موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
أولمرت بين جنة حكومة الوحدة ونارها

يسود الموقف الإسرائيلي من توجه الفصائل الفلسطينية لتشكيل حكومة وحدة وطنية حالة من الإرتباك والتردد. فمن ناحية اقتبست وسائل الاعلام الإسرائيلية العديد من مساعدي رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت الذين أبدوا ترحيباً حذراً بالتوجه لتشكيل هذه الحكومة، ومن ناحية ثانية تقوم وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيفي ليفني بتحريض دول العالم على عدم التعاطي مع هذه الحكومة على اعتبار أنها " نسخة معدلة عن حكومة حماس الحالية "، على حد وصفها. وكما يقول الصحافي الإسرائيلي داني روبنشطاين، معلق الشؤون العربية في صحيفة الصفوة " هآرتس "، فأن السبب وراء هذا التردد والارتباك يكمن في حقيقة ادراك أولمرت أن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية سيساعد على إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شليط، على إعتبار أن تشكيل هذه الحكومة سيسمح لكل من الرئيس الفلسطيني محمود عباس والأطراف الأقليمية والدولية ممارسة ضغوط على تشكيلات المقاومة التي تأسر الجندي، وعلى رأسها حركة حماس، لإبداء مواقف أكثر مرونة ازاء اطلاق سراحه. وحسب روبنشطاين الذي  كان يتحدث صباح اليوم مع القناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيلي، ويتفق معه العديد من المعلقين في الدولة العبرية، فأن المنطق الذي يستند اليه مقربو أولمرت يقول أن رغبة حركة حماس في رفع الحصار عن الشعب الفلسطيني وموافقة الأطراف الدولية على استئناف الاتصالات مع حكومة الوحدة، يجعلها تبدي مرونة كبيرة إزاء سقف الشروط التي تضعها لإطلاق سراح شليط. وكما يقول المعلق السياسي البارز عكيفا الدار، فأن أولمرت لا يرى في اطلاق سراح شليط والجنديين الذين يأسرهما حزب الله مجرد قيام الدولة العبرية بأداء التزاماتها تجاه جنودها الأسرى، بل أن أولمرت يرى في نجاحه في إطلاق سراح الجنود الأسرى الفرصة الوحيدة لإنقاذ مستقبله السياسي، في ظل الحملة غير المسبوقة التي تشن من أجل اجباره على الاستقالة بسبب فشله في إدارة الحرب ضد حزب الله. ويضيف الدار الذي كان يتحدث مع الإذاعة العبرية صباح اليوم أن أولمرت يدرك أن مزاج الشارع الإسرائيلي سيتغير بشكل ايجابي تجاهه في حال تم اطلاق سراح الأسرى، من هنا كانت الإشارات الكثيرة التي ابدى فيها مقربو أولمرت مرونة لاغلاق ملف أسر شليط، ولو بالتوصل لصفقة تبادل اسرى يتم فيها اطلاق عدد كبير نسبياً من الأسرى الفلسطينيين. ويرى مقربو أولمرت أن مواصلة حكومة حماس الحالية وبنفس التركيبة سيعقد الأمور، وسيضفي مزيداً من التطرف على الموقف الفلسطيني.

حكومة الوحدة " تفضح إسرائيل "

لكن على الرغم من حاجة أولمرت لصفقة تبادل أسرى لانقاذ مستقبله السياسي، سيما بعد المظاهرة الضخمة التي شارك فيها عشرات الآلاف من الإسرائيليين مؤخراً في تل ابيب لمطالبة الحكومة بتقديم كل التنازلات من أجل ضمان الإفراج عن الجنود الأسرى، مع كل ذلك، فأن الحكومة الإسرائيلية تدرك أن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية وتحديداً برنامجها السياسي الذي يستند الى وثيقة "الوفاق الوطني " سيقلص هامش المناورة أمام حكومة اولمرت في الساحة الدولية، ويكشف مدى عدم جاهزيتها للتسوية السياسية. وكما يقول الكاتب والدبلوماسي السابق جدعون سامت، فأن " الواقعية " الذي يمتاز بها البرنامج السياسي لحكومة الوحدة الوطنية كما يتبلور حالياً سيكشف للكثير من الأطراف، سيما في أوروبا أن المشكلة تكمن في الموقف الإسرائيلي. ويضيف سامت في مقابلة مع القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي أن مزاعم أولمرت بأنه عاد الى خطة " خارطة الطريق "، سرعان ما يتبين أنها لا تستند الى اساس، حيث أن كل مراقب خارجي سيدرك أن حكومة اولمرت الحالية غير قادرة على التوجه لعملية سياسية مع الفلسطينيين. وتساءل سامت " أن كانت حكومة أولمرت عاجزة عن تنفيذ خطة " الانطواء " في الضفة الغربية التي تضم لإسرائيل اكثر من 60% من مساحة الضفة، فكيف ستنفذ خطة " خارطة الطريق " التي من المفترض أن تؤدي الى قيام دولة فلسطينية على أكثر من 90% من مساحة الضفة ". ويرى حنان كريستال المعلق للشؤون الحزبية في القناة الأولى في التلفزيون الإسرائيلي أن حكومة أولمرت تريد حكومة الوحدة الوطنية في السلطة لكي يتم اطلاق سراح شليط، وبعد ذلك فأن وجود هذه الحكومة يمثل عبءاً على كاهل اسرائيل. وعن أسباب الخوف من تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، فقد نقلت الإذاعة الإسرائيلية باللغة العبرية صباح اليوم الجمعة عن مصادر في وزارة الخارجية الإسرائيلية قولها أن تشكيل هذه الحكومة قد يؤدي الى زوال المقاطعة التي تفرضها دول الاتحاد الأوروبي على السلطة وعلى الحكومة الفلسطينية، وقد يؤدي الى اجراء اتصالات مع بين اوروبا وحركة حماس. واعربت المصادر عن خشيتها بأن تعتبر الكثير من الدول التي قاطعت الحكومة الفلسطينية بعد صعود حركة حماس بأن مسوغات المقاطعة بعد تشكيل حكومة الوحدة لم تعد قائمة.

حملة مضادة

الحكومة الإسرائيلية لجأت الى الإدارة الأمريكية لكي تمارس ضغوطاً على دول اوروبا واليابان وحتى بعض الدول العربية من اجل عدم رفع الحصار عن السلطة، كما كشفت عن ذلك قناة التلفزة الإسرائيلية الليلة الماضية. وحسب القناة، فأن وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيفي ليفني اتفقت مع وزيرة الخارجية الأمركية كوندليزا رايس خلال لقائهما مؤخراً في نيويورك، على لفت نظر الدول الاوروبية وبعض الدول العربية بأنه يتوجب عليها الضغط على الفصائل الفلسطينية بأن تعمل على تضمين برنامج حكومة الوحدة  نصاً واضحاً لا لبس فيه حول الاعتراف بإسرائيل وبالاتفاقيات معها، الى جانب ضرورة عدم تكليف اسماعيل هنية القيادي في حماس بمواصلة رئاسة الحكومة. والمفارقة التي تشير اليها القناة أن أول من استجاب لبعض مطالب امريكا واسرائيل كانت بعض الدول العربية، التي ابدت تحفظات على اعادة تكليف هنية بتشكيل حكومة الوحدة الوطنية

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر