موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
حتى يؤسس اتفاق مكة لنظام سياسي فلسطيني جديد

لا شك أن الأغلبية الساحقة من الفلسطينيين قد تنفست الصعداء بعد إعلان إسرائيل عن فشل لقاء القمة الثلاثي الذي جمع الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت ووزيرة الخارجية الأمريكية كوندليزا رايس؛ فقد كان واضحاً أن معيار نجاح اللقاء بالنسبة لكل من الحكومة الإسرائيلية والإدارة الأمريكية مرتبط بمدى استجابة الرئيس أبو مازن لطلب تل أبيب وواشنطن التراجع عن إتفاق مكة، وتعطيل التفاهمات التي تم التوصل إليها بشأن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية. لكن كما تؤكد جميع الدلائل، فقد أوضح أبو مازن لكل من أولمرت ورايس بشكل لا يقبل التأويل أنه ليس وارداً لديه التراجع عن اتفاق مكة، إلى جانب عزمه على مواصلة الجهود لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية.  ومع ذلك، فأنه يتوجب التأكيد على أن ما شهده اللقاء الثلاثي ليس نهاية المطاف، ففي حكم المؤكد أن كلاً من الحكومة الإسرائيلية والإدارة الأمريكية ستواصلان الضغط على أبو مازن، وستوظفان كل آليات الإبتزاز من أجل التأثير على التزامه بإتفاق مكة، عبر اعتماد سياسة العصا والجزرة. من هنا، فأنه من الأهمية بمكان أن تعمل الحكومة الفلسطينية وحركة حماس وجميع ألوان الطيف الفلسطيني على دعم أبو مازن ورفده بكل مقومات الصمود على موقفه المعلن من إتفاق مكة. ولعل أهم خطوة يتوجب الإقدام عليها حالياً وبأقصى سرعة ممكنة هو تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، وإنهاء المفاوضات حول تشكيلها. فتشكيل حكومة الوحدة الوطنية بسرعة يحمل في طياته رسالة قوية، واضحة وحادة  لكل من الإدارة الأمريكية وإسرائيل، مفادها أنه يتوجب على العالم أن يتعامل الواقع الذي أرساه اتفاق مكة، فليس من حق أحد، أياً كان أن يحدد للشعب الفلسطيني طبيعة القيادة التي تقوده، سيما إذا كان الذين يعترضون على حكومة الوحدة الوطنية، هم ألذ اعداء الشعب الفلسطيني. سيؤدي تشكيل حكومة الوحدة الوطنية السريع الى قطع الطريق على كثير من الأطراف في الساحتين الدولية والإقليمية التي تحاول الإصطياد في المياه العكرة، ومحاولة دق الأسافين بين الفلسطينيين. وكما نقلت الإذاعة الإسرائيلية باللغة العبرية عن محفل في حاشية رايس، فأن الوزيرة الأمريكية عاقدة العزم على محاولة استغلال كل لحظة من أجل ثني أبو مازن عن تطبيق اتفاق مكة. من هنا فأنه سيكون من العبث، ألا يسارع الفرقاء في الساحة الفلسطينية إلى تشكيل حكومة الوحدة الوطنية بأقصى سرعة، ومن الأهمية التوقف عن قتل الوقت في الجدل حول توزيع المناصب الوزارية، إذ أن إتفاق مكة قد وفر الكثير من الجهد في هذا المجال. وبالنسبة للقضايا العالقة التي أبقاها اتفاق مكة، وهي تعيين نائب لرئيس الوزراء ووزير الداخلية في حكومة الوحدة، فأن الأمر لا يحتاج الى كل هذا الوقت، فمادامت حركتا فتح وحماس قد اتفقتا على الخطوط العامة لحكومة الوحدة الوطنية كما وردت في كتاب التكليف، فليس هناك مسوغ كبير لإضاعة الوقت في تحديد الأشخاص المرشحين لتولي منصبي نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية. من ناحية ثانية لا يمكن بحال من الأحوال تفهم المواقف الصادرة عن بعض القوى اليسارية في الساحة الفلسطينية والتي تبدي اعتراضها على كتاب التكليف، بالقول أنه تراجع عن وثيقة الوفاق الوطني. على الرغم من أنه من حق كل تنظيم فلسطيني بغض النظر عن حجمه أن يبدي موقفه من أي تطور على الساحة الفلسطينية، فأنه في المقابل يتوجب أن تعرض الأمور على حقيقتها. فقوى اليسار التي تشكل مجتمعة ستة مقاعد في البرلمان الفلسطيني تحاول ضمان تمثيل لها في الحكومة أكبر بكثير من حجم تمثيلها في البرلمان، عن طريق التظاهر بمعارضة كتاب التكليف، من أجل زيادة حصتها في الحكومة ومؤسساتها المختلفة. وهذه المواقف تدعو للأسف الشديد، ويتوجب على قادة اليسار أن يتجاوبوا مع الدعوات الصادرة عن حركتي فتح وحماس، وأن يتوقفوا عن اللعب بالأوراق الصغيرة. أما قضية الشراكة السياسية واعادة صياغة الأجهزة الأمنية على أسس وطنية ومهنية، فأنه يتوجب التعامل معها بكل جدية، لكن يجب عدم ربط الإعلان عن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية بالتوصل لإتفاق بشأن هذه القضية؛ فحكومة الوحدة بإمكانها وضع آليات متفق عليها لتطبيق الشراكة السياسية واعادة بناء الأجهزة الأمنية. ومن الأهمية بمكان التأكيد على أن الشراكة السياسية، لا تعني المحاصصة بين التنظيمات في توزيع المناصب في المواقع الحكومية الهامة، بل على العكس تماماً، يتوجب أن يتم وضع اعتبارات مهنية قائمة على المؤهلات والكفاءة والشفافية ونظافة اليد، وغيرها من الإعتبارات التي يؤذن اعتمادها بعهد جديد في المؤسسة الرسمية الفلسطينية. ولا خلاف على أنه يتوجب أن يشكل اتفاق مكة وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية مولد نظام سياسي جديد مغاير للنظام السياسي الذي تشكل بعد التوقيع على اتفاقيات أسلو، وهو النظام القائم على الشللية والقبلية، وغيرها من الأسس الواهية. أن التحديات التي تواجه الشعب الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال تفرض أن يقوم نظام سياسي صحي يشكل رافداً قوياً للفلسطينيين في نضالهم من أجل نيل حقوقهم المشروعة. ولا خلاف على أن دولة الاحتلال وكل القوى المتحالفة معها قد استغلت نقاط الضعف في النظام السياسي الذي تشكل بعد أوسلو من أجل تحقق مكاسب على حساب على الشعب الفلسطيني وقضيته. هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية، فأن على الفرقاء في الساحة الفلسطينية أن يتذكروا جيداً أن تشكيل حكومة الوحدة ليس نهاية العالم، فهناك مشروع تحرري يتوجب استكماله، فحكومة الوحدة الوطنية هي وسيلة وليست غاية بحد ذاتها.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر