موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
الشيخ ياسين......... من اللهو بالماء الى قيادة أمة

كان الجميع في المركب المتواضع واجمين، يتملكهم الخوف ولا يحركون ساكنا، وتبدو على وجوههم معالم الحيرة وقلة الحيلة، بعد ان ضاقت بهم الدنيا على رحابتها، يندفع بهم القارب جنوبا الى عالم يجهلونه. ووسط هذه الاجواء المكفهرة القاتمة، كان فتىً، لم يتجاوز الثانية عشرة من العمر، يصر على المرح، يضع يده في الماء، لكي يلتقط بعض الاسماك التي اخذت تتراءى له من تحت لجة الماء الزرقاء. كان هذا المشهد جزءاً من مشهد رحلة التشرد التي طرد فيها الشيخ احمد اسماعيل ياسين الذي حلت الذكرى الثالثة لاستشهاده قبل قليل، وعائلته من قرية «جورة عسقلان»، التي تبعد ثلاثة كيلومترات عن مدينة «عسقلان»، الى قطاع غزة، عام 1948 على ايدي عصابة «البلماخ»، التي كان يقودها الجنرال يغال الون، الذي اصبح فيما بعد احد قادة حزب العمل. ومثل سائر عائلات المهجرين الى القطاع، كانت عائلة ياسين فقيرة. لم يتردد الفتى ياسين وبدافع الفقر من التوجه الى معسكرات الجيش المصري في قطاع غزة للحصول على ما يزيد عن حاجة الجنود من طعام، لكي يعود بها ليقدمها الى ذويه.  اليوم الاربعاء يصادف الذكرى الثانية لاستشهاد الياسين، ومن الأهمية بمكان أن يتم التطرق الى سيرة هذا القائد العظيم. فقد ولدفي عام 1936 ولد الشيخ ياسين وفي عام 1948 هاجر مع اسرته الى غزة، وفي فجر 22 مارس (اذار) 2004 اغتالته صواريخ الاحتلال الاسرائيلي وهو عائد مع مرافقيه من صلاة الفجر، وفي عام 1949 ترك الفتى ياسين المدرسة والتحق بالعمل في احد مطاعم الفول في حي الرمال في مدينة غزة ليعيل اسرته ويوفر الظروف لمواصلة تعليمه.

في عام 1952 وعندما كان يلعب من اقرانه سقط ياسين، واصيبت فقرات العنق بكسور، وظل رقيد الفراش لمدة خمسة واربعين يوما، ليخبره الاطباء بعدها انه اصيب بشلل تام، وانه سيظل طول حياته مقعدا. لم يؤد هذا المصاب الجلل، الى انهيار معنويات الفتى، فواصل تعليمه، لينهي تعليمه الثانوي عام 1958 وليصبح مدرسا للتربية الاسلامية واللغة العربية في غزة. والى جانب عمله كمدرس، انشغل ياسين في القاء الخطب والمواعظ الدينية في طول القطاع وعرضه. وانضم ياسين، مع عدد من اصدقائه الى جماعة «الاخوان المسلمين»، وفي عام 1965 اعتقلته السلطات المصرية التي كانت تتولى ادارة شؤون القطاع، لانتمائه الى جماعة الاخوان. في مطلع السبعينات اسس الشيخ ياسين «المجمع الاسلامي»، وهو مؤسسة اجتماعية تعنى بالاهتمام بالشباب الفلسطيني المتدين. وتوسعت انشطة المجمع الاسلامي واصبحت له مؤسسات تعليمية وخيرية رديفة في ارجاء القطاع.

في عام 1982، فوجئ سكان القطاع بعدة عمليات عسكرية استهدفت مواقع جيش الاحتلال، الى جانب اعدام عدد من العملاء. لم تعلن أي منظمة في حينه مسؤوليتها عن هذه العمليات، لكن بعد ذلك تبين ان تنظيما عسكريا بقيادة الشيخ احمد ياسين نشط في القطاع، واطلق على هذا التنظيم «مجد»، واثر ذلك اعتقل الشيخ ياسين وعدد من قادة الاخوان في القطاع من بينهم الدكتور ابراهيم المقادمة، والشيخ صلاح شحادة (اغتيلا من قبل اسرائيل خلال الانتفاضة الحالية).

وادين الشيخ ياسين وصدر الحكم عليه بالسجن لمدة ثلاثة عشر عاما. لكن في عام 1985 اطلق سراحه ضمن صفقة تبادل الاسرى التي تمت بين اسرائيل والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة، بقيادة احمد جبريل.

وعند اندلاع انتفاضة الاقصى، في ديسمبر (كانون الاول) 1987، انضم الشيخ الى جناح الشباب (رغم معارضة الكبار) في الحركة الاسلامية، الذي طالب باستغلال انطلاق الانتفاضة، لكي تتبنى جماعة «الاخوان المسلمون» في فلسطين العمل المسلح كخيار لتحرير فلسطين بشكل علني، حيث كانت انتقادات شديدة توجهها الحركات العلمانية للاخوان المسلمين وتتهمهم بالتقاعس عن العمل المسلح. واتفق على تأسيس جناح مقاوم للاخوان المسلمين في فلسطين، اطلق عليه حركة المقاومة الاسلامية «حماس»، التي سرعان ما استغلت امتداد الاخوان الواسع في الضفة والقطاع في تجنيد الشباب للعمل ضمن اجهزتها المختلفة.

كزعيم للحركة اصدر الشيخ ياسين تعليماته لاختطاف جنود الاحتلال، وبالفعل اختطفت حماس آفي سسبورتاس وايلان سعدون، في 1988 و1989. وفي 18 مايو (ايار) 1989 اعتقلت اسرائيل الشيخ ياسين، على خلفية العمليات التي اعلنت حماس مسؤوليتها عنها. وفي 13 اكتوبر (تشرين الاول) 1991 ادين الشيخ باختطاف وقتل جنود، وحكم عليه بالسجن مدى الحياة وثلاثة عشر عاما اضافية.

كثف الجناح العسكري للحركة ـ كتائب عز الدين القسام، جهوده من اجل تأمين الافراج عن الشيخ ياسين، وفي عام 1995، اختطفت الجندي نحشون فاكسمان، من اجل مساومة حكومة اسحق رابين على الافراج عن ياسين. لكن اسرائيل اكتشفت مكانه في بلدة «بير نبالا»، في محيط القدس، وخلال عملية تخليص الجندي، قتل قائد كبير في وحدة «سييرت متكال»، اكثر وحدات جيش الاحتلال نخبوية على الاطلاق. وقتل الجندي المختطف، الى جانب مقتل 3 من كتائب «القسام». في عام 1997، وبعدما فشل «الموساد»، في اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل، في عمان واعتقل الاردن اثنين من عملائه شاركا في محاولة الاغتيال، اطلقت اسرائيل سراح الشيخ ياسين وسلم للاردن الذي قام بنقله الى غزة. وعمل الشيخ ياسين على ترميم حركة حماس التي تعرضت لضربات شديدة على ايدي الاجهزة الامنية الاسرائيلية واجهزة السلطة الفلسطينية. ورغم الاستقبال الحار الذي حظي به الشيخ من قبل قادة السلطة، الا انه سرعان ما وقع الصدام وتضارب الاهداف، ففرضت السلطة عليه الاقامة الجبرية اكثر من مرة. وبعد ثلاثة اعوام على الانتفاضة قررت اسرائيل استهداف القادة السياسيين لقادة المقاومة لا سيما حركتي حماس والجهاد الاسلامي. وقال مسؤولون عسكريون فيها انه لا حصانة لاحد من قادة حماس، وعلى رأسهم الشيخ احمد ياسين. وفي 6 سبتمبر (ايلول) الماضي، وبينما كان الشيخ ياسين ومدير مكتبه الشيخ اسماعيل هنية يزوران الدكتور مروان ابو راس في حي «الدرج»، القت مقاتلة من طراز «اف 16»، قنبلة تزن ربع طن على شقة في الطابق الثالث من العمارة السكنية التي يملكها، ويتوقع وجود الشيخ ياسين فيها، فاصيب بجراح.

وبعد اسبوعين على ذلك اعلنت اسرائيل ان محاولة اغتيال ثانية للشيخ قد فشلت، عندما تبين ان فريقا من القناة الثانية للتلفزيون الاسرائيلي كان موجوداً، بالقرب من الشيخ قبيل دقائق من اطلاق طائرة هليكوبتر صواريخها عليه. وفجر امس وفي تمام الساعة الخامسة والربع نجحت اسرائيل في تنفيذ تهديدها واغتالت الشيخ ياسين.

الشيخ ياسين متزوج وله ثلاثة من الابناء وسبعة من البنات، اغلبهن متزوجات من قياديين في الحركة. عائلة ياسين يمكن ان تكون نموذجاً للعائلة الفلسطينية من حيث اختلاف التوجهات السياسية، فشقيق الشيخ، بدر ياسين هو قيادي في حركة فتح. الى جانب كونه قائدا سياسيا ومرجعية، كان له دور في الاصلاح بين العائلات في قطاع غزة.

  

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر