موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
إسرائيل تمؤسس تهويد الأقصى

بخلاف الدعاية الإسرائيلية، فقد تبين أن عمليات الحفر التي تقوم بها سلطات الاحتلال عند باب المغاربة في الطرف الغربي من المسجد الأقصى المبارك تأتي في إطار مخطط صهيوني أوسع يهدف الى تهويد البلدة القديمة من القدس والحرم القدسي الشريف. وحتى تتضح الأمور، فأنه يتوجب الإشارة الى أن النخب الحاكمة في دولة الاحتلال تتعامل مع القرارات المتعلقة بالمسجد الأقصى، بنفس الآلية التي تتعامل بها مع القرارات المتعلقة بالبرنامج الذري والأجهزة الاستخبارية العبرية، بمعنى أن هذه القرارات تتخذ في سرية تامة، ويتم اشراك عدد مقلص جداً من الأشخاص في اتخاذ هذا القرارات، وتكاد تقتصر على رئيس الوزراء وعدد من طاقم مكتبه، وقادة الأجهزة الأمنية. من هنا، فأنه يتوجب على الأطراف العربية والفلسطينية توخي اقصى درجات الحذر في التعاطي مع التفسيرات الإسرائيلية الرسمية لما يجري في محيط المسجد الأقصى. والذي يدلل على أن الحفريات الحالية تندرج في إطار مخطط تهويدي أوسع، هو حقيقة أنها تأتي تحت إشراف منظمات " عطيرات كوهنيم "، وهي جماعة يهودية أخذت على عاتقها تهويد القدس المحتلة، وتحديداً المسجد الأقصى، وتقوم حكومة أولمرت بتوفير الغطاء السياسي والأمني لتنفيذ مخطط " عطيرات كوهنيم ". لقد كشفت وسائل الإعلام الإسرائيلية مؤخراً  تفاصيل بالغة الأهمية حول مخطط عطيرات كوهنيم بالتعاون مع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بشأن مواصلة مشروع التهويد، الذي يبلغ ذروته بطرد المسلمين من المسجد الأقصى، كما يقول يهودا عتصيون، زعيم جماعة " حاي فكيام "، اليهودية المتطرفة، والذي يلعب دوراً في عمليات التهويد. ويمكن هنا الإشارة الى آليات عمل الحكومة الصهيونية بالتعاون مع الجمعيات اليهودية المتطرفة والتي تؤكد أن إسرائيل قامت عملياً بمأسسة عملية التهويد الكامل للبلدة القديمة والأقصى، وذلك استناداً الى ما اقرت به وسائل الإعلام الإسرائيلية:

1-  نقلت صحيفة " هارتس " عن مصادر موثوقة في مكتب رئيس الورزاء الإسرائيلي ايهود اولمرت قولها أن مشروع الحفريات حول باب المغاربة يقع ضمن مخطط واسع لتهويد البلدة القديمة بأسرها.

2-  اقرار أوري زاموش، أحد قادة المستوطنين والذي تربطه علاقات خاصة بدوائر الحكم في الدولة، وأحد الذين أبرز الأشخاص المتورطين في المشاريع التهويدية أن أحد اهداف الحفريات أسفل الأقصى أن تؤدي الى انهيار أساساته في حال ضرب المنطقة زلزال، وبالتالي، فأن هذا يشكل رداً قوياً على الدعاية الإسرائيلية التي تزعم أن الحفريات تأتي لإغراض علمية تاريخية.

3-  الكشف عن مخطط اسرائيل لبناء كنيس يهودي على انقاض مبنى المحكمة الشرعية الإسلامية الواقعة عند الطرف الشمالي من الحرم القدسي الشريف، بالقرب من باب القطانين.

4-  قيام الجمعيات اليهودية التي تنشط في مجال التهويد بحملات لجمع التبرعات من يهود العالم، سيما في كل من امريكا وكندا واستراليا لشراء أكبر عدد من منازل الفلسطينيين في البلدة القديمة، سيما المنازل المهجورة، حيث تتعاون مؤسسات الحكم المختلفة في تسهيل عملية تزييف الأوراق المتعلقة بملكية هذه المنازل، وذلك بالتعاون مع بعض السماسرة الفلسطينيين من العملاء المرتبطين بأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية المختلفة. ويقف على رأس الأثرياء اليهود الذين يتبرعون للمشروعات التهويدية، المليارد اليهودي يوسيف جوتنيك من استراليا، والملياردير اورفينغ ميسكوفتيش، وايري رينات، وكلاهما من الولايات المتحدة. اللافت للنظر أن الجمعيات الإستيطانية تحاول إغراء الفلسطينيين الذين يقطنون في محيط المسجد الأقصى من أجل دفعهم لبيع منازلهم لها مقابل الحصول على أموال ضخمة نسبياً. الذي يغري المتطرفين اليهود بهذه المحاولات هو حقيقة أن الفلسطينيين الذين يقطنون في هذه المناطق هم من الفقراء والمعوزين، والذين تفرض عليهم سلطات الاحتلال ضرائب باهظة في محاولة لدفعهم لترك المكان.

5-  ثبت بشكل قاطع أن عدداً من المنظمات الإرهابية اليهودية حاولت استغلال المنازل التي يتم شراؤها في محيط الأقصى من أجل تنفيذ عمليات ارهابية تخريبية ضد الأقصى، حيث أنه حسب ملفات جهاز المخابرات الاسرائيلية الداخلية " الشاباك "، فقد اقر بعض الارهابيين اليهود أنهم خططوا لاستخدام هذه المنازل في التسلل الى قلب الأقصى لتنفيذ عمليات ارهابية داخله.

6-  ازدياد الضغوط على مؤسسة الحاخامية الكبرى في إسرائيل لإلغاء الفتوى التي اصدرتها بعيد حرب العام 1967 والتي حظرت بموجبها على اليهود الصلاة فوق المسجد الأقصى، بحجة أن المسجد مقام على رفات انبياء وملوك اليهود، وأن الصلاة لا يجب أن تتم، إلا بعد يتم بناء الهيكل المزعوم مرة ثالثة. مع العلم أن عدداً من التيارات اليهودية الدينية لا تأخذ بهذه الفتوى وتسمح لأعضائها بمحاولة التسلل الى الحرم وأداء الصلاة فيه.

7-  الى جانب الخطوات العملية، فأن الحكومة والأحزاب الإسرائيلية توفر غطاءاً سياسياً لعملية التهويد. فنائب رئيس الوزراء الإسرائيلي افيغدور ليبرمان زعيم حزب " اسرائيل بيتنا "، يضع على رأس أولوياته فرض السيادة الإسرائيلية على المسجد الأقصى بكل ما تعني هذه الكلمة. في نفس الوقت تبين أن قطاعات واسعة في اليسار الصهيوني تدافع بحماس لافت عن المشاريع التهويدية. في نفس الوقت، فأنه من الأهمية بمكان أن نشير الى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ايهود براك اليساري هو أول رئيس وزراء يضع قضية السيطرة اليهودية على المناطق الواقعة أسفل المسجد الأقصى على جدول الاعمال السياسية في مؤتمر كامب دفيد أواخر العام 1999.

8-  ولا يمكن تجاهل الدور الأمريكي في المشاريع التهويدية التي تتم حالياً في الأقصى والبلدة القديمة، فتمويل هذه المشاريع يتم من قبل ومؤسسات ورجال أعمال يهود في الولايات المتحدة، ويستغلون القوانين الأمريكية التي تسمح بإعفاء تلك المؤسسات ورجال الأعمال هؤلاء من دفع الضرائب في حال قيامهم بالتبرع لهذه المشاريع التهويدية. أن الولايات المتحدة التي شنت ومازالت حملة شرسة ضد الأنشطة المالية للجمعيات الإسلامية الخيرية في جميع ارجاء العالم، لا تغض الطرف فقط عن الأنشطة التهويدية الإجرامية، بل أن قوانينها تشجعها.

المؤسف أنه في ظل كل هذه الهجمة، فأن الجهات العربية الرسمية تتعامل بدون أدنى قدر من المسؤولية إزاء الأقصى والمخاطر المحدقة به. بل أن بعض الأطراف العربية يتوافق مع اسرائيل في ابقاء الحصار على الشعب الفلسطيني، متجاهلاً الجرائم الصهيونية البشعة ضد القدس والأقصى.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر