موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
" فينوغراد " يستعجل حرب استباقية على العرب

اهتم كل المعلقين العرب بالتركيز على إنعكاسات تقرير لجنة " فينوغراد " التي شكلتها الحكومة الإسرائيلية للتحقيق في أداء " إسرائيل " وجيشها أثناء الحرب الأخيرة، على الحلبة السياسية الإسرائيلية الداخلية؛ وطرحوا الأسئلة حول مستقبل الحكومة الإسرائيلية ومن يقف على رأسها؛ وتجاهلوا في المقابل تداعيات التقرير الهامة على علاقة " إسرائيل " بالأطراف العربية، وتحديداً الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين. ونحن هنا سنحاول استقراء تداعيات هذا التقرير على تلك العلاقة، الى جانب جملة الإنعكاسات على الوضع الإسرائيلي الداخلي:

1-  الاستنتاجات التي يتضمنها تقرير " فينوغراد " لا يعد إسرائيل فقط للحرب القادمة، بل يحرض عملياً بشكل غير مباشر على المبادرة بشن هذه الحرب. فالتقرير وبخ الحكومة الإسرائيلية الحالية والحكومات السابقة لأنها – حسب زعمه – لم تحرك ساكناً من أجل منع حزب الله من مراكمة أسباب القوة في لبنان وخصوصاً في جنوبه، وتحديداً بالقرب من الحدود بين فلسطين ولبنان. لذلك فأن جميع الجنرالات والمعلقين الصهاينة قد شددوا على أن أول استنتاج من التقرير يتوجب على الحكومة الإسرائيلية الحالية والحكومات القادمة أن تعيه هو أن عليها أن تبادر الى القيام بأعمال عسكرية لمنع الأطراف التي تناصب " إسرائيل " العداء " من مراكمة عناصر قوة يمكن أن تهدد الأمن الإسرائيلي. وقد قال الجنرال عوزي ديان، الرئيس الأسبق لشعبة الإستخبارات العسكرية الإسرائيلية المعروفة ب " أمان " أن التقرير يفرض على الحكومة الحالية في حال لم تسقط أن تبادر الى شن حملة عسكرية على قطاع غزة، لمنع حركة حماس من مواصلة بناء قوتها العسكرية، ومنع حركات المقاومة الفلسطينية من مواصلة إطلاق الصواريخ على التجمعات الاستيطانية اليهودية في النقب المحتل. وما ينطبق على قطاع غزة، ينطبق على لبنان، حيث أنه لا خلاف بين المستويات العسكرية والسياسية والنخب الإعلامية التي علقت على التقرير على أنه يتوجب مراقبة حزب الله والمبادرة الى العمل عسكرياً ضده في حال أظهر أي توجه لاعادة بناء قوته في الجنوب. وينعكس تقرير فينوغراد على الموقف من البرنامج النووي الإيراني. وقد قال نائب وزير الحرب الإسرائيلي افرايم سنيه أن عدم التحرك بجدية كبيرة ضد المشروع النووي الإيراني سيمثل تقصير هائل وغير مسموح به.

2-  سيزيد التقرير من حساسية النخب الحاكمة في إسرائيل إزاء أي عمل عسكري قد يصدر عن أي طرف عربي، وسيدفعها للرد بقوة لا تتناسب بالمطلق مع حجم هذه العمل. فالتقرير حذر من تداعيات إنهيار قوة الردع الإسرائيلية في أعقاب الحرب الأخيرة، والحكومات الإسرائيلية ستجد في الرد على أي عمل عسكري يقدم عليه أي طرف عربي مبرر لإستعادة قوة الردع عبر الرد بقوة صاعقة. هذا مع أن المعلقين في الدولة العبرية شددوا على أن إسرائيل استنفذت قوتها في بداية المعركة في مواجهة حزب الله، ومع ذلك لم تنجح في ردعه عن مواصلة الرد على عدوانها وبكل تحدي.

3-  عمل التقرير على " عسكرة " أجندة الدولة والمجتمع في إسرائيل، وأصبح على رأس أولويات الحكومة تعزيز قوة الجيش ومراكمة أسباب القوة لديه، عبر زيادة الموازنات له من أجل تمكينه من إجراء التدريبات الضخمة، سيما تدريب قوات الاحتياط التي تشكل 70% من القوة البشرية في الجيش الإسرائيلي. وفي نفس الوقت فأن التقرير سيزيد من مظاهر العسكرة في السياسة الإسرائيلية، لأنه ربط بشكل واضح بين انعدام الخلفية العسكرية لكل من اولمرت وبيريتس وبين فشلهما في أداء مهامهما. وكأنه يقول أن من يريد أن يتولى دائرة صنع القرار في إسرائيل يجب أن يكون ذو ماضي عسكري.

4-  أصبح في حكم المؤكد أن التقرير سيؤدي الى إضفاء الكثير من التطرف على التوجهات السياسية لإسرائيل، حيث يمهد التقرير الطريق لعودة اليمين المتطرف للحكم، مع كل ما ينطوي عليه ذلك من تداعيات خطيرة على علاقة الدولة بالعالم العربي. فعلى الرغم من أن أولمرت أعلن أنه ليس في نيته تقديم الاستقالة في اعقاب صدور التقرير، فأن كل الدلائل تشير الى أن مستقبله السياسي انتهى، بسبب تعالي الأصوات داخل حزبه المطالبة بإستقالته، والتي تتزعمها وزيرة الخارجية تسيفي ليفني، وبسبب التحرك الجماهيري الواسع المطالب بتقديمه الإستقاله، الى جانب اجماع وسائل الاعلام الإسرائيلية على مطالبته بالتنحي. صحيح أنه يمكن لحزب كاديما أن ينصب ليفني محل اولمرت، لضمان بقاء الحزب في الحكم، و لتلافي اجراء انتخابات جديدة. لكن حتى لو تسنى ذلك، فأنه من المشكوك فيه أن يكون بوسع لينفي ادارة دفة الأمور بشكل مقنع، ناهيك عن أن تقرير فينوغراد أشار الى عدد من مظاهر التقصير في أداء ليفني كوزيرة للخارجية في زمن الحرب. وإذا اضفنا الى ذلك حقيقة أن حزب العمل لا يمكنه أن يبقى شريكاً في حكومة بعد اجراء الانتخابات التمهيدية التي ستجرى في نهاية الشهر الجاري لاختيار زعيم جديد للحزب. فأي زعيم جديد للحزب لن يغامر بالموافقة على البقاء في حكومة يرأسها أولمرت، وبالتالي فأن كل الدلائل تؤكد أن حكومة اولمرت ستسقط وستجرى انتخابات جديدة. وفي هذه الحالة، فأن كل استطلاعات الرأي العام تؤكد أن اليمين المتطرف بقيادة بنيامين نتنياهو سيفوز وبشكل كاسح. ومما لا شك فيه أن فوز اليمين المتطرف سيقود الى مرحلة جديدة في العلاقات مع العالم العربي.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر