موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
مآزق حماس بعد تشكيل حكومة الوحدة

لا يحتاج المرء أن يكون على إطلاع كبير بما يجري من خلف الكواليس، حتى يدرك بسرعة أن ثمة خلافات عميقة في الرأي داخل الأوساط القيادية في حركة حماس بشأن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية ومستقبل عمل الحركة بعد ذلك؛ سيما بعدما عبر عن ذلك بشكل واضح وزير الشؤون الخارجية السابق والقيادي في الحركة محمود الزهار، الذي أخذ يطلق التصريحات النارية ضد حكومة الوحدة الوطنية. هناك من يقول أن إنتقادات بعض قيادات حماس لتشكيل حكومة الوحدة، أنما تأتي لإعتبارات شخصية، حيث أن هذه القيادات فقدت مواقعها داخل الحكومة بتشكيل حكومة الوحدة، وبالتالي فهي تنتقد الخطوة وتشكك في صوابها لأنها تضررت من ذلك. أنا من أولئك الذي يزعمون أن هذه بالفعل إحدى الإعتبارات التي تحرك هذه الإنتقادات، فهذه القيادات تتجاهل الظروف التي سبقت تشكيل حكومة الوحدة الوطنية. فتشكيل الحكومة الذي جاء بعد التوقيع على اتفاق مكة قد أوقف – وأن لم يكن بشكل نهائي – شلال الدم الفلسطيني الذي سال في المواجهات الدامية وغير المسبوقة بين حركتي فتح وحماس، والذي كان يؤذن بإنيهار المشروع الوطني الفلسطيني مرة وللأبد.  هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية، فأن تشكيل حكومة الوحدة قد جاء بعد أن أصبح في حكم المؤكد أن الحكومة السابقة كانت ستبقى عاجزة في ظل الظروف المحلية والإقليمية والدولية السائدة عن القيام بواجباتها وإلتزاماتها إزاء الجمهور الفلسطيني، وقد كانت هذه القيادات تتبوأ مواقع قيادية في الحكومة السابقة، ومع ذلك فهي كانت جزءاً من منظومة العجز داخل الحكومة، مع أنه أصبح من الممجوج التذكير بأن عجز الحكومة ناجم عن الحصار الدولي الخانق والظالم، إذ أن هذا لا يعفي أي حكومة من واجباتها.

ومع ذلك، فأن هذا لا يعني أن قائمة التحديات التي تواجه حركة حماس قد تقلصت بتشكيل حكومة الوحدة، على العكس، فأن هناك مؤشرات على أن هذه التحديات قد تتعاظم، ومن ضمن التحديات التي يتوجب على حركة حماس أن تحاول مواجهتها:

1-  حتى الآن وعلى الرغم من أن مؤتمر القمة العربية الذي شاركت فيه السلطة الفلسطينية بوفد يضم الرئيس ابو مازن ورئيس الوزراء اسماعيل هنية، فأنه لا يوجد دلائل على أن العالم العربي جاد في توجهه لرفع الحصار عن الشعب الفلسطيني. ومما لا شك فيه أن أهم خطوة كان يتوجب على القمة العربية الأخيرة أن تحرص على تنفيذها هي رفع الحظر على تحويل الأموال الى مناطق السلطة الفلسطينية، إذ أنه ما الفائدة من تخصيص العرب الدعم المالي للسلطة الفلسطينية، دون أن يضمنوا وصول هذا الدعم بشكل مباشر الى خزانة السلطة. وواضح تماماً أن أحد أهم الرهانات على تشكيل حكومة الوحدة الوطنية هو أن تؤدي هذه الخطوة الى استئناف تقديم الدعم المالي للسلطة.

2-  الإنتقائية التي تتعامل بها معظم دول الإتحاد الأوروبي في التعامل مع وزراء الحكومة الجديدة، فتقاطع وزراء حماس، وتتواصل مع الآخرين. يتوجب عدم التسليم بهذا النهج، إذ أنه يعني أنه سيكون هناك عملياً حكومتين، حكومة تحظى برضى المجتمع الدولي، وحكومة مقاطعة. وهناك خوف من أن يعتمد بعض الوزراء الذين تبدي أمريكا وأوروبا حماساً للإلتقاء بهم، سياسة مستقلة عن سياسة الحكومة وبدون التنسيق مع رئيس الوزراء، وسيكون لهؤلاء صدقية ما في حال نجحوا في جلب دعم مالي. وعلى صعيد آخر هنا يكمن إختبار القادة العرب الذين حضروا القمة أيضاً، إذ أنه الإمكان تكريس شرعية وزراء الحكومة الفلسطينية الجديدة عبر قيام حكومات الدول العربية، قبل الدول الغربية، بإستضافة رئيس الوزراء اسماعيل هنية ووزراء حركة حماس والتواصل معهم. فهل يعقل أن يحرص بعض الزعماء العرب على الإلتقاء بالوزارء الهامشيين في حكومة الإحتلال ممن تلطخت أياديهم بدماء العرب، ويأبوا في نفس الوقت أن يلتقوا بمن إرتضاه الشعب الفلسطيني ليكون على رأس الهرم القيادي. ومن ناحية ثانية يتوجب على الدول العربية أن توضح لدول العالم بشكل لا يقبل التأويل أنه لم يعد ثمة مسوغ أمام مواصلة مقاطعة الحكومة الفلسطينية أو جزء منها بعد التوقيع على إتفاق مكة وقبول الحكومة الفلسطينية مقررات القمم العربية.

3-  عدم قدرة حكومة الوحدة على معالجة القضايا الهامة التي شكلت من أجلها، وتحديداً قضية الفلتان الأمني، والذي تفاقم مع تشكيل هذه الحكومة، بإختطاف الصحافيين الأجانب وتدني مستويات الشعور بالأمن الشخصي لدى الجمهور الفلسطيني. وللأسف الشديد، فأنه لا يوجد ثمة بوادر على أن ثمة تحركات تلوح في الأفق لمعالجة هذه القضية بالغة الخطورة. إذ أنه على الرغم من تشكيل حكومة الوحدة، فأن الأجهزة الأمنية حتى هذه اللحظة ترفض عملياً التجاوب مع وزير الداخلية الجديد. صحيح أن مسؤولية معالجة الفلتان الأمني تقع على حكومة الوحدة بجميع مركباتها الحزبية، ولكن مما لا شك فيه أن حركة حماس تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية لأنها الحركة التي تقود الحكومة.

4-  ما سبق يقودنا الى نقطة بالغة الأهمية، نص عليها اتفاق مكة، وهي إعادة صياغة الأجهزة الأمنية على أسس وطنية مهنية وليس على أسس تنظيمية. وواضح تماماً في حال ظلت أوضاع الأجهزة الأمنية على حالها، و في ظل سيطرة حركة " فتح " على جميع أجهزة السلطة الأمنية، وسيطرة حركة حماس على القوة التنفيذية التابعة لوزارة الداخلية، فأن ذلك سيقود حتماً الى مزيد من الصراعات والمواجهات.

5-  على الرغم من حديث حركتي حماس وفتح عن حكومة الوحدة الوطنية كضرورة، فأن هناك مؤشرات على عدم الإنسجام داخل هذه الحكومة، وتجسد ذلك من خلال كيل الاتهامات لبعض وزراء حماس وفتح لبعضهم البعض بالإقصاء الوظيفي وغيرها من اتهامات لا تدلل كثيراً على الإنسجام.

6-  تشكيل حكومة الوحدة الوطنية لم ينهي ملف العلاقات الشائك بين حركتي فتح وحماس على المستوى التنظيمي، فحتى الآن هناك أزمة ثقة واضحة بين الجانبين. فمثلاً التسريبات الإعلامية الكثيرة التي تؤكد أن عناصر من فتح يتلقون تدريبات في مصر تدفع الكثيرين في حماس للاعتقاد أن هذا يأتي في إطار استعداد فتح لمواجهة مع حماس، الأمر الذي يكرس واقع عدم الثقة ويقرب من المواجهة القادمة.

7-  هناك احتمال قوى أن تشن إسرائيل حملة عسكرية واسعة النطاق ضد قطاع غزة، بحيث تستهدف بشكل أساسي حركة حماس وبناها التنظيمية والعسكرية، متذرعة بتواصل اطلاق الصواريخ على العمق الإسرائيلي، وتهريب الأسلحة من مصر الى القطاع. فعلى حركة حماس من جهة أن تستعد لمثل هذا السيناريو، ومن جهة ثانية أن تسعى على الصعيد الداخلي  للدفع نحو عدم منح إسرائيل مسوغات لشن مثل هذه الحملة.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر