موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
ما الدروس الإسرائيلية من التجربة النووية الكورية ؟؟

أبدت النخب الحاكمة والأكاديمية والاعلامية في الدولة العبرية اهتماماً كبيراً بالتجربة النووية التي أجرتها كوريا الشمالية مؤخراً، وكان واضحاً من تعليقات المسؤولين الصهاينة أن هذا التطور يمثل فشلاً ذريعاً للسياسة التي تنتهجها الولايات المتحدة ضد حصول الدول التي تطلق عليها " محور الشر " على قدرات نووية. الجنرال رؤفين فيدهتسور، الرئيس السابق لهيئة أركان سلاح الجو الإسرائيلي، والباحث البارز في القضايا الإستراتيجية اعتبر أن تجرؤ كوريا الشمالية على القيام بهذه التجربة يدلل بما لا يقبل الشك على أن أي دولة في العالم يمكنها تطوير سلاح ذري في حال كان للنظام السياسي الحاكم فيها ثمة إرادة حقيقية وتصميم على تحقيق هذا الهدف. لكن أحد أهم الاستخلاصات التي يستنتجها الإسرائيليون من التجربة الكورية هو أنه على دوائر صنع القرار في تل أبيب الاستعداد لنجاح إيران في تطوير قدرات نووية، على اعتبار أن التجربة النووية الكورية مثلت المسمار الأخير في نعش منع انتشار السلاح الذري. ويرى الخبراء الاستراتيجيون في إسرائيل أن تسليم الدولة العبرية بتطوير إيران قدرات نووية سيساهم في وضع سياسة ردع جديدة تكون أكثر جدوى في منع إيران أو غيرها من استخدام هذا السلاح ضد تل ابيب. ويرى هؤلاء الخبراء أن ذلك يتطلب من دوائر صنع القرار في الدولة العبرية ليس فقط التزود بنظم قتال ضرورية، بل صياغة أدوات تفكير جديدة أيضا، وتغييراً تاماً للاستراتيجية وإشراك الجمهور الإسرائيلي في مواجهة الواقع الجديد. ويحذر بعض الخبراء الإستراتيجيين في الدولة العبرية دوائر صنع القرار فيها من مغبة الولوج الى استنتاجات خاطئة والقيام بهجوم عسكري على المنشآت الذرية الإيرانية بقصد وقف المشروع النووي النووي لطهران. ويحذر هؤلاء من أن هذا التحرك سيفشل في تحقيق أهدافه، بسبب نقص المعلومات الاستخبارية التي بحوزة إسرائيل حول البرنامج النووي الايراني، الى جانب حقيقة كون المنشآت الذرية الإيرانية منتشرة على مساحات واسعة، إلى جانب كون معظمها مدفون في عمق الأرض الأمر الذي يجعل من إمكانية تدميرها أمر صعباً جداً. ويرى هؤلاء أن مثل هذه الضربة قد تؤدي الى وقف المشروع الإيراني لبعض الوقت، لكنها لن تقضي عليه، وفي نفس الوقت فأن طهران ستجعل من قيام اسرائيل بهذا الهجوم مبرراً لتعلن انسحابها من ميثاق منع انتشار الأسلحة النووية (NPT ) ، وتواصل تطوير برنامجها بسرعة أكبر. من هنا فأن أحد أهم الاستنتاجات التي يتوصل اليها الاستراتيجيون الصهاينة هو أن تبذل اسرائيل كل الجهود الممكنة من أجل اقناع المجتمع الدولي بأن المشروع النووي الإيراني يعرض العالم للخطر، على أمل أن يسهم ذلك في قيام الدول الغربية بإتخاذ اجراءات صارمة ضد هذا المشروع. ويأمل الإسرائيليون أن تقوم الولايات المتحدة بالعمل العسكري ضد إيران، على اعتبار أن الجيش الأمريكي وحده هو القادر على توجيه ضربة للمشروع النووي الايراني. والاعتقاد السائد في تل ابيب أن القوة الجوية الأمريكية قادرة على ضرب المنشآت  النووية الإيرانية، على أن تستمر عملية مهاجمة المنشآت الذرية وقتاً طويلاً من أجل ارهاق الإيرانيين واجبارهم على ترك هذا الخيار نهائياً أو تأجيله الى أمد غير محدد. الساسة والخبراء الإستراتيجيون الإسرائيليون منقسمون إزاء نوايا الإدارة الأمريكية حيال المشروع النووي الإيراني. فبعضهم أعتبر أن هناك ما يدلل على توجه واشنطن للتوافق مع طهران، ويشير هؤلاء الى المقابلة التي أجراها الرئيس بوش مع صحيفة " واشنطن بوست " مؤخراً وحرص فيها على " مغازلة " الإيرانيين، والتلميح لهم بأنه بإمكانهم مساعدة واشنطن في توفير الظروف التي تسمح بسحب قواتها من العراق، مقابل غض واشنطن الطرف عن المشروع النووي الإيراني. لكن هناك من المسؤولين الإسرائيليين من يعتبر أن تصريحات بوش هذه تحديداً تعتبر تضليلاً لإيران حتى لا تأخذ احتياطات كافية قبل الهجوم الأمريكي على المنشآت الإيرانية.  وأحد أهم الاستخلاصات التي يلج إليها الخبراء الاستراتيجيون الصهاينة هو أن تتخلص إسرائيل من غموضها النووي الذي حافظت عليه منذ الستينات وحتى الآن وأن تعلن عن قدراتها النووية. ويعتقد الاستراتيجيون الصهاينة أن قيام اسرائيل بالتخلي عن غموضها النووي هو فقط الكفيل بمنع " الأعداء " من استخدام السلاح الذري ضدها. فالنسبة للسلاح النووي لا يمكن تطوير وسائل دفاعية ذات جدوى ضده

، سواء وسائل دفاعية سلبية  مثل الملاجىء،  ولا وسائل فعالة مثل  منظموات الصواريخ المضادة للصواريخ. ويرى هؤلاء الخبراء أن تحول تل ابيب من الردع النووي الغامض الى الردع العلني والواضح يجب أن يتم بالتنسيق مع الإدارة الأمريكية، بحيث يتم اقناع ادارة بوش الحالية بتمكين اسرائيل من التخلي عن غموضها النووي. وفي هذا السياق يتوجب بالتذكير ببعض ما تسرب حول القدرات النووية الإسرائيلية. فحتى قبل مبادرة خبير الذرة الاسرائيلي مردخاي فعنونو بالكشف عن أسرار البرنامج النووي الإسرائيلي، فقد كان العالم بأسره لا يعي فقط أن إسرائيل دولة نووية، بل أن هناك تقديرات بأن حجم الترسانة النووية في الدولة العبرية يؤهلها لاحتلال المكانة السادسة في ترتيب الدول التي تملك ترسانات نووية كبيرة. وحسب التقارير التي قدمتها وكالة الاستخبارات الامريكية " سي أي ايه"، فأن إسرائيل تملك حوالي 400 رأس نووي، فضلاً عن نجاح الدولة العبرية في تطوير قنابل هيدروجينة. وحسب صحيفة " هارتس " الاسرائيلية فأن الدولة العبرية قد طورت صواريخ تحمل رؤوساً نووية قادرة على ضرب أي بقعة في العالم. العام الماضي حدث تطور هام على البرنامج  النووي الإسرائيلي عندما تم مد سلاح البحرية بغواصات مزودة بصواريخ تحمل رؤوس نووية، وفسر هذا التطور في حينه على أنه جاء من أجل تمكين إسرائيل من ضرب الدولة العربية والإسلامية البعيدة جغرافيا عن الدولة العبرية، في حال مثلت هذه الدول خطراً على الدولة العبرية.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر