موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
ما سر الحماس الأمريكي الإسرائيلي للدولة الفلسطينية المؤقتة

فجأة ازدادت وتيرة الحديث الأمريكي الإسرائيلي عن فكرة إقامة دولة فلسطينية في حدود مؤقتة، كحل مؤقت للصراع القائم حالياً بين الفلسطينيين والإسرائيليين، إلا أن تتهيأ الظروف التي تسمح بالتوصل لحل دائم للمسائل الكبيرة التي تشكل القضية الفلسطينية، مثل القدس واللاجئين والمستوطنات، وغيرها. وحسب الفكرة الأمريكية الإسرائيلية المتبلورة بشأن الدولة المؤقتة، والتي تقوم كل من واشنطن وتل أبيب بعمليات جس نبض واسعة لمعرفة ردود الفعل الفلسطينية المختلفة حيالها، فأنها ستكون تجربة غير مسبوقة في التاريخ الحديث. وتقوم الخطة على اجراء مفاوضات بين إسرائيل وأبو مازن برعاية الإدارة الأمريكية والدول العربية " المعتدلة " تنتهي الى الاعلان عن هذه الدولة في الضفة الغربية وقطاع غزة مع بقاء معظم المستوطنات القائمة الحالية في الضفة الغربية في مكانها. ليس هذا فحسب، بل أن الإعلان عن هذه الدولة لن يمنع مواصلة البناء في هذه المستوطنات لتتعاظم ولتفرض المزيد من الحقائق على الأرض، كما أن إسرائيل ستواصل السيطرة على الحدود والمعابر الحدودية التي سيكون لهذه الدولة عليها تواجد رمزي غير ذي قيمة.

وحتى يتم تبرير نسف كل فرصة لتطوير هذا المشروع والانتقال به الى مرحلة الدولة الدائمة، فأن الإدارة الأمريكية وبعض مراكز صنع القرار في الدولة العبرية، وتحديداً وزيرة الخارجية تسيفي ليفني التي لا تخفي حماسها إزاء فكرة الدولة المؤقتة، يرون أنه بعد مرورة فترة زمنية محددة على الاعلان عن هذه الدولة، فأنه يتوجب إجراء انتخابات تشريعية فلسطينية، وفي حال اسفرت هذه الانتخابات عن فوز " المعتدلين "، أي حركة فتح والذين يتبنون خطها السياسي، فأنه يتم الشروع في مفاوضات حول قضايا الحل الدائم بناء على المرحلة الأولى من خطة " خارطة الطريق "، وفي حال فازت حركة حماس، فأنه يتوجب تجميد الأمور عن هذا الحد. لكن ماذا لو تحققت رهانات أمريكا وإسرائيل وفازت حركة فتح، فهل حقاً أن هذا سيقرب الفلسطينيين من الدولة الدائمة على جميع اراضي الضفة الغربية وقطاع غزة؟.

الإجابة القاطعة على هذا السؤال: لا كبيرة. فالمرحلة الأولى من خطة " خارطة الطريق "، لن تنتهي؛ لأنها تنص على أن تقوم السلطة الفلسطينية بتفكيك حركات المقاومة الفلسطينية ونزع سلاحها وربط السماح لهذه الحركات بالعمل السياسي بإعترافها بإسرائيل، الى جانب تعهد الحكومة الفلسطينية الجديدة بوقف كل ما تعتبره إسرائيل تحريض عليها في وسائل الاعلام وفي المساجد وفي المناهج الدراسية الفلسطينية. واضح تماماً أن أي حكومة فلسطينية لن تكون قادرة على الوفاء بمثل هذه المستحقات مهما أوتيت من قوة، ورغبة في التعاطي مع المخطط الأمريكي الإسرائيلي. وبالتالي تتحول المفاوضات بالنسبة للفلسطينيين مجرد عبث، لا طائل من ورائه، وفي نفس الوقت فأنه سيفتح المجال أمام إقتتال فلسطيني داخلي، لأنه قد يفكر بعض الفلسطينيين أنه تجدر محاولة تنفيذ اشتراطات المرحل الأولى من خارطة الطريق آنفة الذكر، من أجل منع الدولة العبرية من التهرب من الوفاء بتعهداتها، وهذا مما لا شك فيه سيكون وصفة لحرب أهلية فلسطينية.

لكن الأمر الذي لا خلاف عليه بين واشنطن وتل أبيب هو أنه لن يتم القيام بأي خطوة على صعيد فكرة الدولة المؤقتة إلا بعد اسقاط الحكومة الفلسطينية الحالية التي تشكلها حركة حماس؛ لأن الإتفاق على الإعلان عنها يتطلب وجود بيئة سياسية داخلية فلسطينية تسمح لأبو مازن بالتعاطي مع هذه الفكرة ايجابياً. ومع مرور الوقت يبدو المخطط الإسرائيلي الأمريكي لإسقاط الحكومة الفلسطينية واضح تماماً، ويقوم على ثلاثة آليات واضحة للعمل:

1-  مواصلة الحصار الاقتصادي على الشعب الفلسطيني في محاولة لدفع الجمهور الفلسطيني للثورة على الحكومة الفلسطينية وحركة حماس، على اعتبار أن التدهور في الأوضاع الإقتصادية ارتبط بفوز حماس في الانتخابات وتشكيلها الحكومة الحالية. مع  أن التجربة حتى الآن تدل على أن هذا الحصار لم ينجح في دفع معظم الفلسطينيين للتحول لتأييد حركة " فتح "، بحيث أنه حتى عندما يكون هناك بعض مظاهر خيبة الأمل من أداء حركة حماس، فأن هذا لا يعني أن حركة " فتح " ستستفيد منه.

2-  تكريس الحصار السياسي على الحكومة ومنعها من استغلال صور التعاطف والتضامن معها، كما حدث مؤخراً عندما قامت اسرائيل بمنع رئيس الوزراء الفلسطيني الفلسطيني إسماعيل هنية من نقل بعض أموال الدعم التي قام بجمعها الى داخل القطاع. وللأسف الشديد فقد تعاطت كل من الحكومة المصرية وابو مازن مع السلوك الإسرائيلي، عندما التزمت مصر لإسرائيل وبتأييد أبو مازن بمنع هنية أو أي من وزرائه بجلب أموال تساعد في تخفيف حدة الضغط الإقتصادي المفروض على الفلسطينيين في القطاع.

3-  استنزاف حركة حماس وحكومتها في الصراع الداخلي الفلسطيني عبر التحريض على التحرش بجهاز القوة التنفيذية التابع لوزارة الداخلية الفلسطينية، وعناصر حركة حماس. والذي يدلل على خطورة الدور الأمريكي في الفتنة الداخلية التي تشهدها الأراضي الفلسطينية هو حقيقة توجه الإدارة الأمريكية لاقناع الكونغرس برصد ميزانية ضخمة نسبياً لدعم الأجهزة الأمنية التابعة لأبو مازن، وقيام مصر بتزويد هذه الأجهزة بآلاف القطع من السلاح وكميات كبيرة من الذخيرة. والأدهى من ذلك أن الإدارة الأمريكية تطالب إسرائيل بأن يكون لها دور أكبر في التضييق على حكومة حركة حماس، وكأن ما تقوم به الدولة العبرية وما قامت به غير كاف. ويكفي أن نشير الى محضر اللقاء الذي جمع وزيرة الخارجية الأمريكية كوندليزا رايتس ووزير الشؤون الإستراتيجية الإسرائيلي افيغدور ليبرمان، خلال الزيارة السرية التي قام بها مؤخراً الى واشنطن والذي كشفت النقاب عنه وسائل الاعلام الإسرائيلية، حيث توجهت رايتس الى ليبرمان بشكل واضح وصريح طالبة منه أن تقوم إسرائيل ب " خنق " حركة حماس وحكومتها.

واضح تماماً أن فكرة الدولة المؤقتة هي فكرة مضللة، تنضم الى قائمة المشاريع التي تهدف لتصفية القضية الوطنية الفلسطينية دون أن يحصل الفلسطينيون حتى على الحد الأدنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية والمتمثل في إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس وحل عادل لمشكلة اللاجئين.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر