولمرت أنه لا يوجد أدنى أمل أن ينجح في اقناع الشارع الإسرائيلي بتأييد خطة " الإنطواء "، فأعلن سحب هذه الخطة من أجندة حكومته، وبذلك أصبحت حكومته أول حكومة إسرائيلية تواصل الحكم بدون برنامج سياسي. من هنا عاد أولمرت لإدعاء التزامه بخطة " خارطة الطريق ". ونحن هنا سنتعرض للأسباب التي حدت به الى الإقدام على هذه الخطوة:

1-   شدد أولمرت على أنه سيصر على التدرج في تطبيق " خارطة الطريق "، مدعياً أن البند الأول من الخطة ينص بوضوح على وجوب أن تقوم السلطة الفلسطينية بتفكيك حركات المقاومة العاملة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وإخراج كل تنظيم فلسطيني يدعو لمقاومة الاحتلال من إطار القانون الفلسطيني، ناهيك عن قيام الأجهزة الأمنية الفلسطينية بسحب الأسلحة من حركات المقاومة. والى جانب ذلك تتولى السلطة الفلسطينية محاربة كل أشكال " التحريض " ضد إسرائيل في وسائل الاعلام والمساجد والمناهج التعليمية الفلسطينية. ولا مجال هنا للحديث عن التعريف الإسرائيلي للتحريض، حيث تعتبر الحكومة الإسرائيلية أن تدريس  خارطة فلسطين للطلاب الفلسطينيين في مادة الجغرافيا ، يعد تحريضاً " فظاً ". بالطبع يدرك أولمرت أنه لا يمكن أن تقوم أكثر الحكومات الفلسطينينة تهاوناً وتفريطاً بالحق الفلسطيني بأداء هذه الاستحقاقات، فما بالك عندما يدور الحديث عن حكومة تشكلها حركة حماس بأجندتها الوطنية المعروفة. ومن خلال طرح هذه الاشتراطات التعجيزية يريد أولمرت الإثبات للعالم أن الجانب الفلسطيني لا يقوم بالاستحقاقات التي تفرضها " خارطة الطريق "، ليبرر عدم قيام إسرائيل بالاستحقاقات المترتبة عليها وفق البنود التالية في الخطة التي تنص على إزالة المواقع الإستيطانية العشوائية التي أقامها المستوطنون بدون إذن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة. اللافت للنظر هو أن كلاً من الولايات المتحدة وبريطانيا على الأقل يؤيدان تفسير أولمرت لخطة " خارطة الطريق "، بمعنى انهما يعلبان دوراً أساسياً في عملية التضليل التي تمارسها الحكومة الإسرائيلية بقيادة أولمرت. وأن كان هناك ثمة أحد في العالم معني بالوقوف على حقيقة النوايا الإسرائيلية، فليستمع الى التصريحات التي أدلها بها القائم بأعمال رئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون بيريس لإذاعة الجيش الإسرائيلي الأحد الماضي والتي قال فيها أن إسرائيل لن تقوم بتفكيك أي مستوطنة في العقد القريب على الأقل بسبب معارضة الجمهور الإسرائيلي لتفكيك المستوطنات. ليس هذا فحسب، بل أن بيرس الحائز على جائزة نوبل للسلام يقول بالحرف الواحد أنه لم يعد يؤمن بالوسائل السياسية للتسوية، زاعماً أن المسار الإقتصادي يمكن أن يكون البديل عن المسار السياسي، معتبراً أن مجرد أن يقوم العالم بتمويل اقامة مشاريع اقتصادية في الضفة الغربية وقطاع غزة فأن هذا سيكون كفيلاً بأن يقنع الفلسطينيين بعدم التشدد في مطالبهم بإزالة المستوطنات واستعادة الأراضي التي احتلت.

2-   يهدف أولمرت من خلال إعلان تمسكه بخارطة الطريق إلى التغطية على الأنشطة الاستيطانية في الضفة الغربية والمشاريع التهويدية الكبيرة التي تستهدف القدس والتي صادقت عليها حكومته تحت سمع وبصر العالم. فقد صادقت حكومة حكومة اولمرت مؤخراً على بناء مئات الوحدات السكنية في محيط القدس المحتلة ضمن خطة شاملة لإستكمال تهويد المدينة. ليس هذا فحسب، بل أن قيادة المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي أعلنت مؤخراً أنها لن تقوم بإزالة أي من البؤر الاستيطانية التي أقامها غلاة المستوطنين في أرجاء الضفة الغربية بدون إذن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.

3-   يسعى أولمرت من خلال خطة " خارطة الطريق " الى نقل التناقضات للساحة الفلسطينية الداخلية، عبر إثارة الجدل بين الفصائل الفلسطينية حول خيار المقاومة. ومن المؤكد أن يترافق ذلك بضغوط تفرضها الأطراف الدولية والأقليمية على الفرقاء في الساحة الفلسطينية لإجبارها على التوافق مع التفسير الإسرائيلي لخارطة الطريق. وستستغل هذه الأطراف الواقع الإقتصادي بالغ القسوة الذي يحياه الناس في الضفة الغربية وقطاع غزة في محاولاتها إحداث اختراقات في الموقف الفلسطيني، أو على الأقل زيادة حدة الخلافات بين الفلسطينيين.

أن الهجمة الإستيطانية التي تتعرض لها الضفة الغربية بالإضافة الى مناورة أولمرت الأخيرة تفرض على كل المؤسسات الفلسطينية: حكومة ورئاسة وفصائل الإرتقاء لمستوى التحدي عبر الاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية تقوم على أساس التصدي للممارسات الإسرائيلية وفضحها، ورفض ابداء أي قدر من التوافق مع اشتراطات اولمرت.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر