موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
مغازلة بوش لإيران تقلق اسرائيل

اشعلت المقابلة التي اجراها ديفيد ايغنشيوس كبير محرري صحيفة " الواشنطن بوست "، مع الرئيس الأمريكي جورج بوش مؤخراً، والتي تركزت حول الموقف الأمريكي من المشروع النووي الإيراني، الأضواء الحمراء في إسرائيل. كل من الساسة والجنرالات المتقاعدين وكبار المعلقين الإستراتيجيين الإسرائيليين توقفوا ملياً أمام ما جاء على لسان بوش في هذه المقابلة التي بادر بوش لدعوة ايغنشيوس لإجرائها معه في البيت الأبيض، وكأنه كان يتعمد إيصال رسائل محددة لصناع القرار في طهران. الجنرال والوزير السابق افرايم سنيه عضو لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست الإسرائيلي وأحد قادة حزب العمل الإسرائيلي بادر الى اجراء العديد من المقابلات الإذاعية، وطرق أبواب مكتب رئيس الوزراء ووزير الحرب وقادة الأجهزة الاستخبارية لوضعهم في خطورة ما جاء في مقابلة بوش، مع العلم أن الكثير من المعلقين شاركوا سنيه قلقه الشديد مما جاء في هذه المقابلة. وأكثر ما يقلق الإسرائيليين في هذه المقابلة هو تعمد بوش عدم الحديث عن خيار القوة في مواجهة البرنامج النووي الإيراني. ليس هذا فحسب، بل أن بوش – كما يرى الإسرائيليون – بادر لمغازلة القيادة الإيرانية، عندما أشار الى الدور الكبير الذي تلعبه ايران في المنطقة بوصفها " دولة عظمى في المنطقة"، على حد تعبيره. ووجه بوش خطابه للإيرانيين "  اننا نقدر ونحترم تاريخكم وثقافتكم، وأنا أتفهم رغبتكم في تطوير برنامج نووي، وأنا أرغب بجدية في القيام بكل شيء من اجل ايجاد حل لهذه القضية". ويضيف الرئيس بوش "لا حاجة لي ولا رغبة بنزاع معكم ولا بد من العمل على تطوير برنامج خاص لتبادل المعلومات والثقافة مع ايران". والإستنتاج الذي توصل اليه معظم المعلقين في الدولة العبرية هو أن بوش يبدو مستعداً للتوافق مع إيران في كل ما يتعلق بالمشروع النووي الإيراني، مقابل أن تلعب طهران في تهدئة الأمور في العراق. سنيه وبقية المعلقين عبروا عن انزعاجهم الشديد من تشديد بوش على أنه يمكن أن تلعب إيران دوراً أساسياً في تكريس الإستقرار في العراق. ويصل سنيه الى استنتاج مفاده أن بوش يريد غض الطرف عن البرنامج النووي مقابل أن تساهم طهران في توفير الظروف التي تسمح لواشنطن بسحب قواتها من العراق. ويضيف سنيه في مقابلة مع الإذاعة الإسرائيلية باللغة العبرية " بوش يريد أن تدفع اسرائيل ثمن ازمته الخانقة في العراق، فهو من أجل الخروج من المأزق العراقي مستعد للتوافق مع ايران حول برنامجها النووي، الذي يعتبر أكبر تهديد وجودي لإسرائيل ". وحسب الإسرائيليين، فأنه ليس فقط الرهان الأمريكي على دور لإيران في العراق، هو الذي يصرف واشنطن للتفكير بعيداً عن الخيار العسكري ضد طهران، بل أن صحيفة " هارتس " في عددها الصادر أمس الجمعة تكشف النقاب عن أن كبار الصقور في الإدارة الأمريكية لم يعودوا واثقين بأن عملاً عسكرياً أمريكياً سينجح في تصفية أو إحباط المشروع النووي الإيراني. وأشارت الصحيفة الى ما وصفته ب " حلقات فراغ " في موقف "المثلث الحديدي" الذي يقوده بوش ونائبه تشيني ووزير دفاعه دونالد رامسفيلد، منوهة إلى أن رامسفيلد الذي كان من كبار المتحمسين للخيار العسكري ضد إيران، أصبح يشكك في إمكانية نجاح هذا الخيار ضد طهران، لدرجة أنه يبدو مستعداً للتسليم بأن تتحول ايران الى قوة نووية.

حرب لبنان تقلص مكانة اسرائيل لدى واشنطن

ارييه جولان، مقدم البرامج الحوارية الشهير في الإذاعة الإسرائيلية العامة باللغة العبرية يقول أن هناك انطباع سائد في الدولة العبرية، وهو أن فشل اسرائيل المدوي في الحرب الأخيرة ضد حزب الله على الرغم من التفوق العسكري الكبير قلص قيمة إسرائيل الإستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة، حيث أنه لم يعد الكثيرون في واشنطن يرون في اسرائيل شرطي الولايات المتحدة في المنطقة. وكان الإحباط الأمريكي من نتائج الحرب أكبر بسبب عجز السلاح الأمريكي الذي استخدم في المواجهات عن حسم المعركة لصالح اسرائيل. ويضيف جولان أن الولايات المتحدة التي تعتبر حزب الله فيلق ايراني تخشى من خطر المواجهة مع ايران  مستقبلاً، حيث أنه أداء حزب الله المتميز في الحرب دلل على أن مواجهة مع إيران لن تكون سهلة على الاطلاق.

مؤشرات غزل

في إسرائيل اهتموا بالبحث عن المزيد من رسائل الغزل التي تحاول واشنطن ارسالها لإيران. وأشارت وسائل الاعلام الإسرائيلية الى موافقة بوش شخصياً على السماح للرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي بزيارة واشنطن للمشاركة في العديد من الندوات الأكاديمية، الى جانب السماح للرئيس الحالي احمدي نجاد بالوصول الى نيويورك لإلقاء خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. وأكدت وسائل الإعلام أن زيارة رئيس الوزراء العراقي نور المالكي لايران لم تكن لتتم لولا لم يحصل على اذن من واشنطن، وكل ذلك في مسعى واشنطن للبحث عن مخرج من المستنقع العراقي. ويرى الجنرال زئيف شيف، المعلق الاستراتيجي أن كل هذه المؤشرات تقود الى انطباع مفاده أن واشنطن باتت تؤمن بضرورة انتهاج سياسة الحديث والتفاوض مع ايران. "فقط" دون محاولة التلويح بالقوة والتهديدات التي يبدو بأن هؤلاء استنتجوا بأنها لن تُجدِ أبداً.

الخوف من مصر والسعودية

شيف يدق ناقوس الخطر في اشارته الى أن مواصلة ايران تطوير مشروعها النووي سيؤدي الى دفع كل من مصر والسعودية لخوض السباق النووي، وهذا بحد ذاته خطر كبير. الدكتور جاي باخور الباحث في معهد " هرتسليا متعدد الاتجاهات "  يرى أن وجود السلاح النووي في دولة سنية هو أخطر بكثير من وجوده في ايران، حتى لو كانت هذه الدولة تحكم حاليا من قبل نظام حكم " معتدل "، محذراً من أنه في الدول السنية التي تحيط بإسرائيل هناك احتمال أن تتولى الحكم الحركات الإسلامية، التي تنادي بالقضاء على إسرائيل.  

وينادي كل من سنيه وباخور وشيف وغيرهم بأن تحاول اسرائيل توظيف كل وسائل الضغط على إدارة بوش لثنيها عن مغازلة ايران، والعودة للتشبث بالخيار العسكري لمواجهة برنامجها النووي؛ لكنهم في المقابل يدعون دوائر صنع القرار في الدولة العبرية الى عدم استبعاد أن تقوم اسرائيل بالمبادرة بعمل عسكري ضد ايران.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر