موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
كيف تستثمر الأنظمة العربية الصراع الفلسطيني الداخلي ؟

لم يعد خاف على أحد الصور المتعددة التي تحاول بها بعض الأنظمة العربية التدخل في الصراع الداخلي المحتدم حالياً بين حركة حماس وحكومتها من جهة، والرئيس الفلسطيني محمود عباس وحركة " فتح " من جهة أخرى. فالأنظمة الحاكمة في مصر والأردن وبعض الدول الخليجية تصطف بشكل واضح الى جانب عباس وحركة " فتح "؛ عبر العمل المباشر وغير المباشر على اضعاف الحكومة الفلسطينية الحالية وصولاً إلى إسقاطها بواسطة لعب هذه الأنظمة دور واضح وجلي في محاصرة الحكومة إقتصادياً، وقطع المساعدات المالية عنها،  وفي حال قامت بتحويل بعض الأموال للسلطة، فأنها تشترط أن يتم ذلك عبر ديوان ابو مازن وليس عبر الحكومة ووزاراتها، كما هو الحال في الأوضاع الطبيعية. ناهيك عن مقاطعة الحكومة سياسياً ورفض استقبال رئيسها ووزرائها. لكن أخطر ما في الأمر، هو أن هذه الأنظمة تتجه نحو تشجيع نشوب حرب أهلية فلسطينية عبر مد ابو مازن والأجهزة الأمنية التابعة له بالكثير من السلاح من أجل تمكينه من حسم المواجهة مع حكومة هنية وحركة حماس. فليس سراً أن الأردن يقوم بتزويد الأجهزة الأمنية التابعة لأبو مازن بالسلاح والذخيرة بعد الحصول على إذن من الحكومة الإسرائيلية، كما أن مصر والأردن والإدارة الأمريكية ضغطت على إسرائيل من أجل السماح بتعزيز قوى الأمن الفلسطينية التابعة لعباس في قطاع غزة عبر استقدام المئات من عناصر لواء بدر الفلسطيني المتواجد حالياً في الأردن والزج بهم في قطاع غزة وذلك لرفد أبو مازن بقوى بشرية اضافية لضمان حسم المواجهة. ليس هذا فحسب، بل أن المصادر الإسرائيلية تشير الى أن بعض الدول الخليجية وافقت على تمويل تزويد الأجهزة الأمنية التابعة لابو مازن بإسلحة ثقيلة لضمان إيجاد تفوق نوعي في مواجهة حركة حماس. اللافت للنظر أن كل هذا يحدث بعد أن أصدرت الجامعة العربية قراراً برفع الحصار عن الحكومة الفلسطينية، بعدما بدا أن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية أصبح قاب قوسين أو أدنى.

تنطلق بعض أنظمة الحكم العربية من إفتراض مفاده أن نجاح تجربة حكومة حركة حماس سيشكل سابقة تؤثر إيجاباً على الحركات الإسلامية العاملة في البلدان التي تحكم فيها هذه الأنظمة، وهذا ما لا ترغب به طبعاً هذه الأنظمة. ومن ناحية ثانية، فأن هذه الأنظمة لا تخفي انزعاجها من العلاقة المتطورة بين حكومة حماس وكل من إيران وسوريا، بحيث أنها توافق عملياً على وصف كل من إسرائيل والإدارة الأمريكية لهذه الأطراف ب " محور الشر "، الواجب محاصرته.   لكن يمكن تفنيد هذه الحسابات والتدليل على شططها:

أولاً: أن الموقف الذي تتخذه الأنظمة العربية لا يمكن إلا أن يخدم تحديداً حركة حماس ويضر بأبي مازن. فموقف هذه الأنظمة ينسجم تماماً مع الموقفين الإسرائيلي والأمريكي، ناهيك عن أن جزءاً كبيراً من تعاطي هذه الأنظمة مع أبو مازن كان نتاج تنسيق مسبق مع الإدارة الأمريكية وتل أبيب. و الجمهور الفلسطيني كما هو الحال بالنسبة للجماهير العربية لا يمكنه أن يصطف الى جانب طرف يراهن عليه عدوا الشعب الفلسطيني اللدودان إسرائيل وأمريكا. والذي يجعل الجمهور الفلسطيني أكثر رفضاً للموقف الأمريكي الإسرائيلي العربي، هو حقيقة أن هذه الأطراف الثلاثة تشترط الاعتراف بشرعية أي حكومة فلسطينية بتنازلها عن أهم الثوابت الوطنية الفلسطينية. والدليل على ذلك هو أن استطلاعات الرأي التي تجريها الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية سراً والتي تقدم نتائجها لدوائر صنع القرار في الدولة العبرية تؤكد أن حركة حماس ستحقق فوزاً في أي انتخابات تشريعية قادمة على الرغم من الحصار الخانق المفروض على الشعب الفلسطيني. من هنا، فأن الأنظمة العربية التي اختارت الاستثمار في تعزيز قوة ابو مازن، فأنما اختارت الاستثمار في المكان الخطأ.

ثانياً: أن الأمر الذي سيحرج هذه الأنظمة أكثر من أي شئ آخر هو حقيقة الموقف الإسرائيلي. فهذه الأنظمة تتعاون عملياً مع اسرائيل وامريكا في التربص بالحكومة الفلسطينية، في الوقت الذي تغض الطرف عما تقوم به الدولة العبرية من مواصلة الاستيطان وقمع الشعب الفلسطيني والتنكر لحقوقه. والمؤسف أنه في الوقت الذي تتخذ فيه الأنظمة العربية هذا الموقف المعادي من حكومة حركة حماس التي لم تقم بأي تحرك ضد أي طرف عربي، فأنها تغض الطرف عن وجود وزراء في حكومة أولمرت يدعون الى تدمير السد العالي في مصر وفرض السيادة اليهودية على المسجد الأقصى وطرد الفلسطينيين وغيرها من المواقف الجنونية. في نفس الوقت فأن كل استطلاعات الرأي العام في اسرائيل تؤكد أن أي انتخابات اسرائيلية قادمة ستفرز حكومة لم يسبق لها مثيل من حيث التطرف والغلو في الموقف ضد الفلسطينيين والعرب، وعندها سيكون من المستحيل على الأنظمة العربية تبرير السلوك المعادي ضد الحكومة الفلسطينية.

ثالثاً: أن الموقف المناوئ الذي تتخذه هذه الأنظمة من الحكومة الفلسطينية سيمس أكثر بصدقيتها أمام جماهيرها، وسيؤدي الى إيجاد رأي عام عربي يعارض هذه السياسة. صحيح أن الأنظمة العربية لا تلقي بالاً للرأي العام العربي، لكنها لا يمكن أن تتجاهل هذا الرأي الى الأبد، سيما بعدما تتمكن حركة حماس من مواصلة ادارة شؤون الحكومة.

رابعاً: لا يمكن لوم حركة حماس وحكومتها على تطوير علاقتها مع ايران. فهل يعقل أنه في الوقت الذي توصد فيه الأنظمة العربية أبوابها أمام الحكومة الفلسطينية وتتواطأ في فرض الحصار على الشعب الفلسطيني، أن يجرؤ أحد ما على انتقاد هذه الحكومة على توجهها الى  ايران وطلب العون منها. فهل تسلم الحكومة الفلسطينية بالحصار من أجل أن يتحقق رهان تل ابيب وواشنطن، لمجرد ألا تشك الأنظمة العربية بعلاقة هذه الحكومة مع ايران؟. أن الحكومة الفلسطينية لم تتوجه الى ايران إلا بعد أن تبين لها أن الأنظمة العربية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الآلة التي تفرض الحصار على الشعب الفلسطيني.

وعليه فأن الأنظمة العربية تحسن صنعاً مع نفسها ومع شعوبها وأمتها ومع الشعب الفلسطيني في حال خرجت من المحور الأمريكي الإسرائيلي.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر