موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
عسكرة التعليم في اسرائيل ( دراسة (

هذه الدراسة نشرت في عدد مايو من مجلة وجهات نظر المصرية

إنطلق قادة الحركة الصهيونية ومؤسسو دولة إسرائيل من قناعة مفادها أن هذه الدولة تعيش في أزمة وجود كيانية سترافقها للأبد، على اعتبار أنها تعيش في قلب محيط عربي لا يمكن أن يسلم بوجودها، ويقبل شرعيتها.

 

 لذا فقد كان الاستنتاج الذي توصل إليه قادة الحركة الصهيونية هو أن الصراع بين العرب ودولة إسرائيل هو صراع وجود وليس صراع على حدود أو أرض أو موارد طبيعية؛ من هنا كانت الإستراتيجية التي اعتمدها الصهاينة من أجل تحقيق الحسم في هذا الصراع هو القوة، والقوة فقط القائمة على المنعة العسكرية، الأمر الذي أدى الى سيادة الطابع العسكري للمجتمع الإسرائيلي برمته، لدرجة دفعت رئيس وزراء إسرائيل الاول دفيد بن غوريون للقول أن " اسرائيل عبارة عن مجتمع للمحاربين ".

 

 ويعبر وصف بن غورويون هذا بشكل أمين وصادق عن مظاهر تأثير العسكرة على المجتمع الإسرائيلي. فهذا المجتمع الذي يقدس القوة، لا يحترم إلا القيم التي تعكسها، من هنا فأن المجتمع الإسرائيلي يمر بعملية عسكرة متواصلة، فالساسة هم جنرالات متقاعدون، ومدراء المؤسسات الإقتصادية هم من خريجي الجيش، والصحف ووسائل الاعلام تبحث عن معلقين من كبار الضباط المتقاعدين.

وضمن هذه العملية المتواصلة، فقد تمت عسكرة التعليم ايضا في الدولة العبرية. وكما تقول الباحثة والكاتبة الصحافية الإسرائيلية إرنا كازين " فأن من يطلع على مناهج التعليم في المدارس الاسرائيلية في جميع المراحل لا بد أن يلفت انتباهه التوجه العام القائم على التنشئة التربوية على روح العسكرة والتطوع للجيش واعداد الطفل حتى يكبر ليصبح مقاتلاً، لتكريس الروح الاسبارطية " .

ولقد سادت هذه الروح منذ قيام إسرائيل في العام 1948، وقد تغلغلت في جميع الأجهزة الرسمسية وغير الرسمية الاسرائيلية ضمن محاولة لخلق " الإسرائيلي الجديد "، الإسرائيلي اليهودي الذي خرج منتصراً ضد سبعة جيوش عربية واقام دولة " بعد ألف عام "، كما يحلو لواضعي فلسلفة التعليم الإسرائيلي أن يكرسوا ذلك في أذهان الأطفال والشبيبة، والى غير ذلك من المزاعم الأسطورية.

 ولا خلاف بين الباحثين في الدولة العبرية على أن هذه الروح تعززت بعد حرب العام 67، والانتصار الساحق الذي حققته اسرائيل في هذه الحرب على كل من مصر وسوريا والأردن.

وقد تجسدت عملية عسكرة التعليم في الدولة العبرية في مظاهر ثلاث أساسية:

 

أولاً: زرع مفاهيم العسكرة والقوة في نفوس الطلاب.

ثانياً: تكليف العسكر بإدارة مؤسسات التعليم وممارسة مهنة التعليم بأنفسهم.

ثالثاً: ظهور المدارس الدينية العسكرية: والتي تعتبر أخطر مظاهر عسكرة التعليم الإسرائيلي، لأن الطلاب هناك تتم تربيتهم على العسكرة وعلى التطرف الديني في صوره الأكثر سوداوية.

 

زرع قيم العسكرة

 

التربية على العسكرة في إسرائيل تتم بوسائل مختلفة ومتعددة، ويحاول جهاز التعليم في إسرائيل صبغ وعي الطفل الإسرائيلي بالعسكرة ومفاهيمها منذ نعومة أطفاره.

 

ففي رياض الأطفال تقوم إدارات هذه الروضات بتنظيم رحلات للأطفال لقواعد الجيش الإسرائيلي، وتحرص هذه الإدارات على أخذ صور تذكارية لكل طفل وهو يقف فوق دبابات الجيش، وبعد ذلك يتم توزيع رايات ألوية الجيش على الأطفال لكي يقوموا بتثبيتها على رياض الأطفال؛ في الوقت الذي لا يتم فيه لفت نظر هؤلاء الأطفال الى قيم الديموقراطية والمساواة التي تدعي الدولة العبرية أنها قيم " مقدسة " لديها.

وتقوم إدارات المدارس الثانوية بتنظيم رحلات لطلابها الى مواقع الجيش، حيث يشاهد الطلاب مناورات وتدريبات بالنار الحية، في حين يتم تنظيم رحلات الى مواقع المعارك بين الجيش الإسرائيلي والجيوش العربية.

وتعمل إدارات المدارس على حث الطلاب على إرسال هدايا للجنود، سيما الجنود من المهاجرين الجدد الذين وفدوا على الدولة بدون ذويهم في الوقت الذي لا تبذل إدارات المدارس أي جهد في اقناع الطلاب بارسال مثل هذه الهدايا للفقراء والمعوزين والمرضى وغيرهم.

 في نفس الوقت يقوم الطلاب بإرسال رسائل الى الجنود لشكرهم على " الجهود التي يبذلونها لحماية أمن الدولة والشعب ".

 ومن ضمن مناهج التعليم يتم تدريس تاريخ الحروب العربية الإسرائيلية، الى جانب دراسة السير الذاتية لكبار القادة العسكريين الذين حققوا " انجازات " خلال هذه الحروب، حيث يطلب من الطلاب عادة كتابة مواضيع انشاء حول هؤلاء القادة.

 وأحد الأمثلة التي تجسد عسكرة التعليم في إسرائيل بشكل واضح، وهو كتاب الرياضيات للصف الخامس الابتدائي الذي ألفه مردخاي فاشستوم، حيث أن المسائل الحسابية التي تتكون منها التدريبات التي يطلب من الطلاب الإجابة عليها تدور حول الجيش وألويته.  فمثلاً يرد في الكتاب السؤال التالي: من بين 6340 جندياً مدرباً، طلب من 2070 الانضمام الى وحدة المظليات، و1745 الى سلاح المشاة، كم بقي من الجنود؟.

وضمن الأنهجة اللامنهجية التي تكرس العسكرة قيام مؤسسات التعليم بتنظيم رحلات للطلاب للمعارض الفنية التي تخلد ذكرى الجنود الذين قتلوا في حروب اسرائيل، سيما متحف " ياد لبنيم ".

وتقول الباحثة في مجال التربية الدكتورة فيرد شمرون " بهذه الطريقة يتم تجنيد الفن من أجل التغطية على بشاعة الحرب ". وتضيف شومرون أنه في خارج اسوار المدرسة يشاهد الطلاب الإعلانات التجارية التي تقدس الجيش. فمثلاً شركة " تنوفا " للألبان في تقوم بلصق ملصقات دعائية حول الجبن، تقول فيه ( 50% للمظليين، 50% للواء جولاني، 100 للعائلة).

 

 في نفس الوقت، وضمن برامج الإذاعة المدرسية، يقوم الطلاب بإستضافة جنرلات وكبار الضباط في الجيش والمخابرات وإجراء مقابلات معهم، ويترك لبقية الطلاب توجيه أسئلة لهم.

الى جانب كل ذلك تقوم ألوية الجيش والوحدات المختارة بلصق لوحات دعائية لها في المدارس الثانوية لحث الطلاب في المرحلة الثانوية على التطوع في صفوفها بعد تجندهم الاجباري للجيش، لأنه على الرغم من أن الخدمة العسكرية في الجيش اجبارية في الدولة العبرية، إلا أنه يترك للجنود عادة الإنضمام للوحدات التي يرغبون بالإنضمام اليها.

 

الى جانب ذلك، فأن المدارس تتعاون مع قسم القوى البشرية في هيئة أركان الجيش في تنظيم دورات تجنيد للطلاب خلال المرحلة الثانوية، وذلك لإعداد الطلاب لمرحلة الجيش.

 وتشير الباحثة في مجال التربية الدكتورة ريلي مزالي الى أن الضباط والجنود يدخلون الى غرف التدريس ويتحدثون للطلاب عن الفظائع التي يرتكبها الجيش دون أن يثير ذلك أي تحفظ لدى أولياء أمور هؤلاء الطلاب.

 

سيطرة العسكريين على إدارة المؤسسات التعليمية

 

أحد أبرز مظاهر عسكرة التعليم في إسرائيل هو تولي كبار ضباط الجيش في الاحتياط مناصب ادارية هامة في جهاز التعليم وإدارة المؤسسات التعليمية.

 فوزارة التعليم في إسرائيل تقوم بتمويل مشروع يطلق عليه " تسافتا "، ويهدف هذا المشروع الى تأهيل الضباط المتقاعدين من الجيش والمخابرات للانخراط في سلك التعليم.

وقام المشروع بتخريج 300 ضابط، حيث تم دمجهم في المؤسسات التعليمية. بعض هؤلاء الضباط درس لعام واحد ونال رخصة لممارسة التدريس، ومنهم من عين فوراً في وظائف ادارة في المدارس، ومن الضباط من عينوا في وظائف تربوية.

 ومن الضباط من تولوا وظائف مرموقة في جهاز التعليم بدون أي اعداد تربوي، مثل رون خلودائي الرئيس الحالي لبلدية تل ابيب، والذي سبق له ان كان مديراً لمدرسة " جمناسيا هرتسليا "، ودرور الوني. ومن الضباط الذين تولوا مناصب في جهاز التعليم ومارسوا التعليم ضباط كان لهم سجل اجرامي واضح ضد ابناء الشعب الفلسطيني، مثل العقيد ايلان باتمان الذي كان حاكماً عسكرياً لكل من رام الله وجنين.

اللافت للنظر، والمثير للإستهجان هو أن القائمين على جهاز التعليم في اسرائيل يعلنون أنهم لا يستعينون بخدمات الضباط في التدريس لإغراض تربوية وتعليمية، بل لتكريس قيم العسكرة لدى الطلاب.

فها هو موطي ساجي، مدير مشروع برنامج اعداد الضباط في جهاز التعليم الإسرائيلي يقول مدافعاً عن الاستعانة بالضباط في التدريس قائلاً " لدينا في الجهاز التعليم لا يبحثون عن معلمين مهنيين، بل عن قياديين، فضباط الجيش المتقاعدون يتمتعون بميزات خاصة وقدرات ضخمة ".

 ويتحدث عن مزايا الضباط كمدرسين " هؤلاء الضباط في عيونهم بريق وإحساس بأداء الرسالة ". ويضيف " يقف أمام الطلاب رجل برتبة عقيد، بشخصيته القوية، فيحقق نجاحاً كبيراً، عندها يقف الطلاب لينشدوا النشيد الوطني، وهكذا يتبين أنه ينقل اليهم العديد من القيم ولديه ما يسوقه لهم، أنه قادم من مدرسة لا مثيل لها : الجيش، أنه ليس كالمدرسات من خريجات كليات اعداد المدرسين ".

وتفسر الدكتورة سيغال بن بورات، استاذة التربية في جامعة حيفا، ميل جهاز التعليم للاستعانة بخريجي الجيش، بقولها "  أن تكون مواطناً جيداً في إسرائيل، يعني أن تخدم في الجيش وتندمج في سوق العمل ". وتضيف أن مصطلح المواطنة الجيدة يخلو تماماً من المضامين الديموقراطية والإنسانية. وتستذكر أن جهاز التعليم في الدول الديموقراطية يجب أن ينمي مواطنين وليس جنوداً ولا عمال.

مناهج لتكريس العنصرية

 

 

الذي يفاقم تأثير العسكرة في نظام التعليم في إسرائيل هو حقيقة أن مناهج التعليم الإسرائيلية تكرس منهجاً يدعو لمواصلة حالة الصراع.

 فحسب بحث أعده الباحث الإسرائيلي ايلي بوديا المحاضر في جامعة حيفا فأن كتب التدريس الاسرائيلية حالت دون تحقيق السلام مع العرب.

 

وحسب البحث فأن كتب التعليم في إسرائيل ساهمت طيلة نصف القرن الماضي اشعال جذوة الصراع الفلسطيني العربي، وكرست حالة الحرب، وحالت دون التوصل للسلام بين العرب واليهود. ووصف بوديا مناهج التدريس اليهودية ب " المنحرفة "، منوهاً الى أن هذه المناهج تتميز بطغيان الصورة النمطية والأفكار المقولبة حيال العرب، وزرع كراهيتهم في نفوس التلاميذ الإسرائيليين إلى حد الاستنتاج بأن ما جرى داخل جدران المدارس الإسرائيلية قد اثر إلى مدى بعيد في قرار الحرب والسلام لدى قادة الدولة العبرية.

 واشار البحث الذي جاء تحت اسم " الصراع" الإسرائيلي في كتب التاريخ المدرسية العبرية"

 

و الصادر عن مؤسسة مدار لدراسة الشؤون الإسرائيلية في رام الله، الى ان الكتب المدرسية الإسرائيلية رعت نوعاً من الصراع الصامت بين الطرفين وحافظت عليه، وقادت بطريق غير مباشر إلى اثارة الصراع المسلح.

 

واكد بوديا، ان جهاز التعليم الإسرائيلي قد اختار النهج القومي الذي يخضع الماضي لاحتياجات الراهن والمستقبل على حساب الحقيقة والموضوعية في كتابة التاريخ بهدف خلق ذاكرة جماعية متميزة، منوهاً الى أن ثلاثة ارباع الكتب التي تستخدم في المدارس الإسرائيلية ليست مجازة ما يعني انكشاف التلاميذ إلى مواد اكثر خطورة.

واكد الباحث أن كتب التاريخ الإسرائيلية التي اخضعها للبحث انشغلت بتعميق القيم الصهيونية ورعاية الأساطير والتمجيد بأبطالها ضمن صهر المهاجرين في بوتقة وذاكرة جماعية واحدة.

ولفت إلى أن تلك الكتب وصفت الصراع بطريقة تبسيطية أحادية الأبعاد ومشبعة بعدم الدقة إلى حد التشويه.

 

وأوضح الكاتب أن هذه الكتب سعت لشيطنة العرب وتجريدهم من إنسانيتهم، ما أدى إلى ترسيخ صورة نمطية لدى الإسرائيليين الذين ظهروا دائماً بصورة الغربيين المتحضرين صانعي السلام مقابل صورة العرب "الخونة العدوانيين المتخلفين والمجرمين والخاطفين القذرين والمبادرين دوماً نحو التدمير".وحول تناول هذه الكتب لاول مواجهة مع المسلمين التي حدثت في المدينة المنورة، فان هذه الكتب تصف القبائل اليهودية في تلك الفترة بأنها " شريفة ومحترمة وشجاعة، بينما وصف العرب بأنهم ماكرون وخونة وبأنهم هزموا اليهود بالخدعة والمؤامرة ".

 

ونوه الكاتب إلى ان تعابير مثل متوحش ومحتال ومخادع ولص وسارق وإرهابي، كانت كثيراً ما تستخدم في وصف العربي بينما ما يرتكب ضد اليهود يسمى عداوات ومذابح ومجازر بغية خلق صلة بين العرب وبين اللاسامية المتأصلة في تجارب التاريخ اليهودي في أوروبا، مشيراً الى أن العرب يوصفون بأنهم النسخة الحديثة من العماليق، ألد اعداء الإسرائيليين في التوراة.

 

ويؤكد الكاتب أن كتب التدريس عززت عملية ابتعاد اليهود عن العرب، وهذا بدوره زاد من مستوى اسطرة الصراع وعزز الميل إلى تجريد العرب من انسانيتهم".. ونوه الكاتب إلى ان التحامل الإسرائيلي ضد العرب كان اسقاطاً للموقف اليهودي تجاه الغريب في الشتات.

 

ويقتبس الباحث  قول الباحث اليهودي سيغريد ليحمان، الذي قال: "نحن كيهود نميل إلى رؤية العربي كغير اليهودي كأحد الاغيار، نحن كأوروبيين نراه آسيوي خصماً لتطلعاتنا القومية وكاشتراكيين نحن نراه كممثل لاشد انماط الرجعية سواداً"..

وأشار بوديا، إلى أن ردة فعل غريبة جاءت في اسرائيل على زيارة الرئيس المصري الراحل أنور السادات، حيث حرص كبار المسؤولين في الدولة على الدعوة الى  تعميق القيم الصهيونية على حساب ثقافة السلام.

واقتبس من كلام الوزير التعليم السابق زبولون هامر قوله: "هناك زعماء عرب يظنون انهم ان لم يكونوا قادرين على القضاء علينا في ميدان المعركة، فإنهم سينجحون في فعل ذلك عن طريق عملية " السلام ".

ويؤكد الباحث أن كتب التدريس الاسرائيلية تحاول ان تكرس قناعة مفادها ان السلام مع العرب " يهدد إسرائيل المهزوزة ويستلزم تحصين الناشئة بتقوية الوعي الصهيوني".. ويؤكد البحث انه عندما حاول وزير التعليم السابق اسحاق نافون احداث تقارب بين التلاميذ العرب واليهود داخل اسرائيل، لم يشارك في هذه الأنشظة الا 2% من المربين اليهود، منوهاً للموقف

الصارم للمؤسسة الدينية اليهودية الرافض لعقد مثل هذه اللقاءات،بحيث ان ذلك يثبت ان الذاكرة الجماعية لليهود كضحايا لمخططات الاضطهاد والابادة جعلتهم "سجناء ماضيهم الخاص"..

ويؤكد الباحث أن الإسرائيليين كانوا يعرفون عن الإسكندينافيين أكثر مما يعرفونه عن جيرانهم العرب، وهو ما ساهم في تعقيد الصراع كما ساعد في خلق أرضية بررت استخدام القوة ضد العرب.

ونوه إلى أن 4.1% فقط من الوقت المحدد للتاريخ في المدرسة الإسرائيلية قد خصص للتاريخ العربي، لافتاً إلى موافقته على رأي باحثين أجانب بأن اليهود نقلوا صورة الأغيار من الشتات إلى إسرائيل وسلطوها على العرب بشكل خاطئ.

من ناحيته يقول الكتاب و الناقد أنطوان شلحت، الذي كتب مقدمة للبحث أن السنوات التي تلت العام 2000 قد شهدت صعوداً يمينياً متطرفاً إلى رأس هرم جهاز التعليم في الكيان، بعد تسلم ليمور لفنات من حزب الليكود حقيبة التعليم.

واقتبس شلحت الباحث سامي شالوم، الذي رأى بفترة وزيرة التعليم السابقة ليمور لفنات الاكثر خطورة بالنسبة للتعليم الإسرائيلي، باعتبارها "قاب قوسين أو أدنى من الفاشية التامة". ونوه الى ان ليفنات قد اخرجت كل ما ليس مستمداً من الرواية الصهيونية التاريخية، والتي تعتبر ان فلسطين كانت خالية من السكان عدا قلائل هربوا عام 1948.

 

 

 

المدارس الدينية العسكرية  " يشيفوت ههسدير "

 

ينقسم المتدينون في إسرائيل الى تيارين أساسيين:

1- التيار الديني الأرثوذكسي: وهو التيار الذي توصلت مرجعياته الروحية مع مؤسس الدولة دفيد بن غوريون إلى اتفاق يقضي باعفاء المنتسبين إليه من طلاب المعاهد والمدارس الدينية من الخدمة العسكرية، والتفرغ لدراسة الدين، مع العلم أن أتباع هذا التيار يشكلون حوالي 18% من اليهود في إسرائيل.

2- التيار الديني الصهيوني: وهو التيار الذي اعتبر نفسه منذ البداية جزءاً لا يتجزأ من الدولة، واعتبرت مرجعياته الروحية الخدمة العسكرية ليس مجرد واجب تقتضيه المواطنة، بل فريضة دينية يتوجب القيام بها على أكمل وجه.

  ويشكل اتباع هذا التيار فقط من 7-10% من عدد اليهود، وذراعهم السياسي حزب " المفدال " الديني، وينتمي معظم المستوطنين الى هذه الشريحة.

حتى أواخر السبعينيات من القرن الماضي ظلت نسبة المتدينين الصهاينة في الهيئات القيادية في الجيش حتى أقل من النسبة التي يمثلونها من حيث تعداد السكان.

 فحتى ذلك الوقت ظل القادمون من القرى التعاونية " الكيبوتسات " - التي تمثل قلاع العلمانية الإسرائيلية - ينفردون بتبوؤ المواقع القيادية في الجيش، لدرجة أن الانتماء ل " الكيبوتس " كان رديفاً للانتساب للوحدات المختارة في الجيش، مع أنه بمثل هذا الانتساب تفتح الطريق أمام هؤلاء الضباط والجنود لتبوؤ المواقع القيادية في الجيش والدولة مستقبلاً. لكن منذ ذلك الوقت حدث تغير درامتيكي متلاحق ولافت للنظر.

 فقد قلت نسبة خريجي " الكيبوتسات " الذين يلتحقون بالوحدات المختارة بسبب تحلل الكثير من هؤلاء من الايمان ب " واجب التضحية من أجل الدولة ". في المقابل حدثت عملية عكسية تماماً، حيث كانت توجيهات المرجعيات الروحية للتيار الديني الصهيوني لأتباعها بأن عليهم يتوجهوا تحديداً للانخراط في الوحدات المختارة والسريات النخبوية في الجيش، من أجل قيادة الجيش وبالتالي التحكم في المشروع الصهيوني.

 الذي سهل على الصهاينة المتدينين تحقيق هدفهم هو وجود ما يعرف بالعبرية ب " يشيفوت ههسدير "، وهي مدارس دينية عسكرية – يمولها الجيش – و التي ينضم اليها حصراً اتباع التيار الديني الصهيوني بعد تخرجهم من المدرسة الثانوية.

فأواخر السبعينات توصلت المرجعيات الروحية للتيار الديني الصهيوني الى اتفاق مع هيئة أركان الجيش الإسرائيلي تم الاتفاق بموجبه على أن تتولى المدارس الدينية التابعة لهذا التيار مهمة اعداد الشباب الذين ينتمون لتيار الصهيونية الدينية لمرحلة الجيش.

بحيث يتولى الحاخامات الذين يشرفون على هذه المدارس محاولة زيادة الدفاعية لدى هؤلاء الشباب للتطوع للخدمة في الوحدات المقاتلة والمختارة في الجيش وذلك عبر زرع قيم التضحية من أجل الوطن وغيرها من القيم في نفوس هؤلاء الطلاب، الى جانب اعدادهم بشكل مهني لمرحلة الجيش؛ بحيث يتم اعداد هؤلاء الطلاب عسكرياً عن طريق ضباط يقوم الجيش بارسالهم الى هذه المدارس ليتولوا تدريب الطلاب على استخدام السلاح، وبعض التدريبات العسكرية داخل اطار المدرسة.

ويتولى الجيش دفع مستحقات التعليم في هذه المدارس، الى جانب دفع رواتب الحاخامات الذين يتولون التدريس فيها، لكن الجيش في نفس الوقت لا يتدخل في منهاج التعليم غير العسكرية، حيث يحظى الحاخام الذي يدير المدرسة بحرية عمل كاملة. فنظام التعليم فيها مستقل تماماً وتتحكم فيه المرجعيات الروحية للتيار الديني الصهيوني دون أي قدر من الرقابة على مضامين مناهج التعليم فيه

 

 الى جانب مظاهر العسكرة الصارخة التي تقوم عليها هذه المدارس، فأن الطلاب فيها يتلقون تعليماً دينياً بالغ التطرف ويقوم على العنصرية وكراهية الآخر بشكل فج. ويكفي أن نعرف أن معظم هذه المدارس تقع إما في المستوطنات، أو في القدس المحتلة ويشرف عليها مدراء هم من أكثر الحاخامات تطرفاً.  والى جانب العسكرية، فأن هذه المدارس تربي طلابها بصراحة على رفض القيم الديموقراطية

 

يقضي هؤلاء ثمانية عشر شهراً في هذه المدارس، يمارسون خلالها تعليمهم الديني وفي نفس الوقت يؤدون الخدمة العسكرية، مع العلم أنه بعد تخرجهم منها يقضون ثلاثين شهراً اضافية في الخدمة العسكرية.

 يبلغ عدد هذه المدارس اثنين واربعين مدرسة، والشعار الذي ترفعه هذه المدارس أن " الخدمة العسكرية والروح القتالية هي مهمة جماعية يفرضها الدين بهدف قيادة المشروع الصهيوني ".

من هنا كان كل طالب في هذه المدارس لا ينظر خلال تأديته الخدمة العسكرية أنه يؤدي خدمة اجبارية تنتهي بعد ثلاث سنوات، بل أنها بوابة واسعة لممارسة التأثير على مستقبل الدولة وعلى عملية صنع القرار فيها. 

 

 

 

العمود الفقاري للجيش

 

على الرغم من أن الخدمة العسكرية في إٍسرائيل الزامية، إلا أن الانتساب للوحدات المختلفة داخل الجيش هي أمر اختياري وطوعي.

وبفعل التثقيف والتعبئة التي يتعرضون لها داخل " يشيفوت ههسدير "، فأن اتباع التيار الصهيوني الديني يتجهون للانتساب للوحدات المختارة، وسرايا النخبة في الجيش.

 شيئا فشيئاً أصبح معظم قادة الوحدات المقاتلة هم من المتدينين .

 ومعظم القادة والمنتسبين للوحدات المختارة مثل " سرية وحدة الاركان "، و " ايجوز "، " دوفيديفان " و " يسام "، هم ايضاً من المتدينين. ليس هذا فحسب أن المتدينين  يحتكرون الخدمة في ما يعرف ب " سرايا النخبة " التابعة لألوية المشاة، فمثلاً 60% من القادة والمنتسبين لسرية النخبة في لواء المشاة " جفعاتي " هم من المتدينين.

تغلغل المتدينين الصهاينة في المواقع القيادية للجيش دفع الجنرال يهودا دونيدينان الذي كان مسؤولاً عن قسم "الشبيبة " في وزارة الدفاع للقول أن أتباع التيار الديني الصهيوني أصبحوا يشكلون " العمود الفقاري " للجيش.

لا يقتصر اندفاع المتدينين خريجي " يشيفوت ههسدير "،نحو المواقع القيادية في الجيش، بل أيضاً في الأجهزة الاستخبارية. فعلى الرغم من أنه لا يعلن عادة عن هوية الذين يخدمون في الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية، إلا أن التسريبات الصحافية تؤكد أن المتدينين أصبحوا يمثلون ثقلاً متصاعداً داخل جهاز المخابرات الداخلية " الشاباك "، وهو أكثر الأجهزة الاستخبارية تأثيراً على دوائر صنع القرار في الدولة.

وما ينطبق على الجيش والمخابرات ينطبق على الشرطة وحرس الحدود. وهذا كله بالطبع بفضل وجود المدارس الدينية العسكرية.

 

مدرسون ومرجعيات للإفتاء

 

اللافت للنظر أن معظم المدراء والمعلمين في المدارس الدينية العسكرية هم من الحاخامات، وبعضهم يعتبر مراجع هامة للإفتاء، وفتاوى هؤلاء يتم تدريسها في هذه المدارس للطلاب ويتم التعامل معها بقدسية الكتب المقدسة.

ويكفي هنا نطلع على بعض الفتاوى التي يدرسها هؤلاء الطلاب حتى نتعرف على نوعية التعبئة والتثقيف التي يتلقاها هؤلاء الطلاب.

تكريس ثقافة الكراهية والإجرام

ففي هذه المدارس يتم تدريس عدد كبير من الفتاوى التي تعمل على تكريس ثقافة الكراهية وتدفع الشباب اليهودي الى تبني مواقف عنصرية ظلامية من العرب والمسلمين.

 وأكثر من ذلك، تمهد الطريق أمام ارتكاب المجازر ضد الفلسطينيين.

 ولعل أخطر الفتاوى التي يتعلمها ويتلقنها طلاب المدارس الدينية العسكرية هي الفتاوى التي يصدرها الحاخام مردخاي الياهو، الحاخام الأكبر السابق للدولة العبرية، وأهم مرجعية دينية للصهاينة المتدينين الذين تتبع لهم " يشيفوت ههسدير حصراً ".

وتتحول فتاوى هذا الحاخام الى مادة دراسية وعلمية يتنافس المدرسون من الحاخامات على تدريسها. فقد أصدر هذا الحاخام فتوى تدعو لابادة الفلسطينيين بشكل كامل. مردخاي قال في فتوى تم تعميمها على جميع المدارس الدينية العسكرية، ونشرتها وسائل الاعلام الإسرائيلية، وحظيت باهتمام خاص من قبل وسائل الاعلام الدينية و تم تضمينها المئات من المطبوعات التي توزع داخل الكنس اليهودية في الدولة العبرية أنه يتوجب قتل جميع الفلسطينيين حتى أولئك الذين لا يشاركون في القتال ضد الاحتلال.

لم يكتف الحاخام البارز بذلك، بل اعتبر أن هذه ليست مجرد فتوى، بل " فريضة من الرب يتوجب على اليهود تنفيذها ".

 بعد ذلك بأسبوع قام الحاخام اليعازر ملميد مدير المدرسة الدينية العسكرية في مستوطنة  " تفوح "، الذي أصدر فتوى تبيح  لطلاب مدرسته بسرقة محاصيل المزارعين الفلسطينيين، على اعتبار أنهم جزءاً من " الأغيار الذين يجوز لليهود استباحة ممتلكاتهم ".

بالفعل فقد تم تطبيق فتوى الحاخام وقام تلامذته بنهب المحاصيل الزراعية للفلسطينيين في شمال الضفة.

 دوف ليئور الحاخام الأكبر لمستوطنة " كريات أربع "، شمال شرق مدينة الخليل، ورئيس مجلس المستوطنات في الضفة الغربية، والذي يدير في نفس الوقت مدرسة دينية عسكرية أصدر فتوى تبيح للمستوطنين تسميم مواشي ودواب وآبار المياه التي يملكها المزراعون الفلسطينيون في البلدات والقرى المجاورة للمستوطنة

. وأيضاً هنا لم يتردد المستوطنون والطلاب في تنفيذ الفتوى، فلا يكاد مر يوم في الفترة التي تلت اصدار الفتوى، دون أن يستيقظ سكان هذه البلدات والقرى، إلا ويجدوا الكثير من دوابهم قد نفق بفعل السموم التي يرشها المستوطنون على المراعي التي تقصدها ماشية الفلسطينيين.

 

وفي السابع من ايلول من عام 2005 وجه كبار الحاخامات اليهود، رسالة تتضمن فتوى دينية الى رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق ارييل شارون ، حثوه فيها على عدم التردد في المس بالمدنيين الفلسطينيين خلال المواجهات المندلعة في الأراضي المحتلة، وجاء في الفتوى التي وقعها الحاخامات المسؤولون عن المدارس الدينية، وفي المقدمة منهم الحاخام دوف لينور ، ما نصه : «نحن الموقعون ادناه، ندعو الحكومة الاسرائيلية والجيش الاسرائيلي الى العمل حسب مبدأ، من يقم لقتلك ، سارع الى قتله . وأضافت الرسالة: «لا وجود في العالم لحرب يمكن فيها التمييز بشكل مطلق، بين المدنيين والجيش، لم يحدث ذلك في الحربين العالميتين، ولا في حرب الولايات المتحدة في العراق، وحرب روسيا في الشيشان، ولا في حروب اسرائيل ضد اعدائها ، قومية تحارب قومية ، قومية تنتصر على قومية »، على حد تعبير الرسالة .

 

وأردف الحاخامات : " والسؤال المطروح أمامنا هو هل نحارب العدو من خلال هجوم يقتل خلاله مدنيون من صفوفه، أو نمتنع عن الحرب بسبب المدنيين فنخاطر بذلك بالمدنيين لدينا؟ الجواب على السؤال نجده ببساطة لدى الحاخام عكيفا ( أحد مرجعيات الافتاء لليهود في العصور الغابرة، الذي قال : حياتنا أولى". واعتبر الحاخامات ان هذا ما درج عليه ملوك اسرائيل على مر التاريخ ، مضيفين " هكذا تصرف شعب اسرائيل منذ ايام النبي موسى ، الذي حارب أهل مدين ، وهكذا تصرف بفتاح الجلعادي ، شاؤول، داوود ، وكل قادة اسرائيل على مر العصور ، وهكذا تصرفت دولة اسرائيل في حرب الأيام الستة، وهكذا هو المتعامل به في القانون الدولي، لا حاجة ولا فائدة من انتظار المهاجم حتى يبدأ هجومه ، بل يجب استباقه ومنعه من تنفيذ مآربه "، كما جاء في نص الفتوى .

وحذر الحاخامات مما سموه التقليد النصراني في التعامل في النزاعات القائل «ادر خدك الثانية »، وفي اشارة الى نشطاء السلام الاسرائيليين قال البيان «لن نتأثر بمن بلغوا الدرك الأسفل منطقيا واخلاقيا من خلال تفضيلهم لحياة الاعداء على حياتنا ".

وما يهم هنا أن هذه الفتوى تم تدريسها في حينه لطلاب المدارس الدينية العسكرية في جميع ارجاء الدولة العبرية.

 

هذه الخلفية تفسر العديد من فتاوى الحاخامات، التي تدرس في " يشيفوت ههسدير "، التي تستهين بحياة العرب وتتعامل معهم بازدراء شديد.

 فمثلاً يتعلم طلاب المدارس الدينية فتوى الحاخام دوف لينور التي حظر فيها تبرع اليهود باعضائهم للاغيار ، لكنه اباح لهم عند الضرورة تلقي تبرعات مماثلة من أولئك الاغيار.

 

وأمام احتجاج رابطة تبرع الاعضاء في اسرائيل غير الحاخام فتواه قليلا ، بحيث اباح لليهودي ان يتبرع بعضو لشخص يحتاج في حالة الضرورة وقال ان اليهود اذا ما امتنعوا عن التبرع للاغيار ، فإن هؤلاء الأخيرين لن يعطوهم شيئا بالتالي، وهذا قد يسهم في الاضرار باليهودي الذي قد يحتاج الي الحصول على عضو بديل ينقذ به حياته ، ومن ثم فإنه اعتبر ان السماح بتبرع اليهودي لأي واحد من الاغيار، هو في حقيقة الأمر احتياط هدفه تحقيق مصلحة اليهودي في أي فترة لاحقة، غدا أو بعد غد.

 

ومن المواد العنصرية التي تدرس في هذه المدارس التفوهات العنصرية الصادرة عن الزعيم الروحي لحزب «شاس» عودفاديا يوسف الذي قال " عندما يأتي المسيح المنقذ ، فإنه سيرسل كل العرب الى جهنم ".

 واضاف "  لماذا لا يفعل ارييل شارون ما يجب فعله؟ انه يخاف من شعوب العالم ، لكن المسيح المنقذ حين يأتي فإنه لن يخشى احدا ، وسيرسل كل هؤلاء العرب الى جهنم " .

 

ويصف يوسيف العرب ب " الثعابين " ويدعو الى عدم الوثوق بهم على الاطلاق.

ويقبل طلاب هذه المدارس على الاطلاع على كتب دينية ذات طابع عنصري مقيت، مثل الكتاب الذي اصدره الحاخاماسحاق غينزبرج بعنوان «باروخ البطل» جاء تخليدا لاسم باروخ جولد شتاين، الذي نفذ مجزرة الحرب الابراهيمي في العام 1994.

  ويعتبر هذا الحاخام أن جولدشتاين قد قام بعمل " جليل ومجيد ". وهكذا فأن جميع طلاب المدارس الدينية يتربون على ان جولدشتاين هو في مرتبة القديسين، وجعلوا من قبره مزاراً

يتبركون به.

 

وفي المدارس الدينية يتم التهجم على الإسلام ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم. فهاهو الحاخام ايلي الباز، الذي يحاضر في العديد من المدارس الدينية، والذي يعتبر من أبرز الحاخامات الشرقيين، لا يفوت فرصة دون التهجم على دين الإسلام والتعرض لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالذم.

 ليس هذا فحسب، بل أن هذا الحاخام المجرم يصر على التندر أمام مستمعيه بترديد النكات التي تمس بالمسلمين والفلسطينيين ويستخدم عبارات نابية في مهاجمة المسلمين

. أما الحاخام الياهو ريسكين، والذي يدير المدرسة الدينية العسكرية في مستوطنة " افرات " القريبة من بيت لحم ويعتبر احد كبار حاخامات المستوطنين فيسخر من الدعوات لاجراء حوار بين حاخامات اليهود والقائمين على المؤسسة الدينية الرسمية في العالم العربي.

ويرى ريسكين أن لغة الحوار الوحيدة بين المسلمين واليهود هو " الرصاص "، معتبراً أنه بدون اقناع العرب بشكل عام والفلسطينيين بشكل خاص أنه لا يمكن فرض تسوية على " إسرائيل " بالقوة، فأنه لا طائل من مثل هذه الحوارات.

 

من ناحية نظرية بحتة، ولكون دولة إسرائيل دولة علمانية، فأنه لا يوجد مكانة قانونية للفتاوى التي يصدرها كبار الحاخامات في الشؤون السياسية والعسكرية،بإستثناء الشؤون الدينية التي تنظم شؤون الفتوى بخصوصها مؤسسة الحاخامية الكبرى، والتي تمثل أكبر هيئة دينية في الدولة. لكن من ناحية عملية، فأن الثقافة السائدة في الدولة العبرية تجعل لهذه الفتاوى، سيما الصادرة عن مرجعيات الإفتاء الكبيرة في الدولة أهمية قصوى وتأثير بالغ ليس فقط على قطاعات واسعة من اليهود، وعلى رأسهم طلاب المدارس الدينية، بل على دوائر صنع القرار في الدولة العبرية. صحيح أن المتدينين سواء الذين يتبعون التيار الديني الصهيوني أو التيار الديني الأرثوذكسي يشكلون حوالي 28% من مجمل المستوطنين في الدولة، إلا أن أكثر من 50% من سكان هذه الدولة يعرفون أنفسهم كمحافظين، وهؤلاء يولون أهمية كبيرة لما يصدر عن المرجعيات الدينية في أرجاء الدولة.

 لكن مكمن الخطورة في تأثير هذه الفتاوى العنصرية التحريضية يكمن – كما أسلفنا - في تأثيره على المتدينين، وعلى وجه الخصوص طلاب المدارس الدينية العسكرية الذين ينطلقون بشكل كبير لتولي المناصب العليا في الجيش والأجهزة الاستخبارية.

 فحسب دراسة أعدها قسم العلوم الاجتماعية في جامعة " بار ايلان " التي يسيطر عليها المتدينون، تبين أن أكثر من 99% من طلاب المدارس الدينية العسكرية، و90% من المتدينين بشكل عام يعتقدون أنه في حال تعارضت قوانين الدولة وتعليمات الحكومة مع فحوى الفتاوى الصادرة عن الحاخامات، فأن عليهم أن يتجاهلوا قوانين الدولة وتعليمات الحكومة والعمل وفق ما تنص عليه فتاوى الحاخامات.

 

 ولا خلاف بين علماء الاجتماع السياسي في الدولة العبرية وكذلك الجنرالات المتقاعدين على أنه لن يكون ذلك اليوم بعيداً الذي تنتقل فيه قيادة الجيش بأكملها الى أتباع التيار الديني الصهيوني.

 

 

تكريس النزعات الانفصالية:

 

لكن وجود هذه المدارس أشعل الأضواء الحمراء لدى الكثير من النخب في الدولة العبرية التي باتت ترى في هذه المدارس تهديداً للنظام الديموقراطي الإسرائيلي ونقطة انطلاق لتشجيع النزعات الانفصالية عن الدولة.

 

 ففي النظم الديموقراطية ينحصر دور المستوى العسكري فقط في تنفيذ السياسات التي تقررها الحكومات التي تفرزها الانتخابات. ويعد عدم التزام العسكر بتعليمات الحكومة تقويضاً عملياً لتلك الديموقراطية. هنا يكمن الخطر في تبوؤ المتدينين للمواقع القيادية في الجيش، الذي تضمنه لهم " يشيفوت ههسدير ".

 فالقائد والجندي المتدين في الجيش الإسرائيلي قد تمت تربيته على أنه عندما يفرض عليه الاختيار بين تنفيذ الأوامر العسكرية الصادرة عن قيادته وحكومته المنتخبة، وتعليمات مرجعياته الروحية، فأنه لا يتردد في تلبية تعليمات المرجعيات الدينية.

ولعل المثال الأكثر وضوحاً على ذلك هو ما قاله الجنرال يسرائيل فايس كبير حاخامات الجيش الذي قال مؤخراً أنه يفضل خلع بزته العسكرية على تنفيذ أي أمر يصدر عن قيادة الجيش ويتعارض مع تعليمات الحاخام ابراهام شابيرا، ثاني أهم مرجعية روحية للتيار الديني الصهيوني.

المفارقة أن مدراء " يشيفوت ههسدير " من الحاخامات الذين يحرصون على تذكير طلابهم الذين يعدونهم لقيادة الجيش والدولة أنه لا مصدر أكثر قدسية من تعليمات التوراة والكتب المقدسة اليهودية، وأن أي تعليمات تصدرها قيادة الدولة يجب أن تفقد شرعيتها في حال تعارضت مع تعاليم الدين التي تحتكر المرجعيات الروحية للتيار الديني الصهيوني الحق في تفسيرها.

 

فمثلاً جميع المرجعيات الروحية للصهيونية الدينية دعت اتباعها من القادة والجنود الى رفض تعليمات قيادة الجيش بالمشاركة في تنفيذ خطة " فك الارتباط ".

 ولعل الذي يعكس صدقية المخاوف من تأثير وجود هذه المدارس الكبير هو حقيقة أن معظم الذين شاركوا في الاحتجاجات ضد عمليات اخلاء المستوطنات هم من طلاب وخريجي المدارس الدينية العسكرية. ليس هذا، بل أن حاخاماً بحجم ابراهام شابيرا دعا اتباعه  من طلاب المدارس الدينية العسكرية للانشقاق عن الجيش في حال تمت تنفيذ خطة " فك الارتباط ".

بعض حاخامات الصهيونية الدينية من الذين يديرون بعض المدارس الدينية العسكرية دعوا طلابهم واتباعهم الى اطلاق النار على افراد الأمن الإسرائيلي الذين يشاركون في اخلاء المستوطنات، كما أفتى الحاخام حاييم دروكمان الذي هو نفسه مديراً لاحدى " يشيفوت ههسدير " في منطقة الخليل.

 

وحسب استطلاع لآراء الضباط والجنود المتدينين أشرف عليه مركز هرتسليا متعدد الاتجاهات ونشر العام الماضي، تبين أن أكثر من 95% من الجنود والضباط المتدينين يرون أنهم سينفذون تعليمات الحكومة المنتخبة وقيادتهم في الجيش، فقط في حال توافقت مع الفتاوى التي يصدرها كبار الحاخامات والمرجعيات الدينية. وكما يقول الجنرال شلومو غزيت، رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية سابقاً فأنه " لا يختلف اثنان في اسرائيل على أن الجندي المتدين الذي يتخرج من المدارس الدينية العسكرية يرى في الحاخام الذي يدرسه أو يدير المدرسة التي يتعلم فيها هو قائده الأعلى وليس قائده العسكري ".

 

من هنا فقد كان تحذير رئيس " الموساد " الأسبق الجنرال داني ياتوم واضحاً وقاطعاً، فإمكانية أن يحدث انقلاب عسكري على الحكومات المنتخبة في إسرائيل أصبحت أمراً وارداً بسبب التثقيف التي تمنحه المدارس الدينية العسكرية لطلابها الذين يتجهون بقوة تبوء المواقع القيادية في الجيش.

 وإن كان مثل هذا السيناريو ظل ينظر اليه في إسرائيل حتى وقت قريب على أنه محض خيال، فأن المخاوف على استقرار النظام السياسي بسبب اندفاع المتدينين الصهاينة نحو المواقع القيادية في الجيش أصبحت حديث الساعة في الدولة العبرية. فإلى جانب ياتوم فأن هناك عدداً كبيراً من الجنرالات المتقاعدين والساسة، فضلاً عن الباحثين والصحافيين من يرى في تغلغل طلاب المدارس الدينية العسكرية من اتباع التيار الديني الصهيوني الواسع في الجيش أكبر خطر يهدد النظام " الديموقراطي " في الدولة العبرية، لدرجة أن هناك من دعا الى التوقف عن استيعاب المتدينيين الصهاينة في الوحدات القتالية، وسد الطريق أمام تبوؤهم المراكز القيادية في الجيش.

 

 ويضيف ياتوم " قبل عامين كنت أعتقد أن هذا السيناريو وهم وخيال، لكنه أصبح واقعيًا في ضوء الأحداث الأخيرة  التي نشهد فيها مظاهر العصيان في الجيش ، و التشكيك في شرعية الحكومة والبرلمان " من قبل حاخامات الصهيونية الدينية، وتحديداً الذين يديرون المدارس العسكرية الدينية.

 

ويرى المفكر الصهيوني بامبي شيلغ أن الغرور أعمى أتباع التيار الديني الصهيوني من خريجي وطلاب المدارس العسكرية الدينية بحيث لم يعودوا يستسيغون أن يتم حسم القرارات المصيرية للدولة خارج عباءة رجال الدين.

ويصل شيلغ الى القول أن هذا الغرور قد أدى الى ظهور النزعات الانفصالية لهذا التيار عن الدولة ومؤسساتها.

 ويصل الكاتب يارون لندن الى نفس النتيجة محذراً من تفاقم النزعات الانفصالية لدى التيار الصهيوني الديني. اللافت للنظر، أنه وعلى الرغم من تحذير النخب العلمانية من خطورة المدارس الدينية العسكرية، والحاخامات الذين يديرونها على النظام الديموقراطي في الدولة، إلا أن مؤسسات حفظ القانون والنظام في الدولة العبرية لم تحاول ولو مرة واحدة التعرض لهؤلاء الحاخاما  أو مساءلتهم عن هذا التحريض العنصري الذي لا يوازيه تحريض.

 

يس هذا فحسب، بل أن الحاخامات المتورطين في هذا التحريض يحظون بثقل متزايد في السياسة الاسرائيلية، ويتنافس صناع القرار السياسي في الدولة العبرية على استرضائهم والتقرب منهم، والتزلف اليهم.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا هذا الصمت ازاء هذه الفتاوى القاتلة، ولماذا الكيل بمكيالين؟.

الذي يثير المرارة أن أحداً في العالم العربي لم يحاول الاهتمام بما يصدر عن المرجعيات الدينية الكبرى في الدولة العبرية من فتاوى ويحاول اطلاع الرأي العام والعربي و العالمي على هذا التثقيف على الحقد الأعمى في المدارس الدينية العسكرية التي تمثل نبع الآسن من الكراهية.

 

 

خلاصة

لا شك أن المعطيات السابقة يجب أن تشعل الأضواء الحمراء لدى دوائر صنع القرار في العالم العربي، أن كان هناك ثمة من يلقي بالاً لما يحدث في إسرائيل. فعسكرة التعليم في إسرائيل و تبوؤ المتدينين المراكز القيادية في الجيش سيؤثر مستقبلاً بشكل كبير على طابع العلاقات بين اسرائيل مع العالم العربي. فالجيش الذي سيكون تحت قيادة المتدينين هو غير الجيش الحالي، على الرغم من أن معظم القادة الحاليين ذوي نزعات عنصرية متطرفة. الجيش الاسرائيلي تحت قيادة المتدينين سيدفع الحكومة الى سياسات أكثر تصادماً مع العالم العربي، فضلاً عن أنه سيتجاهل مظاهر الغزل التي تبديها أنظمة الحكم العربية تجاه الدولة العبرية، وذلك بفعل تأثرهم الشديد بالأفكار الخلاصوية التي توغل في نفيها للآخر العربي وازدرائه.

 

 

 

 

المراجع:

1-امنون ليفي، " المتدينون الجدد "، ماجناس، تل ابيب، 1992.

2- ايلي بودايا ، الصراع في كتب التاريخ المدرسية العبرية  "، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية: رام الله، 2005.

3- داني ياهف، " ما أروع هذه الحرب "،  المركز الفلسطيني للدراسات الاسرائيلية: رام الله، 2006.

4-مجلة قضايا اسرائيلية، السنة الاولى، العدد 3، صيف 2001.

5-مجلة قضايا اسرائيلية، السنة الثانية، العدد 8، خريف 2002.

6-معاريف 24/3/2005.

7-معاريف 16/6/2003.

8-يديعوت احرونوت 5/7/2002

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر