موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
هل شذ بن اليعازر عن القاعدة عندما قتل اسرى الحرب المصريين؟

لا جديد في فيلم " روح شكيد "، الوثائقي الذي بثته القناة الأولى في التلفزيون الإسرائيلي مؤخراً ، والذي أثبت قيام وزير البنى التحتية الإسرائيلي الحالي بنيامين بن اليعازر، وأحد قادة حزب العمل، بإصدار أوامر لجنوده، كقائد للواء " شكيد "، أحد ألوية المشاة المختارة في جيش الاحتلال، في نهاية حرب العام 67، بقتل 250 من أسرى الحرب المصريين بعد استسلامهم. فمن المستهجن أن يؤدي هذا الفيلم تحديداً الى إثارة ردود الفعل في الشارع العربي، وتحديداً في مصر، ليس لأن دماء أسرى الحرب المصريين هؤلاء رخيصة – لا سمح الله – بل لأن قادة جيش الاحتلال مردوا على قتل أسرى الحرب العرب والفلسطينيين في الحروب التي خاضتها دولة الاحتلال ضد الأمة العربية، وهذه هي تحديداً القاعدة التي تحكم السلوك الإجرامي الصهيوني أثناء الحروب. فحسب الوثائق البريطانية الرسمية، والتي أكدها العديد من المؤرخين الجدد الصهاينة، أنه خلال حرب العام 1948 قام كل من اسحاق رابين الذي كان يتولى قيادة أحد ألوية الجيش الاسرائيلي ويغآل ألون الذي كان يتولى قيادة المنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال بإصدار تعليماتهما بقتل المئات من الجنود المصريين والعراقيين وغيرهم من المتطوعين العرب بعد استسلامهم. وفي كتابه " طرد الفلسطينيين، مفهوم الترانسفير في الفكر والتخطيط الصهيوني "، يشير المحقق الفلسطيني الدكتور نور الدين مصالحة الى أن وزير الحرب الصهيوني الأسبق موشيه ديان، عندما كان قائداً لكتيبة 89 في الجيش الإسرائيلي سمح لجنوده في يومي 29-30 تشرين اول من العام 1948، بإجتياح قرية الدوايمة الواقعة الى الجنوب من مدينة الخليل أقصى جنوب الضفة الغربية، وقتل جميع رجالها، في حين اغتصبت بعض النساء، وبعد ذلك تمت ازالة القرية عن الوجود. ومع ذلك فأن هؤلاء الثلاثة تبوءوا فيما بعد أرفع المناصب في الدولة العبرية وتعامل معهم العالم، بل ووقع معهم بعض العرب معاهدات سلام وتم استقبالهم بالورود في بعض العواصم العربية. أن القتلة الصهاينة لم يستهدفوا اسرى الحرب من الجنود فقط، بل استهدفوا المدنيين المسالمين. ففي مجزرة دير ياسين التي امر بتنفيذها مناحيم بيغن في 9-4-1948، قامت العصابات الصهيونية بقتل المئات من الأهالي المسالمين في القرية، في حين تم اغتصاب طالبات المدارس، كما تؤكد ذلك لجنة التحقيق التي شكلتها سلطات الانتداب البريطاني التي حققت في ذلك. وذكرت صحيفة " هآرتس " في تحقيق نشرته بتاريخ 7-4-1989، وقام به المؤرخ بن فيرد بالحرف الواحد "  بعد انسحاب الجنود من القرية شوهدت عشرات الجثث بلا رؤوس، وعثر على كثير من النساء داخل بيوتهن وأجسادهن مخرمة بطلقات نارية، وقد انبعثت من الجثث غير المدفونة راحة كريهة ". ويذكر مناحيم بيغن في كتابه " التمرد " أنه قام بإرسال رسالة شكر الى القادة والجنود الذين شاركوا في تنفيذ المجزرة في دير ياسين، واصفاً هذا الفعل الجبان ضد العزل من المدنيين القرويين الفلسطينيين ب " الإنتصار الرائع ". وفي حرب العام 1956، يذكر المؤرخ العسكري الإسرائيلي اهارون بروم أن قائد سلاح المظليين في جيش الاحتلال في ذلك الوقت، الجنرال ارئيل شارون أمر بقتل المئات من الجنود المصريين بعد استسلامهم. وقام التلفزيون الإسرائيلي أوائل الثمانينيات بعرض افلام وثائقية ومقابلات صحافية مع جنرالات وجنود في جيش الاحتلال خدموا في حرب العام 1956، حيث أكدوا فيها أن اعدام أسرى الحرب كان أمراً مألوفاً بالنسبة للعسكرية الإسرائيلية. وفي حرب العام 1967 لا يحتاج المرء الى شهادات الإسرائيليين والأفلام الوثائقية التي ينتجونها، فيكفي التوجه للفلسطينيين في قطاع غزة الذين شاهدوا بأم أعينهم كيف كان الجنود يطلقون الرصاص على رؤوس الناس في شوارع المدن والمخيمات بدون أي مسوغ، فقد من أجل أن يدب الرعب والفزع في نفس الجمهور الفلسطيني.

الدم معيار للترقيات والإصطفاء:

أن ما يدلل على العلاقة العضوية بين الكيان الصهيوني وجرائم الإبادة والقتل، هو ما كشف عنه الصحافي الإسرائيلي البارز بن كاسبيت حول الأسباب الذي حدت برئيس الوزراء الإسرائيلي السابق ارئيل شارون الى تعيين الجنرال مئير دجان في منصب رئيس جهاز جهاز الاستخبارات الإسرائيلية للمهام الخارجية " الموساد ". فقد أكد بن كاسبيت، المعلق السياسي لصحيفة " معاريف "، ثاني أوسع الصحف العبرية انتشاراً في إسرائيل  بتاريخ 21-1-2007 أن شارون رد على بعض معاونيه الذين انتقدوا قيامه بتعيين دجان في هذا المنصب، قائلاً " دجان يجيد أفضل الطرق لفصل رأس العربي عن جسده ". وذكر كاسبيت أن دجان كان قائد وحدة " ريمونيم "، التابعة للواء المظليين في الجيش الإسرائيلي في مطلع السبعينات والتي كانت تتمركز في قطاع غزة، في حين كان يشغل شارون منصب قائد المنطقة الجنوبية، وكان مسؤولاً عن دجان وقواته. واكد بن كاسبيت الشهادات التي ادلى بها الكثير من الفلسطينيين الذين عايشوا تلك الفترة، حيث أكد أن عناصر وحدة " ريمونيم " كانوا يضعون جثث الفلسطينيين في حاويات النفايات بعد قتلهم.ويكفي هنا أن نشير هنا الى ما حدث مع ايهود ياتوم، الذي كان في العام 1984 قائداً لشعبة العمليات في جهاز المخابرات الداخلية الإسرائيلية " الشاباك "، وكان مسؤولاً عن عملية لإطلاق سراح رهائن إسرائيليين اختطفهم مقاومان فلسطينيان من عناصر " الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين "، وبعدما سيطر ياتوم وجنوده على المقاومين اثر استسلامهما، وبعدما التقطت الصحافة الاسرائيلية صوراً للمقاومين وهما يرفعان ايديهما للاعلى مستسلمين، اقتاد ياتوم الاثنين الى احد بساتين البرتقال المجاورة وقام بتحطيم جمجمتيهما بحجر كبير. وقد اعترف ياتوم بذلك أمام الملأ، وعفت عنه الدولة، وبسبب هذه الجريمة البشعة حظي بشعبية كبيرة ساهمت في انتخابه كعضو كنيست عن حزب الليكود اليميني. ولا نريد هنا أن نعود هنا الى رئيس الوزراء الاسرائيلي الأسبق ايهود براك الذي كان يذكر الناخبين اليهود بأنه كان يطلق الرصاص على مؤخرة رؤوس المقاومين الفلسطينيين ولا يتركهم، إلا بعد أن يشاهد بياض عيونهم وهو يتطاير في الفضاء.

 

قصارى القول أن المرء لا يمكنه إلا أن يحيى الهبة الوطنية المباركة التي يقوم بها احرار مصر الذين يطالبون بمحاكمة الارهابي بن اليعازر، وهي الهبة التي دفعته الى تأجيل زيارته لمصر. لكن من المهم أن يتم تحويل هذه القضية الى قضية وطنية وقومية من الطراز الأول، بحيث أن هناك مستند وثائقي يقر فيه جنود وضباط اسرائيليون بأن بن اليعازر أمرهم بقتل اسرى مصريين. أن أبسط مقتضيات الكرامة الوطنية تفرض على النظام الحاكم في مصر التحرك لمعالجة هذا الملف، وعدم استقبال هؤلاء السفاحين، على الأقل حياءاً من دماء المظلومين الذين سالت دماؤهم بسبب سادية بن اليعازر واجرامه. يتوجب فتح ملفات جميع القتلة من قادة دولة الاحتلال.  لكن في نظرنا أن الاستحقاق الأهم الذي على مصر خاصة والدول العربية بشكل عام أن تقوم به، هو عدم المساهمة بتكريس المعايير المزدوجة التي تمليها اسرائيل وامريكا، وأن تتوقف الأنظمة العربية عن المساهمة في محاصرة الحكومة الفلسطينية المنتخبة لأن حركة حماس تشارك فيها، على  اعتبار أن حماس حركة ارهابية حسب العرف الاسرائيلي الأمريكي. أن الذي يريد الانتصار لدماء الأسرى المصريين الذين ذبحوا غدراً على يد بن اليعازر، عليه أن يوجع دولة البغي بفك الحصار عن الشعب الفلسطيني الذي يفرضه بن اليعازر ومن حوله من القتلة.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر