موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
الدروس التي لم تتعلمها حركات المقاومة الفلسطينية

بنظرة للوراء، وبدراسة تاريخ الصراع بين الشعب الفلسطيني ودولة الاحتلال يتبين أن خيار المقاومة هو الخيار الوحيد الكفيل بزعزعة ثقة الإسرائيليين بإستراتيجية القوة التي يتبعونها في التعاطي مع الفلسطينيين وحقوقهم الوطنية؛ ولهذا الخيار كان الفضل في التسبب في إنهيار الإجماع الصهيوني حول سياسات الاحتلال والإستيطان، بعد أن دفع المجتمع الإسرائيلي ثمن سياسة الغطرسة التي أعمت حكام تل أبيب. لكن بقدر ما لهذا الخيار من دور حاسم في حماية القضية الوطنية الفلسطينية، بقدر ما يفرض الأمر على حركات المقاومة الفلسطينية المختلفة أن تستخلص العبر والدروس من تاريخ صراعها الطويل مع دولة الاحتلال وجيشها؛ بما يساعد على مراكمة عوائد للعمل المقاوم الفلسطيني؛ ويقلص قدرة دولة الاحتلال على الاستفادة من تفوقها التقني الهائل في المواجهة المتواصلة. وللأسف الشديد، فأن التجربة تدل على أن قدرة حركات المقاومة على استخلاص العبر من هذا التاريخ محدودة وتدعو للقلق. ونحن هنا بصدد التعرض لبعض العبر، نرى أنه كان يتوجب على حركات المقاومة استخلاصها :

أولا: الموازنة بين العمل المقاوم وردة فعل دولة الاحتلال المتوقعة عليه:

 بعد إنتهاء الحرب الأخيرة قال أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله أنه لو كان يدرك حجم ردة الفعل الإسرائيلية على قيام مقاتلي الحزب بمهاجمة موقعاً عسكرياً لجيش الاحتلال شمال فلسطين المحتلة، لما أمر بهذا الهجوم الذي أدى الى نشوب الحرب. نصر الله يقول هذا الكلام على الرغم من أن الإسرائيليين يعتبرون أنهم تعرضوا لضربة موجعة خلال هذه الحرب، والدليل على ذلك العدد غير المتناهي للجان التحقيق التي تحقق في أوجه قصور كل من حكومة الاحتلال وجيشها خلال الحرب. هذا المنطق للأمور يجب أن تتعلمه حركات المقاومة الفلسطينية أيضاً. فللأسف الشديد، فأن دولة الاحتلال تستغل قيام حركات المقاومة ببعض العمليات ذات النتائج المحدودة، من أجل زيادة سقف القمع الموجه ضد حركات المقاومة وضد الفلسطينيين بشكل عام. وحتى تكون الأمور أكثر وضوحاً، فأن إسرائيل تعد حالياً لشن حملة عسكرية واسعة على قطاع غزة بذريعة العمل على وقف أو تقليص عمليات إطلاق الصواريخ على مستوطنات النقب.لكن واضح أن اهداف هذه الحملة أكبر بكثير من مجرد تقليص اطلاق الصواريخ. فإسرائيل تخطط لتصفية أكبر عدد من قادة وعناصر حركات المقاومة بغية ضرب البنى التنظيمية لهذه الحركات، الى جانب المس ببنيتها العسكرية، على اعتبار أن هذه الحملة قد تطال معظم مناطق قطاع غزة دفعة واحدة. وتهدف الحملة أيضاً الى اعادة قطاع غزة الى ما قبل " فك الارتباط "، عبر اعادة السيطرة على الشريط الحدودي بين مصر وقطاع غزة والسيطرة مجدداً على معبر رفح، بحجة العمل على وقف عمليات تهريب السلاح والوسائل القتالية من مصر الى القطاع. وواضح تماماً أن اعادة السيطرة الإسرائيلية المباشرة على معبر رفح سيفاقم الأوضاع الإنسانية والإقتصادية والاجتماعية سوءاً في القطاع بشكل غير مسبوق. في نفس الوقت فأن دولة الاحتلال تهدف من تجريد حملة واسعة على القطاع الى تقليص سقف المطالب الفلسطينية في قضية الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شليط. الى جانب ارباك الأوضاع السياسية الداخلية، وتعميق الأزمة الداخلية. في نفس الوقت، فأن هذه العملية ستعيد زمام الأمور الى ايدي دولة الاحتلال بحيث أنه سيكون على الفلسطينيين دفع ثمناً لقيام جيش الاحتلال بالانسحاب من هذا المكان أو ذاك في قطاع غزة. من هنا فحري بحركات المقاومة وقبل قيامها بأي عمل مقاوم أن تأخذ بعين الاعتبار ردة الفعل الاسرائيلية عليه، وذلك ليس من أجل الغاء عملياتها المقررة والمخططة، بل حتى لا تفاجأ بردة الفعل الإسرائيلية وأن تعد العدة لها من أجل تقليص أثرها والتحوط لها على الوجه الأفضل.

ثانيا: ضعف التنسيق بين فصائل المقاومة:

 تلعب التباينات السياسية والأيدلوجية بين حركات المقاومة، دوراً اساسياً في ضعف التنسيق بينها أثناء مواجهة عمليات التوغل الإسرائيلية، وأحياناً ينعدم هذا التنسيق بشكل كامل. وما يبعث الأسى، أنه وعلى الرغم من مرور عقود طويلة على انطلاق المقاومة الفلسطينية؛ فأن الحسابات التنظيمية والحزبية الضيقة لازالت تلعب دوراً سلبياً وهداماً في ضبط بوصلة العمل المقاوم الفلسطيني. وقد استطاعت دولة الاحتلال استغلال ذلك، وبنت عليه خططها. ولعل أول نتيجة لضعف هذا التنسيق هو انعدام وجودة قيادة فلسطينية موحدة في المواجهات مع قوات الاحتلال، الأمر الذي بعثر طاقات حركات المقاومة خلال هذه المواجهات. ومن الأمور التي تعكس وزن الاعتبارات الحزبية الضيقة هو التناحر المخل بين الفصائل على تبني عمليات المقاومة.

ثالثاً: مكامن خلل ميدانية:

إلى جانب كل ما تقدم فأن هناك العديد من مكامن الخلل التي تتجلى في المواجهات الميدانية:

1-      على الرغم من أنه لا خلاف على أنه يتوجب على حركات المقاومة عدم خوض مواجهات مباشرة مع جيش الاحتلال بسبب التفوق النوعي والكمي الهائل لصالحه؛ فأنه في كثير من الأحيان ينجح جيش الاحتلال في استدراج حركات المقاومة الى مواجهة مباشرة، تسفر الى سقوط عدد كبير من المقاومين. ومن المؤسف أنه على الرغم من إدراك حركات المقاومة لخطورة الاشتباك مع جيش الاحتلال في مناطق مفتوحة، بسبب قدرة جيش الاحتلال على استغلال منظوماته المقاتلة المختلفة والتسبب في اصابات كثيرة في صفوف المقاومين، فأن الكثير من المواجهات تتم في مناطق مفتوحة. وغني عن القول أن إستراتيجية حرب العصابات هي الأنسب في مواجهة جيش الاحتلال.

2-  واضح أن جيش الاحتلال يعتمد في كثير من عملياته الموجعة ضد حركات المقاومة على معلومات استخبارية دقيقة ونوعية، ينجح في جمعها بوسائل مختلفة. من هنا فأنه يتوجب على حركات المقاومة أن تعمل على تقليص قدرة جيش الاحتلال على جمع مثل هذه المعلومات.

نقول ما تقدم فقط من أجل حماية مشروع المقاومة والحفاظ عليه كالخيار الوحيد القادر على احقاق الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، ويلحق الهزيمة النهائية بدولة الاحتلال.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر