موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
حكومة الوحدة.....كيف تشكل ؟

تواجه جهود تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية انتكاسة كبيرة، قد تقضي نهائياً على فرص تشكيلها بسبب الاستقطاب الكبير في المواقف بين حركتي " فتح " وحماس من البرنامج السياسي للحكومة العتيدة. وحتى لو نجح الطرفان في النهاية في ايجاد صيغة يمكن أن تجسر البون الشاسع في المواقف بين الحركتين، وتم الإعلان عن تشكيل هذه الحكومة، فأن عمرها الإفتراضي سيكون قصيراً، لأن عقدها سينفرط عند أول تحد تواجهه. وواضح تماماً أن ما جاء في كلمة الرئيس الفلسطيني محمود عباس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة قد جعل من الصعوبة على ممثلي الحركتين إيجاد صيغ توفيقية تمهد الطريق للاتفاق على برنامج سياسي. فللأسف الشديد، وبخلاف أي مسوغ منطقي تبنى أبو مازن في خطابه في الحقيقة الشروط التي تضعها كل من إسرائيل والإدارة لتشكيل حكومة الوحدة، عندما إلتزم أمام العالم أن تعترف حكومة الوحدة القادمة بإسرائيل والاتفاقيات الموقعة معها، ناهيك عن نبذ " العنف " أي المقاومة ضد الاحتلال. لقد كان جلياً لأبو مازن أن موقفه هذا يشكل وصفة أكيدة لقبر فكرة حكومة الوحدة في مهدها، لأنه كان على اطلاع تام بالاتفاق الذي توصلت إليه كل من حركتي " فتح " وحماس بشأن برنامج حكومة الوحدة والذي يستند الى وثيقة الوفاق الوطني، وهي الوثيقة التي لا تتحدث عن إعتراف بإسرائيل، في حين تنص على احترام الاتفاقيات الموقعة بين إسرائيل والسلطة، دون أن تلتزم بها؛ كما هو الحال مع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة التي تعلن احترامها للاتفاقيات الموقعة مع السلطة، ولا تلتزم بها، بل وفي كثير من الأحيان تعمل على نسفها وتفريغها من محتواها؛ في نفس الوقت، فأن الوثيقة تشدد بشكل لا يقبل التأويل على حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال. الذي زاد الأمور تعقيداً أن أبو مازن أجبر قادة حماس على الدخول معه في سجال على شاشات التلفزة، ساهم في تقليص فرص التوصل لاتفاق بين الجانبين؛ إذ سارع رئيس الوزراء الفلسطيني اسماعيل هنية للتأكيد على أن أي حكومة وحدة تشارك فيها حركة حماس لن تعترف بإسرائيل؛ وعرض بدلاً من ذلك هدنة طويلة، مقابل اقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة في حدود العام 67، والسماح بعودة اللاجئين الفلسطينيين. المشكلة التي يقع فيها أبو مازن أنه عادة ما يخلط بين دوره كرئيس يتوجب أن يتبنى مواقف تحظى باجماع الشعب الفلسطيني، وبين دوره كزعيم لحركة " فتح ". ليس هذا فحسب، بل أنه يريد أن يفرض المواقف التي تتبناها " فتح " التي تمثل الأقلية في المجلس التشريعي على حركة حماس التي تمثل الأغلبية. وهذا الخلط يمس بدوره وبشخصه، ورمزيته، الأمر الذي يضعف مصداقيته في الساحتين الداخلية والعالمية.

سيناريوهات انقلابية

ومن دواعي الأسف أنه بدلاً من أن يحاول ابو مازن وقادة حركة " فتح " التوصل لصيغ توفيقية مع حركة حماس، فأنه رشح ما يفيد أنهم تحديداً يعكفون على دراسة سيناريوهات للإنقلاب على الحكومة الفلسطينية بوسائل غير قانونية وغير وطنية. وقد تحدث نبيل عمرو مستشار ابو مازن بصراحة عن إمكانية أن تقوم كتلة فتح البرلمانية بتقديم مشروع قانون بحجب الثقة عن حكومة هنية، مستغلة بذلك فقدان حركة حماس أغلبيتها البرلمانية بسبب قيام اسرائيل بإعتقال 28 نائباً من نواب حركة حماس. أن المرء يكاد لا يصدق أن  يخطر ببال فصيل فلسطيني إستغلال اجراءات الاحتلال ضد فصيل آخر فاز في انتخابات ديموقراطية، للإنقلاب على إرادة الجمهور الفلسطيني الذي منح هذا الفصيل الأغلبية. لكن هذا السيناريو غير ممكن لأن نجاح مشروع حجب الثقة عن الحكومة يتطلب أن يقوم بتأييده 67 نائب على الأقل، مع العلم أن عدد نواب حركة " فتح " وبقية الفصائل الأخرى لا يتجاوز الإثنين وخمسين نائب. من هنا يدفع قادة " فتح " ابو مازن للإقدام على خطوة أكثر خطورة، وهي حل المجلس التشريعي والدعوة لانتخابات جديدة، على أمل أن تفقد حماس أغلبيتها البرلمانية، وتعود " فتح " لتشكيل الحكومة. هذا السيناريو الإنقلابي خطير لأنه قد يؤدي الى نشوب حرب أهلية تأكل الأخضر واليابس، ومن ناحية ثانية لا يوجد ضمانة أن تفشل حماس في هذه الانتخابات، إذ أن جميع استطلاعات الرأي العام تؤكد أنه لم يحدث ارتفاع في شعبية حركة " فتح " على الرغم من تدهور الأوضاع الإقتصادية بالغة القسوة التي يمر بها الشعب الفلسطيني منذ الانتخابات التشريعية الأخيرة.

صيغة للحل

واضح تماماً أن حركة حماس وحكومتها تواجه أيضاً مأزقاً خطيراً حتى لو لم يتم تنفيذ المخططات الإنقلابية آنفة الذكر. فقادة حركة حماس باتوا يدركون أن استمرار الواقع الحالي يحمل في طياته إمكانية انهيار السلطة الفلسطينية ومرافقها الخدماتية بشكل نهائي، في ظل استمرار الحصار وتوقف وصول المساعدات المالية. وهذا يعني أنه في أول مرة يصل الاسلاميون للحكم عن طريق صناديق الاقتراع تنتهي تجربتهم هذه بفشل ذريع، وهذا سابقة خطيرة. من هنا يتوجب التصرف بحكمة للخروج من المأزق الحالي بأقل الخسائر. و من نافلة القول أن أحد متطلبات الخروج من الأزمة الحالية هو أن يتم تشكيل حكومة وحدة وطنية تبدي قدراً كبيراً من المرونة السياسية دون المس بالثوابت الوطنية للشعب الفلسطيني؛ وعلى كل الأحوال يجب ألا تعني المرونة السياسية القبول بشروط ابو مازن لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية. وفي المقابل من الضروري أن تستمع قيادة حركة حماس الى الدعوات التي تطلقها العديد من النخب الثقافية داخل الحركة التي تطالب بقوة بعدم ضم الحكومة القادمة كبار قادة الحركة ورموزها من أجل منح هذه الحكومة هامش مناورة أوسع في المجال السياسي، على أن توكل مهمة تشكيل الحكومة لشخصية فلسطينية مستقلة قريبة جداً من الإسلاميين، في الوقت الذي تواصل فيه الحركة الامساك بالوزارات الخدماته الهامة التي يجب أن توكل الى قيادات الصف الثاني في الحركة ممن يمكن اعتبارهم " تكنوقراط ". مثل هذه الحكومة بإمكانها أن تتعاطى مع برنامج سياسي يستند الى وثيقة الوفاق الوطني، التي لا يمكن لحكومة يشارك فيها رموز الحركة التعاطي معها، على الرغم من قبول الحركة بها. في نفس الوقت تقوم حماس من خلال أغلبيتها البرلمانية بفرض رقابة شديدة على عمل الحكومة القادمة. في نفس الوقت يتفرغ قادة الحركة للإهتمام بالأوضاع الداخلية في الحركة وتطوير علاقاتها بالجماهير التي تضررت في أعقاب الأزمة الاقتصادية الحالية.

من الأهمية بمكان أن يعي جميع الفرقاء في الساحة الفلسطينية حراجة الوضع الذي تمر فيه القضية الوطنية، ويجب أن تشكل حكومة وحدة وطنية بأقصى سرعة، بحيث لا تتفرغ هذه الحكومة فقط لحل الأزمة الاقتصادية الخانقة، بل تواجه المخططات الإستيطانية والتهويدية التي على ما يبدو يتجاهلها الساسة الفلسطينيون في غمرة الاستغراق في أزماتهم الداخلية.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر