موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
صناعة القرار في حماس

خلال العامين الماضين اتخذت حركة حماس العديد من القرارات الهامة والتي أفضت الى تطورات تاريخية تركت بصماتها على مسيرة الحركة، فقد شاركت حماس في الإنتخابات التشريعية الفلسطينية لأول مرة لتسفر هذه الانتخابات عن فوزها بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي، وبالتالي تشكيلها الحكومة الفلسطينية، ولتكون أول حركة اسلامية تصل للحكم عن طريق الانتخابات. وبعد ذلك قررت الحركة قبول وثيقة الوفاق الوطني التي أصدرها عدد من قادة الأسرى الفلسطينين في سجون الاحتلال، والتي تضمنت الموافقة على اقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وغيرها من البنود التي لا تتفق مع ما جاء في ميثاق الحركة، وبعد ذلك وقعت الحركة على اتفاق مكة مع حركة فتح، الذي جاء تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، والذي تقرر خلاله تشكيل حكومة الوحدة الوطنية. فكيف تتم عملية صنع القرار داخل حركة حماس وكيف يتم انضاج هذه العملية ؟؟. الإجابة على هذا السؤال غير سهلة على الرغم من أن الحديث يدور عن حركة وصلت للسلطة، وتمارس الحكم. والذين تحدثنا معهم من قادة ومسؤولي حركة حماس رفضوا الخوض في الكثير من التفاصيل المتعلقة بعملية صنع القرار. ويقول الدكتور عاطف عدوان وزير شؤون اللاجئين، أحد قيادات الحركة، والمحاضر سابقاً في قسم العلوم السياسية أنه لا يمكن الكشف عن الكثير من التفاصيل المتعلقة بعملية صنع القرار على اعتبار أن الحركة لازالت مستهدفة من قبل إسرائيل والولايات المتحدة، وبالتالي، فأن أحداً في حركة حماس ليس مستعد للتطوع لتقديم معلومات يبحث عنها الإسرائيليون والأمريكيون وكل من يريد التربص بالحركة.

لكن عدوان يشير الى أن عناصر حركة حماس في كل منطقة يقومون بشكل دوري بإنتخاب قيادة للمنطقة، ويضيف أن جميع القرارات الهامة التي تتخذها الحركة يشارك في اتخاذها المستوى القيادي، الذي يبدأ من قادة المناطق وانتهاءاً بأعضاء المجلس الشوري و المكتب السياسي للحركة. وينوه الى أن القرارات المتعلقة بالشؤون التنظيمية، والشؤون الحياتية المتعلقة بالمناطق والأقاليم، يتم اشراك قاعدة الحركة فيها، حيث تشارك الأسر التنظيمية  داخل الحركة في اتخاذ القرارات، مشدداً على أن رأي القاعدة غير ملزم، وهو استشاري فقط. من ناحيته يقول الدكتور يحيى موسى نائب رئيس كتلة حركة حماس في المجلس التشريعي الفلسطيني أن لكل جماعة رؤيتها الديموقراطية ونموذجها الديموقراطي الخاص بها الذي ترى أنه يناسب ظروفها. و يشدد موسى على أنه عند التطرق لآليات صنع القرار في أي تنظيم أو جسم ما، فأنه يتوجب مراعاة خصوصية هذا التنظيم. وينوه الى أن حركة حماس هي جزء من الحركة الاسلامية العالمية، ولها مرجعيتها الأيدلوجية ومرجعيتها السياسية، وتتعاطى بالسياسة وفقاً لهذه لرؤاها الأيدلوجية والسياسية.  ويضيف موسى أن ظروف الجغرافيا والاحتلال قسمت المناطق حسب عملية صنع القرار في حركة حماس الى اربعة مناطق: قطاع غزة، الضفة الغربية، السجون، الخارج.  ويضيف موسى أنه في كل منطقة من هذه المناطق هناك مجلس شورى خاص ومكتب سياسي خاص بها، مشيراً الى أن هناك مجلس شورى عام لجميع المناطق. لكن موسى ولا أي احد من قادة حركة حماس يبدي استعداداً أن يقدم معلومات تتعلق بعدد اعضاء مجلس الشورى وكيفية انتخابه، ومكان اجتماعه، وآليات المداولات، وهوية اعضائه، واماكن تواجدهم وغيرها من التفاصيل، وذلك بسبب الوضع الامني، وحتى لا يتم استهداف اعضاء هذه المجالس.

 وينوه موسى الى أن اتخاذ القرارات داخل مؤسسات حركة حماس الشورية تتم بشكل توافقي، وليس عن طريق قرار الأغلبية، واصفاً هذه القرارات بأنها تميل الى تحقيق أكبر قدر من الإجماع داخل صفوف الحركة. ويضيف أنه لو افترضنا أن قيادة حماس في السجون كان لها رأي مخالف لرأي بقية المناطق الثلاث الأخرى، فأنه لا يتم الأخذ برأي المناطق الثلاثة بشكل تلقائي، بل بذل أقصى درجة من أجل التوصل لقرار موحدة ومستقل، لضمان تماسك الحركة ووحدتها. ويضيف موسى أنه في أي قرار تتخذه الحركة، فأنها تراعي البيئة الداخلية والأقليمية والدولية، لكن في كل الأحوال، فأن الاعتبارات التي تحكم الحركة هي الاعتبارات الوطنية الفلسطينية، وهي تقيم علاقاتها مع جميع الأطراف بناء على تقديرها لحجم العوائد الإيجابية على المصلحة الوطنية الفلسطينية.

يضرب عدوان مثالاً على اتفاق مكة كأحد النماذج لعملية صنع القرار في الحركة، منوهاً الى أن التحضيرات للتوصل لتوافق مع حركة فتح يفضي الى تشكيل حكومة وحدة وطنية بدأت قبل مدة طويلة قبل انعقاد لقاء مكة، حيث حددت المؤسسات الشورية في الحركة سقف الحد الأعلى وسقف الحد الأدنى من المطالب التي تصر عليها الحركة في أي تسوية، بحيث تشكل المساحة بين الحدين مجالاً للمناورة لمن يتولون عملية التفاوض.

إبراهيم ابو الهيجا الباحث الفلسطيني المهتم بشؤون الحركات الإسلامية يرى أن عملية اتخاذ في حركة حماس لا تتم بالشكل النموذجي، لأنها تأتي في ظروف أبعد ما تكون عن العادية، لذلك فأن الحركة ترى نفسها مجبرة على انضاج الكثير من قرارتها تحت وطأة هذه الظروف. وينوه الى أن قيود الجغرافيا والظروف الأمنية القاهرة فرضت على حماس اتخاذ القرارات بشكل توافقي، وتحت ضغط عامل الوقت والظرف الأمني. وحول جدلية وزن الداخل والخارج في إتخاذ القرار في حركة حماس، يرى ابو الهيجا أنه حدث تطور هام على هذا الصعيد. وينوه الى أنه في الماضي كان ثقل قيادة الخارج أكبر في عملية صنع القرار، لكن الآن، فأن الداخل والخارج يقفان عند نفس المستوى من التأثير، وفي بعض الأحيان قد يكون للداخل قدر أكبر من التأثير. ويضيف أن هذا التطور طبيعي بسببب طبيعة التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجها الحركة بعد فوزها في الانتخابات، والتي تواجهها حماس الداخل وحدها. ويشير الى أنه بإمكان قيادة الداخل في حماس أن تلعب دوراً أكبر في صنع القرار الخاص بالحركة، لولا غياب قيادات كاريزماتيه في الداخل، مشيراً الى أن عمليات الاغتيال التي قامت بها اسرائيل ضد قيادات الحركة حرمتها من معظم قياداتها الكاريزماتية، مثل الشيخ احمد ياسين وخلفه الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، والدكتور ابراهيم المقادمة، وصلاح شحادة، واسماعيل ابو شنب. وينوه الى أنه مع ذلك، وبسبب تعاظم التحديات التي باتت حماس الداخل تواجهها، فأن هذا أكسب أهمية خاصة للإعتبارات التي تقدمها حماس الداخل، بحيث تشكل هذه الاعتبارات خلفية هامة للقرارات التي تتخذها الحركة. فحماس الداخل هي التي ستدفع ثمن أي قرار يتم اتخاذه من قبل الحركة،. ويشدد على أن الاعتبارات التي تستند اليها حماس الداخل في تقديمها لاقتراحاتها المتعلقة بهذا القرار أو ذاك، هي الاعتبارات التي ينظر اليها على أنها الاعتبارات الأقرب للواقع. ويضيف ابو الهيجا الى أن قيادات حماس في الداخل والخارج تكثر من طلب الإستشارات من مراكز الأبحاث والباحثين والنخب المثقفة، لكنه يرى أن القرارات تتخذ في إطارات سرية، وهذا يقلص من تأثير الجهات الاستشارية. ويشير ابو الهيجا الى أن انتقال حماس للسلطة يفرض عليها أن تولي أهمية كبرى للإستماع لمزيد من الآراء، مشيراً الى أنه بإمكان حماس عقد مؤتمرات عامة لمناقشة القرارات التي هي بصدد اتخاذها وتقديم مسوغات لها. ويشدد ابو الهيجا على أن الحاجة لتوسيع دوائر الاستشارة داخل حماس باتت كثر الحاحاً في زمن انتقال الحركة الى ساحة العمل السياسي، معتبراً أن الأخطاء الناجمة عن العمل العسكري قد يمكن تداركها والتقليل من تأثيرها، لكن الخطأ في مجال الإجتهادات السياسية قد يؤدي الى تلقي الحركة ضربة قوية وموجعة، وقد يتضرر معها جموع الشعب الفلسطيني.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر