موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
إسرائيل، سوريا: عروض السلام أم وجبات اهانة

أصبح الجدل الإسرائيلي الداخلي المحتدم حالياً حول أفق التسوية مع سوريا، مقترن بشكل واضح بتوجيه المزيد من الإهانات لدمشق. فهذا الجدل يبرز النظام السوري وكأنه يقطع الليل بالنهار وهو يحاول اقناع حكام تل أبيب بأن هناك ما يمكن التفاوض حوله مع دمشق. وبسرعة ينشغل الإسرائيليون في الإجابة على السؤال الآتي: هل الرسائل التي ترسلها دمشق تنم عن توجه حقيقي للتسوية، أم مجرد محاولة للتملص من تبعات قرار مجلس الأمن الدولي الأخير القاضي بإقرار تشكيل المحكمة الدولية للتحقيق في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري. واللافت أن الفرضيات التي تعرض خلال هذا الجدل للإجابة على هذا السؤال تصور النظام السوري وكأن كل ما يعنيه هو البقاء ولو بثمن التضحية بالمصالح الوطنية والقومية للقطر السوري. فمثلاً الرأي الذي يقدمه مئير دجان رئيس جهاز " الموساد " خلال جلسات الحكومة الإسرائيلية التي يتم فيها مناقشة التوجهات السورية، يقوم على أن النظام السوري غير معني بالتسوية مع اسرائيل، حتى لو تنازلت تل ابيب عن كل هضبة الجولان، على اعتبار أن النظام القائم في دمشق يرى في حل الصراع مع اسرائيل نهاية مبررات وجوده، حيث أنه سيفتح الطريق أمام المطالبة بالتعددية السياسية والعمل الديموقراطي. ومن الإعتبارات الهامة التي تناقش خلال هذا الجدل وتمثل مساً بسوريا، هو موقف الإدارة الأمريكية من التسوية مع سوريا، فجميع مستويات صنع القرار في تل أبيب تؤكد أن إدارة الرئيس بوش غير معنية بمفاوضات بين اسرائيل وسوريا، قبل أن تفي دمشق بجملة شروط، وهي: التأكد من منعها لتدفق المسلحين عبر حدودها بإتجاه العراق، ورفع ايديها عن لبنان، وقد عبر عن ذلك كل من الرئيس بوش ووزيرة خارجيته كوندليزا رايس. وإذا تجاوز الجدل الإسرائيلي قضية الموقف الأمريكي من التسوية مع دمشق، فأنه ينتقل بسرعة للتنازلات التي على دمشق تقديمها من أجل أن يكون الإتفاق مع تل ابيب ممكناً، وهنا عدد كبير من الإملاءات الإسرائيلية. فرئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت يخرج عن طوره وهو يؤكد أنه في أي تسوية سياسية مع سوريا، فأن إسرائيل لن تنسحب من كل هضبة الجولان، في حين يزعم رئيس المعارضة ورئيس الوزراء الاسبق بنيامين نتنياهو أن سوريا وافقت في الماضي على التنازل عن قمة " جبل الشيخ " مقابل التوصل لتسوية سياسية مع تل ابيب. ولا تقف الإملاءات عند هذا الحد، بل أن سوريا ستكون مطالبة بقطع علاقاتها مع ايران وحزب الله، وأن تقوم بطرد قيادات الحركات الفلسطينية المتواجدين في دمشق.

 وعند الحديث عن إمكانية اندلاع حرب بين سوريا وإسرائيل، فأن القادة الصهاينة يشددون بتعالي أنه في حال شنت سوريا حرباً، فأن ردة فعل الجيش الإسرائيلي تضمن عودة سوريا الى عصور سحيقة من التاريخ. وحتى عند هذه النقطة يطرح الإسرائيليون السؤال التالي: هل من مصلحة تل أبيب زوال النظام السوري الحالي، أم الإبقاء عليه ؟. وتشكل الإجابة الرائجة على هذا السؤال أيضاً إهانة للنظام في سوريا. فمعظم الآراء التي يعبر عنها قادة الأجهزة الاستخبارية وتعليقات الباحثين والمستشرقين ترى أن بقاء النظام الحالي افضل من جميع الخيارات الأخرى. ويرى أصحاب الرأي في تل ابيب أن البدائل التي ستحل محل النظام الحالي تمثل مصدر أكبر للخطر. وتجمع هذه الآراء على أنه في حال  تنحى النظام الحالي، فأن هناك خيارين لا ثالث لهما أمام سوريا: فإما أن ينتقل الحكم لجماعة الأخوان المسلمين باعتبارها أكبر حركات المعارضة السورية، الأمر الذي يعني أن نظاماً شبيها بحكومة حركة حماس ستكون على الجبهة الشرقية لاسرائيل، كما يقول رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الاسرائيلي الأسبق اوري ساغيه، أو أن تحل الفوضى لتكون سوريا نقطة انطلاق مثالية لعناصر تنظيم " القاعدة "، وغيرها من الحركات الجهادية.

لكن أولمرت ومقربيه المسؤولون عن إثارة هذا الجدل يتجاهلون الحقيقة التي يدركها الجميع في إسرائيل وهي أن أولمرت هو الطرف غير الجاد الوحيد في التوصل لتسوية للنزاع مع سوريا، كما هو الحال بالنسبة للنزاع مع مختلف الأطراف العربية. فأولمرت الذي يدرك أن ايامه في الحكم باتت معدودة بعد إصدار تقرير لجنة " فنيوغراد "، والتي حملته المسؤولية عن فشل إسرائيل في الحرب الاخيرة ضد لبنان، يعي أنه غير قادر على خوض غمار أي تسوية سياسية مهما كانت متواضعة. في نفس الوقت فأن حكومة اولمرت تحظى فقط بتأييد 15% من الاسرائيلييين، في حين أن شعبيته لا تتجاوز الاربعة بالمائة. من هنا فأن اولمرت لن يتوجه الى تنظيم استفتاء لإضفاء شرعية على أي خطوة سياسية بقصد التوصل لتسوية سياسية مع السوريين لكنه يبدي هذا الحماس من أجل اقناع حزب العمل الإسرائيلي الذي يوشك على اختيار زعيم جديد له أن هناك مسوغ لمواصلة الشراكة بين حزبي كاديما الذي يتزعمه وحزب العمل.

قصارى القول، وبغض النظر عن مدى دقة التسريبات الإسرائيلية التي تتحدث عن رسائل متواصلة من دمشق لت ابيب، فأنه يتوجب على دائرة صنع القرار في سوريا أن تدرك أن كل الجدل الإسرائيلي المصطنع هو لذر الرمال في العيون ولا يهدف الى تحقيق تسوية حقيقية، وبالتالي فأن أي استثمار سوري في قضية التسوية مع إسرائيل سيحوله الإسرائيليون الى جرعات من الإهانة لدمشق.

 

*** نشر المقال في مجلة الاسلام اليوم بتاريخ 12-6-2007

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر