موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
مبادرة أولمرت.........شروط ودوافع

يتوجب ألا يفترض أحد أن المبادرة السياسية التي أطلقها رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت مؤخراً حول استعداده للموافقة على قيام دولة فلسطينية هي مبادرة جادة؛ رغم حرصه على اضفاء أجواء من التفاؤل حيال فرص حل الصراع بين دولة الاحتلال والشعب الفلسطيني بالطرق السلمية. أولمرت تحدث عن استعداد إسرائيل لقبول تسوية على أساس إقامة دولة فلسطينية؛ وتفكيك عشرات المستوطنات؛ الى جانب إطلاق عدد كبير من الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال مقابل الإفراج عن الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شليط؛ ناهيك عن استعداده للإفراج عن مئات الملايين من الدولارات من عوائد الضرائب التي تحتجزها الدولة العبرية، وهي مستحقات للسلطة الفلسطينية. وقبل الخوض في الدوافع الحقيقية التي حدت بأولمرت بمفاجئة الجميع بعرض هذه المبادرة، فأنه من الأهمية بمكان أن نلفت الإنتباه الى أن ما ورد في ثنايا هذه المبادرة ينسف كل فرصة للتوصل لتسوية للصراع بناء عليها.وقد تجسد ذلك في الآتي:

أولاً: اعتبر أولمرت أن المدخل لأي تسوية سياسية للصراع مع الشعب الفلسطيني تقوم على أساس اعلان الفلسطينيين للتنازل عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين. واضح تماماً أن أولمرت الذي يطرح مثل هذا الإملاء كشرط مسبق للشروع في التفاوض حول مبادرته، يدرك انه لا يوجد أمل ولو ضئيل أن يعثر على طرف فلسطيني يمكن أن يقبل بهذا الشرط. فحتى بعض الأطراف الفلسطينية التي تبدي استعداداً لتقديم بعض التنازلات فيما يتعلق بحق العودة للاجئين، لا يمكن أن تقدم هذه التنازلات قبل الشروع في المفاوضات. مع العلم أن هناك اجماع فلسطيني واسع وكبير جداً حول ضرورة التمسك بحق العودة للاجئين. في نفس الوقت فأن السلطة الفلسطينية غير مخولة بتقديم أي تنازل بشأن حق العودة؟

ثانياً: شدد أولمرت على أن مبادرته تأتي في إطار خطة " خارطة الطريق "، وهذا يعني
أنه في الحقيقة لن يجد طرفاً فلسطينياً يمكن أن يتعاطى مع خطة " خارطة الطريق "، وفق الفهم الإسرائيلي لهذه الخطة. فحسب منطق القيادة الإسرائيلية فأنه يتوجب أولاً على الفلسطينيين القيام بالمرحلة الأولى من هذه الخطة، التي تنص على ضرورة قيام السلطة الفلسطينية بتفكيك جميع حركات المقاومة الفلسطينية العاملة في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ وجمع السلاح والوسائل القتالية من أيدي عناصر المقاومة الفلسطينية؛ واعتراف جميع الفصائل الفلسطينية بإسرائيل وحقها في الوجود؛ إلى جانب قيام السلطة الفلسطينية بمحاربة التحريض ضد دولة الاحتلال في مناهج التعليم والمؤسسات التعليمية والمساجد ووسائل الاعلام الفلسطينية؛ على اعتبار أن ذلك شرطاً إسرائيلياً للشروع في مفاوضات مع الفلسطينيين.

ثالثاً: طبيعة التركيبة الإئتلافية التي تتكون منها حكومة أولمرت لا يمكن أن تسمح له حتى بالشروع في مفاوضات حقيقية على خطة " خارطة الطريق "؛ رغم ما تحمله من إنجازات للدولة العبرية. فحكومة أولمرت تستند الى تأييد حزب " اسرائيل بيتنا " اليميني المتطرف الذي لا يمكن أن يسمح لأولمرت حتى بأدنى قدر من المناورة.

ورغم كل ما تقدم، فأن أولمرت وجد نفسه مضطراً لتقديم مثل هذه المبادرة للأسباب الآتية:

1-  يسعى أولمرت من خلال طرح هذه المبادرة للرد على الانتقادات التي توجه لحكومته في إسرائيل وفي الكثير من بلدان العالم من أنها لا تملك أفقاً سياسياً، بعدما أن قام أولمرت بقبر خطة " الإنطواء " أحادي الجانب، إثر انتهاء الحرب في لبنان. تدهور شعبية أولمرت كما تعكس ذلك بشكل قوي استطلاعات الرأي العام الإسرائيلية، جعله يشعر بأنه لم يعد هناك ما يخسره، وأن طرح هذه المبادرة يمكن أن يعيد له زمام المبادرة في الساحة الداخلية؛ رغم أن هذه المبادرة في الحقيقية لا يمكن أن تسمح بأي تقدم على طريق حل الصراع.

2-  يكتسب طرح مثل هذه المبادرات أهمية قصوى في ظل عجز الدولة العبرية عن حسم المواجهة مع حركات المقاومة الفلسطينية؛ وبعد أن تم تطبيق اتفاق التهدئة بين دولة الاحتلال وحركات المقاومة الفلسطينية. فأولمرت يحاول اقناع الجانب الفلسطيني بأنه في حال نجح اتفاق التهدئة، فأن هناك أفقاً سياسياً، وأنه من الأفضل للفلسطينيين أن يعلقوا رهانات على عوائد اتفاق التهدئة لاحقاً.

3-  يرى مقربو أولمرت أن طرح هذه المبادرة أصبح ملحاً في اعقاب خسارة الجمهوريين الأغلبية في الانتخابات الجزئية للكونغرس التي جرت مؤخراً. وحسب هؤلاء المقربين، فأن تل أبيب تفترض أن تشرع الإدارة الإمريكية في اعادة تغيير سياساتها في الشرق الأوسط، وعلى وجه التحديد في التعاطي مع القضية الفلسطينية. وحسب الدوائر القريبة من أولمرت فأن مبادرته الجديدة تأتي لمنع إدارة بوش من طرح أي مبادرة سياسية جديدة؛ أو على الأقل منعها من تأييد المبادرات التي شرعت دول الإتحاد الأوروبي في إطلاقها، سيما المبادرة الأسبانية الإيطالية الفرنسية، والتي دعت الى عقد مؤتمر دولي، ووافقت على الاعتراف بحكومة وحدة وطنية فلسطينية تشارك فيها حركة حماس.  من ناحية ثانية فأن أولمرت يسعى من خلال مبادرته هذه لاقناع الأمريكيين وغيرهم بتكثيف العمل ضد المشروع النووي الإيراني. فالكثير من دوائر صنع القرار في الدولة العبرية ترى أن طرح إسرائيل لمبادرة سياسية سيساعد العديد من الأطراف الدولية وحتى العربية بالمساهمة في الجهود الهادفة لإحباط المشروع النووي الإيراني.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر