موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
هل تتخلص اسرائيل من " غموضها " النووي ؟؟

تتعالى العديد من الأصوات في اسرائيل الداعية إلى إعادة تقييم سياسة " الغموض الايجابي"، التي اتبعتها الدولة العبرية إزاء برنامجها النووي منذ أواسط الستينيات من القرن الماضي وحتى الآن، وهي السياسة القائمة على رفض دوائر صنع القرار في الدولة العبرية الإقرار بشكل رسمي بامتلاك ترسانة نووية، لكن في نفس الوقت إعطاء كل المؤشرات غير المباشرة على وجود مثل هذه الترسانة. وتهدف إسرائيل من وراء هذه السياسة مراكمة عامل الردع في مواجهة الدول العربية، وردعها عن مجرد التفكير بأنه من الممكن القضاء على دولة إسرئيل. ونحن هنا بصدد مناقشة مستقبل سياسة " الغموض الايجابي"، في ضوء المتغيرات الدولية والإقليمية وبالاستناد إلى جملة الحسابات التي دفعت الدولة العبرية الى اتباع هذه السياسة.

 

سادس قوة نووية في العالم

حتى قبل مبادرة خبير الذرة الاسرائيلي مردخاي فعنونو بالكشف عن أسرار البرنامج النووي الإسرائيلي، فقد كان العالم بأسره لا يعي فقط أن إسرائيل دولة نووية ، بل أن هناك تقديرات بأن حجم الترسانة النووية في الدولة العبرية يؤهلها لاحتلال المكانة السادسة في ترتيب الدول التي تملك ترسانات نووية كبيرة. وحسب التقارير التي قدمتها وكالة الاستخبارات الامريكية " سي أي ايه"، فأن إسرائيل تملك حوالي 400 رأس نووي، فضلاً عن نجاح الدولة العبرية في تطوير قنابل هيدروجينة. وحسب صحيفة " هارتس " الاسرائيلية فأن الدولة العبرية قد طورت صواريخ تحمل رؤوس نووية قادرة على ضرب أي بقعة في العالم. العام الماضي حدث تطور هام على البرنامج  النووي الإسرائيلي عندما تم مد سلاح البحرية بغواصات مزودة بصواريخ تحمل رؤوس نووية، وفسر هذا التطور في حينه على أنه جاء من أجل تمكين إسرائيل من ضرب الدولة العربية والإسلامية البعيدة جغرافيا عن الدولة العبرية، في حال مثلت هذه الدول خطراً على الدولة العبرية.

 

جذور سياسة " الغموض الايجابي"

منذ الإعلان عن قيام الدولة العبرية في العام 1948، فطن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول دفيد بن غوريون الى ما أعتبره " حلولاً خلاقة"، لمواجهة التهديدات العربية على وجود الدولة العبرية. بن غوريون كان مبهوراً بالخطوة التي أقدمت عليها الولايات المتحدة بإلقاء قنبلتين ذريتين على اليابان من أجل حسم الحرب العالمية الثانية. بن غوريون اعتبر أن ضمان مستقبل الدولة العبرية يكمن في قدرتها على تطوير برامج اسلحة غير تقليدية، وبالذات البرنامج النووي لردع الدولة العربية عن مجرد التفكير بإمكانية تهديد وجود الدولة العبرية. استعان بن غوريون بشخصين كان لهما بالغ الأثر في انطلاق البرنامج النووي الإسرائيلي، وتطوره، وهما البرفسور ايرنتس دفيد بريغمان، المدير السابق للهيئة النووية الإسرائيلية، والذي شغل في نفس الوقت منصب مدير قسم الأبحاث في وزارة الدفاع الإسرائيلية، ومدير عام وزارة الدفاع في ذلك الوقت شمعون بيريس، الذي تولى فيما بعد منصب رئيس الوزراء، والآن يتزعم حزب العمل المعارض. عبر شبكة علاقاته الواسعة استطاع بيريس في العام 1957 اقناع الحكومة الفرنسية بتزويد إسرائيل بمفاعل ذري، بعد أن طور علاقات خاصة  مع الرئيس الفرنسي شارل ديغول. في الفترة الممتدة من العام 1966وحتى نهاية العام 1967، أنهت إسرائيل المرحلة الأولى من برنامجها النووي بإنتاج عدد من القنابل الذرية يترواح بين ثلاثة الى سبعة قنابل. ومنذ ذلك الحين وحتى الآن تطورت أغراض البرنامج النووي الإسرائيلي لتشمل تطوير قنابل هيدروجينية، فضلاً عن تطوير رؤوس نووية يمكن تركيبها على صواريخ، إلى غير ذلك من الأغراض. الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة التزمت بسياسة " الغموض الايجابي" ورفضت باصرار التوقيع على معاهدة منع انتشار الاسلحة النووية، بدعم وتأييد الولايات المتحدة التي دعمت استثناء إسرائيل من التوقيع على المعاهدة دون بقية دول المنطقة، التي سارعت الولايات المتحدة الى غزو بعضها وتهديد الآخر في سعيها لمنع هذه الدول من تطوير السلاح غير التقليدي.في نفس الوقت فقد فرضت الدولة العبرية رقابة مشددة على تغطية الإعلام الإسرائيلي لكل ما يتعلق بالبرنامج النووي، لكن من ناحية ثانية كانت دوائر صنع القرار في الدولة العبرية تشعر بالرضا ازاء نشر بعض التسريبات في وسائل الأعلام الأجنبية على اعتبار ان مثل هذه التسريبات تمثل رسائل واضحة للدول العربية حول هامش الإمكانيات الكبير الذي تتمتع به الدولة العبرية في أي مواجهة معها. بن غوريون، وقادة الدولة العبرية من بعده اعتبروا أن الترسانة النووية الإسرائيلية بمثابة " بوليصة التأمين"، التي يعني التنازل عنها غياب أي قدر من المسؤولية تجاه مستقبل الدولة وأمن سكانها.

 

رهانات إسرائيل على سياسة " الغموض الايجابي"

يعتبر " الغموض الايجابي" جزءاً اساسياً من الإستراتيجية الامنية للدولة العبرية التي أرسى دعائمها بن غوريون. وترى إسرائيل أن عامل الردع الناجم عن إدراك العالم العربي لامتلاكها ترسانة نووية ضخمة، هو العامل الأهم في دفع الدول العربية لتجنب خوض حروب ضد إسرائيل، وهناك في الدولة العبرية من أدعى ان الرئيس المصري الأسبق انور السادات خطط لحرب محدودة ضد إسرائيل في العام 1973، خوفاً من ترسانتها النووية. رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق اسحاق رابين كان يكثر من التلميح بدور الترسانة النووية في  تيئيس العالم العربي من ثمار أي مواجهة مسلحة مفتوحة مع إسرائيل. وهناك من بين كبار الاستراتيجيين الإسرائيليين من يرى أنه بعد خمسة عقود على هذه السياسة فأنها تثبت نفسها. ويقول الجنرال والاستراتيجي الاسرائيلي الدكتور رؤفين فيدهستور أن اسرائيل اليوم اكثر امناً بفضل ترسانتها النووية، مضيفاً أن أدراك قادة الأنظمة العربية لوجود الأسلحة النووية بيد إسرائيل هو الذي كفهم عن التخطيط لإبادتها. وفي إسرائيل قناعة متجذرة بدور ترسانتها النووية في دفع دول العربية للتوقيع على معاهدات سلام معها. وقد عبر عن ذلك بشكل واضح، شمعون بيريس، حيث قال " السلام لن يأتي بنفسه، ولن يأتي بتأثير قوى غيبية، لكن إسرائيل أدركت أنه بإمكانها أن تحقق السلام إذا نجحت في إقناع العرب أنه بواسطة التقدم العلمي ( يقصد تطوير المشروع النووي) فأن إسرائيل قادرة على أن تقضي على أي فرصة للعرب لتهديد وجودها". لكن الترسانة لم تنجح – حسب الإسرائيليين – فقط في دفع العرب الى طاولة المفاوضات، بل أنها عملت على خفض سقف توقعاتهم في المفاوضات. ويقول اوري ساغيه، رئيس شعبة الإستخبارات العسكرية الإسرائيلية سابقاً، أنه عندما يقدم العرب للمفاوضات وهم يعلمون أنه لا يوجد أمامهم إلا خيار المفاوضات، فإن هذا يساهم في خفض سقف مطالبهم ، إذ أنهم يدركون أنهم يفتقرون الى أوراق ضغط، تتمثل في امكانيات مادبة تهدد وجود إسرائيل.وهناك سبب موضوعي يجبر اسرائيل على " الغموض الايجابي"، وهو أن هناك قانون أمريكي يحظر تقديم أي مساعدات اقتصادية وعسكرية لأي دولية تطور أسلحة نووية. ونظراً لحجم المساعدات الامريكية الهائل للدولة العبرية، فإن الدولة العبرية لا تفكر في تغيير سياستها القائمة بشأن برنامجها النووي.

 

دعوات لمراجعة " الغموض الايجابي "

بإستثناء بعض المنتمين الى مدرسة " ما بعد الصهيونية ،فإن أحداً في الدولة العبرية لا يدعو الى ضرورة تخلص الدولة من برنامجها النووية. لكن في المقابل هناك دعوات متزايدة لضرورة مراجعة سياسة الغموض الايجابي، ودراسة إمكانية أن تبادر الدولة العبرية الى وضع العالم أمام الحقائق كما هي والإعلان رسمياً عن وجود ترسانة نووية. المؤيدون لمثل هذه الخطوة يقولون أن الظروف الدولية والإقليمية تسمح لإسرائيل بإتخاذ مثل هذه الخطوة، ويشيرون إلى تجربة كل من الهند وباكستان اللتان بادرتا إلى الإعلان عن ترسانتهما النووية، بل وعرض تجاربهما النووية بشكل استعراضي دون أن يتعرضا الى عقوبات جدية. ويعتقد هؤلاء أن الإدارة الأمريكية ستبدي تقهما كبيراً للإقرار الإسرائيلي بوجود ترسانة نووية، حيث لمح أكثر من مسؤول أمريكي أن على العالم أن يسلم بوجود الترسانة النووية الإسرائيلية، بحجة أن وجود حكومة منتخبة ديموقراطياً في الدولة العبرية يجعلها تتعامل ب " مسؤولية " مع ترسانتها النووية، بخلاف " الانظمة المارقة التي تفتقد لمثل هذه المسؤولية"، وفق المنطق الأمريكي. ويرى المنادين بالتخلص من سياسة " الغموض البناء"، أنه لا داعي للخوف من ردة أنظمة الحكم في العالم العربي في حال أقرت إسرائيل بترسانتها النووية. ويقول النائب العمالي حاييم رامون، الرئيس السابق للجنة الخارجية والأمن  التابعة للبرلمان الإسرائيلي أن الأنظمة الحاكمة في العالم كل ما يعنيها الآن هو ضمان مواصلة بقائها في أعقاب ما حل بنظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين. وهناك من يرى ، في تطوع ليبيا  لدعوة الدول العربية للتخلي عن برامج الأسلحة غير التقليدية دون إنتظار إسرائيل، دليل آخر على أن العالم العربي لم يعد يعنيه البرنامج النووي الإسرائيلي. ويرى المنادون بوضع حد لسياسة الغموض البناء أن من شأن مثل هذه الخطوة على المدى المتوسط أن تعفي إسرائيل من الإستجابة للدعوات بإنضمامها الى معاهدة حظر نشر الأسلحة النووية، في نفس الوقت فإن إقرار إسرائيلي رسمي بإمتلاك تل ابيب ترسانة نووية يكرس مزيد من الصدقية لعامل الردع في مواجهة العالم العربي.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر