موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
حكومة وحدة في فلسطين........رهانات ومحاذير

إن لم تحدث مفاجآت غير متوقعة، فإن حكومة الوحدة الوطنية الجديدة في السلطة الفلسطينية سترى النور قريباً، بعد أن تم الاتفاق بين حركتي فتح وحماس على مجمل الشروط التي تسمح لهذه الحكومة بالعمل بشكل يسمح بإنقاذ الأوضاع الفلسطينية المتدهورة. لقد جاء هذا الاتفاق بعد أن أدرك جميع الفرقاء في الساحة الفلسطينية أنه لا يمكن السماح بتواصل الأوضاع الراهنة على حالها في ظل استمرار الحصار الظالم على الشعب الفلسطيني، وما نجم عنه من تداعيات اقتصادية واجتماعية وأمنية بالغة الخطورة، وبروز خطر انهيار قطاع الخدمات بشكل كامل، لعدم توفر الميزانيات التشغيلية للوزارات الخدماتية، لاسيما وزارتي التعليم والصحة؛ ناهيك عن خطر الاقتتال الداخلي وإمكانية نشوب حرب أهلية تأكل الأخضر اليابس. وفي غمرة حالة الفلتان الأمني التي عصفت بالمجتمع الفلسطيني، والتي تولدت جراء تلكؤ الأجهزة الأمنية التي تتبع الرئيس الفلسطيني محمود عباس في أداء مهامها أملاً في إفشال الحكومة الحالية، وبسبب عدم نجاح وزارة الداخلية في بلورة سياسة أمنية قادرة على رفع مستوى الشعور بالأمن الشخصي لدى معظم الفلسطينيين. لقد كان هذا الاتفاق بعد أن وعت قيادة حركة حماس – وإن كان متأخراً - أنه لم يعد أمامها إلاّ أن تخسر في حال ظلت وحدها في الحكومة؛ بعد أن اعتقدت هذه الحركة أنه وفق برنامجها السياسي المعروف، يمكنها إدارة شؤون السلطة التي تفتقد لمقومات السيادة الحقيقية، والتي لدولة الاحتلال تأثير هائل على مسار الحياة فيها. لقد كان من الخطأ الافتراض أن تسمح دولة الاحتلال ومعها الولايات المتحدة وأوروبا وبعض الدول العربية الإقليمية لحكومة تتبنى برنامجاً سياسياً مثل الذي تتبناه حركة حماس أن تنجح في أداء مهامها. أحسنت حماس صنعاً بعدما وافقت على أن تتولى شخصية مستقلة تشكيل الحكومة الجديدة؛ وكما يبدو فقد تم الاتفاق على أن تتفرغ الحكومة للقضايا الداخلية، وتتجنب الانشغال في القضايا السياسية والمفاوضات مع الدولة العبرية، وهذا أمر لا يقلل من شأن الحكومة ودورها؛ لأنه كما هو واضح فإن أي مفاوضات مع دولة الاحتلال لن تؤدي إلى أي نتيجة في ظل حكومة التطرف التي يقودها أولمرت؛ من هنا فإن تفرغ هذه الحكومة للقضايا الداخلية أمر بالغ الأهمية. ومن الواضح أن البرنامج السياسي للحكومة سيوفر الظروف التي تسمح بزوال مسوغات مواصلة فرض الحصار على الشعب الفلسطيني، وسيحدث تصدعات كبيرة في الموقف الدولي المتشبث بفرض الحصار. ومرة أخرى من المهم تذكير الفرقاء في الساحة الفلسطينية بالقاعدة الذهبية القائلة "لا يكفي أن تكون محقاً، بل يجب أن تكون حكيماً أيضاً"، فلا يكفي الفصائل الفلسطينية تعبيرها كل صباح ومساء عن تشبثها بالحقوق الوطنية، بل أيضاً يجب التسلح بالحكمة السياسية اللازمة لتوفير الأرضية لمواصلة النضال من أجل تحصيل هذه الحقوق. وضمن ذلك العمل على تخفيف وطأة الظروف المعيشية البائسة التي يحياها مئات الآلاف من الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وإلى جانب الرهانات والآمال على تشكيل الحكومة الجديدة، فإن هناك العديد من المحاذير التي من الممكن أن تفقد هذه الخطوة أهميتها ومسوغات اتخاذها، فمثلاً في حال لم يرفع المجتمع الدولي الحصار الخانق عن الشعب الفلسطيني بشكل كامل ونهائي، وأخذت بعض الأطراف تحاول فرض مزيد من الإملاءات على الفلسطينيين، فإنه من الواضح أن هذه الحكومة لن تنجح. فقد شرعت حكومة أولمرت في حملة لنزع الشرعية عن الحكومة الجديدة قبل أن يُعلن عنها. وبدأ المسؤولون الإسرائيليون في حملة إعلامية لمحاصرة الحكومة القادمة، ومحاولة إقناع الأطراف الدولية بضرورة مواصلة فرض الحصار على الشعب الفلسطيني. من هنا يتوجب على الأمانة العامة للجامعة العربية أن تشرع فوراً في فحص مدى التزام الدول العربية بقرار الجامعة الأخير القاضي برفع الحصار عن السلطة الفلسطينية؛ لأن مثل هذه الخطوة بالغة الأهمية لإيصال رسالة قوية للولايات المتحدة وإسرائيل وبقية دول العالم، مفادها أن الحصار قد مات ولن تُبعث فيه الحياة من جديد. من ناحية ثانية، يتوجب على أبو مازن أن يراجع موقفه القائل بأن الحكومة الجديدة لن تشكل إلاّ في حال تمّ إنهاء قضية الجندي الأسير جلعاد شليط.. قد يُفهم أن يصدر مثل هذا الموقف من طرف إسرائيلي أو أمريكي، لكن لا يمكن تفهّم أن يصدر هذا الموقف عن رأس الهرم في السلطة الفلسطينية. فهذا الموقف يعني ممارسة الضغط على حركات المقاومة التي تأسر الجندي من أجل التسريع في إطلاق سراحه قبل أن تستجيب إسرائيل لمطالب حركات المقاومة العادلة والمنصفة بإطلاق سراح عدد كبير من الأسرى، مع العلم أن هناك إجماعاً وطنياً غير مسبوق خلف قضية الأسرى في سجون الاحتلال؛ وبالتالي فإن الجمهور الفلسطيني لن يقبل أن يأتي تشكيل الحكومة على حساب إطلاق سراح الأسرى. فمن المهم أن يتجند الجميع في الساحة الفلسطينية لدعم مطالب حركات المقاومة في كل ما يتعلق بإصلاح سراح الأسرى. لكن هذا لا يعني في المقابل ألاّ تدرس حركات المقاومة الاقتراحات التي تنقلها أطراف عربية، و الداعية إلى التوصل لصفقة شاملة تتضمن تبادل أسرى وتهدئة متبادلة، قد تساهم في جعل الجمهور الفلسطيني قادراً على التقاط أنفاسه.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر