موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
إسرائيل: نزع الشرعية عن فلسطينيي 48

تشن إسرائيل حالياً حرباً شعواء غير مسبوقة على قادة فلسطينيي 48، تمهيداً لنزع الشرعية عن مشاركتهم في الحياة السياسية، وتهيئة الأجواء لسن مزيد من القوانين العنصرية التي تضيق على أكثر من مليون فلسطيني استطاعوا الثبات على أراضي فلسطينيي 48، رغم بشاعة الإجراءات الإجرامية التي استخدمت ضدهم على مدى عقود لإجبارهم على مغادرة أرض آبائهم وأجدادهم. وكما كانت دائماً، فأن الذريعة التي تستند إليها بعض النخب الحاكمة والأمنية والإعلامية الصهيونية لتسويغ هجمتها العنصرية على قادة فلسطينيي 48، هو رفضهم التخلي عن المضامين الدينية الإسلامية والقومية والثقافية لهويتهم الوطنية. فقد قامت الدنيا ولم تقعد مؤخراً عندما نظمت الحركة الإسلامية داخل فلسطين 48 بقيادة الشيخ رائد صلاح مهرجانها السنوي " الأقصى في الخطر "، والذي حضره عشرات الآلاف من فلسطينيي 48، والذي غدا مناسبة يشدد فيها هؤلاء الفلسطينيين على عمق ارتباطهم بدينهم ووطنهم وأمتهم، ويدقوا خلاله ناقوس الخطر إزاء المحاولات الصهيونية الحثيثة للمس بالمسجد الأقصى. و لم يبخل قادة الدولة العبرية وجنرالاتها وكبار كتابها في كيل الأوصاف للشيخ صلاح الذي وصفه بعضهم بأنه " من أخطر أعداء إسرائيل ". وكان أكثر ما استفز قادة الدولة العبرية هو دعاء الشيخ في ختام خطابه الذي ألقاه أمام الجماهير بأن يأتي اليوم الذي تتحول فيه القدس المحتلة الى عاصمة لدولة الخلافة الإسلامية؛ فهناك من دعا الى إلقاء القبض على الشيخ صلاح وتقديمه للمحاكمة؛ وهناك من دعا صراحة الى اخراج الحركة الإسلامية من إطار القانون الإسرائيلي، واعتبار كل من يثبت انتماؤه إليها متجاوز للقانون يتوجب تقديمه للمحاكمة، واعتقاله. والذي يدلل أيضاً على عمق انزعاج المؤسسة الحاكمة في الدولة العبرية من اتجاه فلسطينيي 48 وقادتهم للتعبير عن مضامين هويتهم الفلسطينية والعربية والإسلامية هو الحملة الكبيرة التي يشنها عدد من الوزراء والنواب والصحافيين الصهاينة ضد نواب حزب التجمع الوطني برئاسة عزمي بشارة الذين زاروا سوريا ولبنان مؤخراً وأعربوا عن تضامنهم من كل من لبنان وسوريا في أعقاب الحرب التي شنتها تل ابيب على لبنان. فبالنسبة لهؤلاء الصهاينة فأنهم لا يمكن أن يتفهموا أن يقوم نواب عرب في البرلمان الإسرائيلي بزيارة دول تعتبر عدو لإسرائيل. النائب الليكودي يسرائيل كاتس يعكف حالياً على جمع تواقيع من نواب في الكنيست للموافقة على سن قانون يدعو الى منع أي حزب أو حركة تمثل فلسطينيي 48 من المشاركة في الحياة السياسية والتنافس في الانتخابات العامة في حال أظهر هذا الحزب أو تلك الحركة تأييدها لأي طرف عربي موجود في حالة عداء مع الدولة العبرية. صفحات الصحف والبرامج الحوارية التي تبثها قنوات التلفزة العبرية تحولت الى منابر تحريض على فلسطينيي 48 وقادتهم؛ وأصبح معظم كتاب الرأي والمعلقين في وسائل الإعلام الصهيونية يتنافسون فيما بينهم في عرض الاقتراحات المناسبة " لردع " فلسطينيي 48، وإجبارهم على الخلي عن ارتباطاتهم الإسلامية والعربية والفلسطينية.

احباط بسبب فشل " الأسرلة "

الغضب العارم الذي يجتاح قادة الدولة العبرية إزاء فلسطينيي 48 يرجع بشكل أساسي الى الشعور بالإحباط الشديد لعجز مؤسسات الدولة العبرية على مدى أكثر من 58 عاماً عن " أسرلة " مضامين الهوية لهؤلاء الفلسطينيين، وربطها بالدولة العبرية. وكما يعبر عن ذلك وزراء ونواب ومفكرين صهاينة فأن أكثر من يثير الحنق لديهم هو أنه بمرور الزمن، فأن فلسطينيي 48 يعمقون ارتباطاتهم الفلسطينية والعربية والإسلامية، وينزعون عن استخدام الرموز الإسرائيلية بشكل واضح؛ لدرجة جعلت وزيرة التعليم الصهيونية تصدر تعليمات واضحة بإجبار المدارس العربية داخل إسرائيل على رفع العلم الإسرائيلي ومعاقبة إدارة كل مدرسة ترفض ذلك، إلى جانب فرض مواد دراسية في مناهج التعليم في المدارس العربية تحاول تسويق الرواية الصهيونية للأحدات التي جرت على أرض فلسطين. اللافت أن الدولة العبرية تريد أن تفرض الضبغة الإسرائيلية على فلسطينيي 48، في الوقت الذي تمارس ضدهم سياسة تمييز عنصري واضحة، تجد تعابيرها في إهمال تجمعاتهم السكانية وعدم الإستثمار في مجال مشاريع البنى التحتية، وإستثناء مناطقهم من الموازنات التطويرية، الأمر الذي جعل نسبة البطالة في أوساط فلسطينيي 48 هي الأعلى داخل الدولة العبرية، ناهيك عن سياسة التجهيل التي يحاولون فرضها على النشئ الفلسطيني هناك عن طريق فرض رسوم جامعية كبيرة عليهم، مقارنة بالطلاب اليهود، بحجة أنهم لم يؤدوا الخدمة العسكرية، وغيرها من الممارسات.

تداعيات خطيرة

التحريض المتواصل على فلسطينيي 48 يحمل في طياته الكثير من التداعيات بالغة الخطورة، والتي من المتوقع أن تجد تعبيراتها في الجرائم التي تخطط لتنفيذها ضدهم التنظيمات الإرهابية اليهودية، على غرار المجزرة التي نفذها أحد نشطاء هذه التنظيمات العام الماضي في مدينة شفاعمرو. الأجهزة الاستخبارية الصهيونية على دراية تامة بالكثير من المخططات التي تعكف عليها هذه التنظيمات لكنها تحجم عن القيام بأي تحرك ضدها بحجة عدم توفر أدلة كافية تسمح بإقناع النيابة العامة باصدار مذكرات توقيف ضدهم؛ مع العلم أنه حتى لو تم توقيفهم، فأنه سرعان ما يتم الإفراج عنهم بسبب التساهل الذي يبديه معهم محققو جهاز المخابرات الإسرائيلية الداخلية " الشاباك ". والتطور بالغ الخطورة الذي بدا واضحاً في الآونة الأخيرة هو التسويغات التي يطلقها عدد من كبار المسؤولين لتنفيذ الجرائم والمجازر ضد الفلسطينيين. فقد دعا رئيس حزب الصهيونية الدينية الجنرال ايفي ايتام دوائر صنع القرار في الدولة العبرية الى تغيير ما اسماه ب " اخلاقيات الحرب "، بحيث تستخدم اسرائيل مستقبلاً الحروب ضد العرب في طرد مئات الآلاف من الفلسطينيين من أراضيهم.

قصارى القول، عملية نزع الشرعية عن مئات الآلاف من فلسطينيي 48 فوق، و رفض حقهم في ممارسة حقوقهم السياسية تتواصل على قدم وساق، ويجب أن يكون هناك موقف واضح من قبل كل من الجامعة العربية ومنظمة العالم الإسلامي والأمم المتحدة إزاء المخططات الإسرائيلية ضد فلسطينيي 48، لردع الدولة العبرية عن استكمال مخطط التهويد المتواصل من العام 48.  

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر