موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
كيف تراهن إسرائيل على العلاقة مع الدول " السنية "؟

درجت الكثير من الأوساط المؤثرة في الدولة العبرية في الآونة الأخيرة على ترديد الدعوات لتوثيق العلاقات بين إسرائيل والدول الإسلامية السنية. والذي يعكس جرأة هذه الدعوات هو أنها لم تعد تقتصر على الأوساط الأكاديمية من بين المستشرقين الصهاينة، بل غدت أحد الأساسات الذي يقوم عليه تصور دوائر صنع القرار الحالية في الدولة العبرية لمعالجة التحديات التي تواجهها هذه الدولة. فنجد أن كلاً من رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت ووزيرة خارجيته تسيفي ليفني ووزير حربه عمير بيريتس يؤكدون أن التوجه نحو توثيق العلاقات مع الدول السنية هو متطلب أساسي لقدرة الدولة العبرية على مواجهة التحديات الإستراتيجية التي تواجهها حالياً وفي المستقبل، وعلى وجه الخصوص المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، ولبنان والمشروع النووي الإيراني. وزيرة الخارجية الإسرائيلية وصلت مؤخراً الى حد التفكير في إمكانية إقامة تحالفات مع بعض هذه الدول. وينطلق قادة الدولة العبرية في توجهم الجديد من قناعة مفادها أن لإسرائيل ولهذه الدول مصالح مشتركة؛ فحسب ليفني فأن الدول السنية، وتحديداً الدول العربية منزعجة تماماً من تواصل المقاومة الفلسطينية وقيادة الإسلاميين لها، سيما بعد تولي حركة حماس الحكم في مناطق السلطة الفلسطينية. وتضيف لينفي " أننا على ثقة أن الدول العربية في المنطقة لها رغبة أكيدة في إحباط تجربة حركة حماس في الحكم حتى لا تشكل هذه التجربة مثالاً يحتذى به في العالم العربي ". وهناك اعتقاد في إسرائيل أن الدول العربية السنية ليست أقل من الدولة العبرية انزعاجاً وقلقاً من البرنامج النووي الإيراني، وإمكانية نجاح إيران بتطوير سلاح نووي.

تنسيق أمريكي إسرائيلي:

اللافت للنظر أن الأمر لم يعد كونه مجرد دعوات، بل تعداه الى خطة عمل واضحة المعالم من قبل الحكومة الإسرائيلية التي أجرت اتصالات مع الإدارة الأمريكية لتحقيق هذا الهدف المعلن، وشرعت الإدارة الأمريكية بجص نبض العديد من الدول في المنطقة للتعاون المباشر في تحقيق الهدفين آنفي الذكر وهما محاصرة المقاومة الفلسطينية وحكومة حماس والمشاركة في مواجهة المشروع النووي الإيراني. وقد شكر أولمرت علناً وزيرة الخارجية الأمريكية كوندليزا رايتس على نجاحها في اقناع بعض الحكومات العربية بعدم إجراء اتصالات مع الحكومة الفلسطينية برئاسة اسماعيل هنية، معتبراً أن هذه الخطوة تخدم الأهداف المشتركة لكل من واشنطن وتل أبيب في المنطقة. في حين هدفت زيارة مدير أجهزة الاستخبارات الأمريكية جون نجروبنتي للمنطقة الأسبوع الماضي الى التعرف الى الدور الذي يمكن أن تقوم به هذه الدول وإسرائيل في مجال احباط المشروع النووي الإيراني. والمؤسف في كل ما تقدم أن وسائل الاعلام الإسرائيلية عكفت في الآونة الأخيرة على التأكيد أن تعاوناً أمنياً ذو طابع استخباري تطور بين اسرائيل من جهة وبعض الدول العربية، حيث يتم ضمن هذا التعاون تبادل المعلومات الاستخبارية حول الحركات الفلسطينية الإسلامية ونشطائها، وكيفية مواجهتها، سيما على صعيد منع تحويلات الأموال للحركات الفلسطينية، التي تدعي المخابرات الإسرائيلية أنها تتم من بعض العواصم العربية.

المطلوب عربياً:

ازاء هذا السيل من التصريحات التي تعكس حجم الرهان الإسرائيلي على التعاون مع الدول التي تطلق عليها تل ابيب الدول " السنية "، فأنه يتوجب التفريق بين الرهان الإسرائيلي وبين حجم ومستوى استجابة هذه الدول لتلك الدعوات الإسرائيلية، فالإسرائيليون يشيرون عادة الى ثلاث دول على الأكثر أبدت استعداداً لبعض التعاون في المجال الاستخباري مع الدولة العبرية، أي أن هذه جهود الدولة العبرية لم يكتب لها النجاح حتى الآن، ومع ذلك فأنه من الأهمية بمكان الإشارة الى ما يلي:

1-  إسرائيل التي تطمح في مساعدة الدول العربية في محاربة المقاومة الفلسطينية واعاقة المشروع النووي الإيراني، هي نفسها إسرائيل التي تتنكر للحقوق الوطنية والقومية للفلسطينيين والعرب؛ وحكومة أولمرت التي تغازل العرب، هي نفس الحكومة التي تتجه بجنون نحو التطرف والشوفينية عبر ضم أكثر الأحزاب اليمينية فاشية وعنصرية، وهي نفس الحكومة التي لم يعد في اجندتها إلا الاستعداد للحروب مع الدول العربية، بعد أن شطبت كل ذكر للتسوية من برنامجها السياسي. من هنا فعلى الدول العربية التي تعتبرها تل ابيب دول سنية معتدلة أن تفطن الى أن أي مساعدة تقدمها لإسرائيل تحت أي مسوغ أنما تساعد الدولة العبرية على مواصلة سياسة الصلف والعدوان على الأمة. فمثلاً مصر التي توصف من قبل اسرائيل بأنها دولة سنية معتدلة، لم يتورع افيغدور ليبرمان نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي عن تهديدها بقصف السد العالي، وبالتالي فأنه حسب الأجندة الإسرائيلية فكل الدول العربية عرضة للتهديد.

2-  تتجه إسرائيل لفرض تهديد كبير للأمن القومي العربي، فحسب استطلاعات  الرأي العام فأن أي انتخابات برلمانية ستجرى في إسرائيل ستفرز حكومة يمينية فاشية خالصة، ستتبنى سياسة طرد جماعي للفلسطينيين، وهذا السياسة وإلى جانب نتائجها الكارثية على الفلسطينيين ستؤدي قطعاً الى تحديات سياسية وأمنية هائلة لمجموع الدول العربية، وعلى وجه التحديد دول الجوار التي تراهن تل ابيب على مساعداتها حالياً.

3-  من هنا، على الدول العربية بغض النظر عن المسميات التي تطلقها عليها اسرائيل أن تعي خطورة الرهانات الإسرائيلية الأمريكية ومحاولتها اللعب على التناقضات داخل العالمين العربي والإسلامي وتوظيفها لصالحها. فليس من المعقول أن يتجند عربي ما ضد المشروع النووي الإيراني، في الوقت الذي تتكدس فيه ترسانة إسرائيل بالأسلحة النووية، بغض النظر عن كل الحساسيات التي تبديها بعض الدول العربية للمشروع النووي الإيراني.

4-  على الدول العربية أن تأخذ موقفاً حازماً من التصريحات بالغة الخطورة التي تصدر عن كبار مسؤولي الدولة العبرية الذين يتحدثون علانية عن طرد الفلسطينيين بشكل جماعي. فلم يكن لإسرائيل أن تبدي أي رهان على الدول العربية لو صدر ردة فعل حازمة على قرار اولمرت بتعيين الفاشي ليبرمان في حكومته. لكننا للأسف لم نسمع أحد يحرك ساكناً في العالم العربي رداً على قرار أولمرت. مع العلم أن حكومة أولمرت ستكون حكومة " سلام " مقارنة بأي حكومة ستشكل في اسرائيل بعد الانتخابات القادمة.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر