موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
كيف فسر الإسرائيليون ما جرى في غزة ؟

أبدت وسائل الإعلام ، وكبار الكتاب والنخب الحاكمة والمثقفة في إسرائيل، اهتماماً واسعاً جداً بالتعليق على التطورات الأخيرة التي وقعت في الأراضي الفلسطينية وانتهت بسيطرة حركة حماس على قطاع غزة وقرار الرئيس الفلسطيني محمود عباس بحل حكومة الوحدة الوطنية وتشكيل حكومة طوارئ محلها، الى جانب اصداره مرسوماً يعتبر بموجبه القوة التنفيذية التابعة لوزارة الداخلية و" كتائب عز الدين القسام "، الجناح العسكري لحركة حماس اجسام غير شرعية. حاول الكتاب الإسرائيليون تفسير ما جاء، الى جانب اختلافهم حول الطريقة التي يتوجب على إسرائيل التعامل بها مع الواقع الجديد.

 

لم يخوضوا معركة دحلان

داني روبنشتاين، المعلق للشؤون الفلسطينية في صحيفة " هآرتس " يحاول الإجابة على السؤال الذي حير الاسرائيليين، ومعهم الكثيرين في العام، الا وهو: كيف سقطت غزة بكل هذه السهولة في ايدي حركة حماس. ويقول في مقال نشره الاثنين الماضي " الشيء الأكثر غموضا في الأحداث الدامية في غزة هو سرعة نجاح قوات حماس المسلحة في التغلب على جميع اجهزة الأمن الرسمية للسلطة الفلسطينية، التي كانت خاضعة لسلطة الرئيس محمود عباس. كانت الاجهزة الرسمية تضم عشرات الآلاف من الجنود. وقد ملكوا السلاح، والتجهيزات والمنشآت، لكن كل هذا لم يساعدهم. إن مقاومة الاجهزة وقادتها من حركة فتح هجمات الوحدات التنفيذية وكتائب القسام لحماس استمرت أقل من 48 ساعة. كيف حدث هذا؟ ". ويضيف أن تفسير ذلك "  يكمن في أن عاصر حركة  فتح وقادتهم في هذه الاجهزة لم يريدوا القتال أصلا؛  لقد خضعوا لانهم لم يروا هذه الحرب حربهم ". ويؤكد روبنشتاين أنه من جهة أكثر نشطاء فتح في غزة، كانت الحرب بين حماس ومحمد دحلان " فلماذا يُعرضون حياتهم للخطر من أجل الدفاع عن دحلان وعن العشرات من رجاله، ينظر اليهم الفلسطينيون كجماعة فاسدة و آثمة؟ "، على حد تعبيره. ويحدد روبنشتاين سبباً آخر للانفضاض الجمهور الفلسطيني عن ابو مازن ودحلان قائلاً " مشكلة دحلان وأبو مازن انهم  اوصلا شعبهم الى حضيض فظيع، والى حياة فقر، وضيق وحصار. المسار السياسي الذي مشوا فيه عشرات السنين، منذ الاعتراف باسرائيل في صيف 1988 – أفضى الى طريق مسدود. ........الجمهور الفلسطيني المسحوق في غزة، تهمه حقيقة أن قادته الذين علقوا آمالا على اسرائيل، قادوه الى هذا الوضع ".

 

نافذة فرص

عض الباحثين والكتاب الإسرائيليين رأى في ما حدث نافذة فرص يتوجب على إسرائيل استغلالها حتى النهاية. فالبرفسور درور زئيفي، المحاضر في قسم دراسات الشرق الاوسط في جامعة بن غوريون في النقب يقول أنه أن التطورات الأخيرة اسفرت عن فرصة تاريخية، تمثلت بالفصل بين الضفة وغزة، وبالتالي يحظر على اسرائيل عدم استغلال هذه الفرصة. واضاف في مقال نشرته صحيفة " يديعوت احرنوت " في عددها الصادر الاثنين الماضي " لو كنا علماء نخطط لتجربة في المختبر، لما استطعنا أن نخطط لتجربة أكثر نجاحا: فلدينا جماعتان ( فلسطينيتان ) متمايزتان بوضوح، ومنفصلتان جغرافيا بلا اتصال بينهما تقريبا ". ونصح زئيفي دائرة صنع القرار في تل ابيب بالشروع في مفاوضات مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، والفلسطينيين في ذروة تفرقهم. لكن زئيفي يستدرك قائلاً أن هذا يتوجب أولاً من عباس أن إثبات جدارته عبر شن حرب ضد جماعات حركة " فتح " المسلحة المنتشرة في الضفة الغربية، بعد أن يخيرهم بين الانصياع لتعليماته، أو مواجهة ضربات اجهزة أمنه. ويعتبر زئيفي أن هذا يستوجب في المقابل خطوات إسرائيلية أكثر مرونة تتمثل في قرار اسرائيلي باخلاء مستوطنات كثيرة من أجل السماح بإقامة كيان فلسطيني يستطيع أن يحكمه ابو مازن، ويكون مثال للإستقرار بالنسبة للفلسطينيين. من ناحيته يرى عوديد جرانوت معلق الشؤون العربية في القناة الاولى للتلفزيون الاسرائيلي قرار ابو مازن بحل حكومة الوحدة ، بأنه يمثل مصلحة اسرائيلية لأنه يعني اسدال الستار على اتفاق مكة. ويطالب غرانوت الحكومة الإسرائيلية ب " عناق ابو مازن وتشجيعه لعدم التصالح مع حركة حماس "، معتبراً أن تصالح الفلسطينيين يأتي دوماً ضد المصلحة الإسرائيلية. من ناحيتها اشادت صحيفة " هارتس " في افتتاحية عددها الصادر الاثنين الماضي بالقرارات " الشجاعة " التي إتخذها الرئيس عباس مثل الاعلان عن حكومة الوحدة والإعلان عن القوة التنفيذية التابعة لوزارة الداخلية الفلسطينية، وتشكيل حكومة طوارئ، معتبرة أن هذه القرارات " تمثل بداية عهد جديد، يتوجب على اسرائيل استغلاله ". وتضيف الصحيفة أنه من الأفضل لإسرائيل أن يكون في مناطق السلطة الفلسطينية حكم مركزي وإن كان ضعيفاً وهشاً على أن يكون فيها حكماً للإسلام المتعصب "، مطالبة أولمرت أن ينسق خطواته بشكل جيد مع الرئيس بوش. ونوهت الصحيفة الى أنه من اجل دق اسفين بين الجمهور الفلسطيني وحركة حماس لا يكفي فقط التخفيف على حياة الناس وتحسين شروط معيشتهم، بل يتوجب العمل على الشروع في التفاوض على تطبيق خطة " خارطة الطريق " التي بلورتها اللجنة الرباعية التي تضم الى جانب الولايات المتحدة الاتحاد الاوروبي وروسيا الاتحادية والامم المتحدة، معتبرة أنه بدون افق سياسي يؤدي الى انهاء لاحتلال، فأن كل الخطوات الهادفة الى عزل حماس ستبوء بالفشل. وتحذر الصحيفة من اقدام اسرائيل على خنق القطاع في ظل وجود حركة حماس، مطالبة بعدم التردد بالتنسيق مع ممثلي حماس والعمل على إعادة فتح المعابر الحدودية، في حال نجحت حماس في تقليص عمليات اطلاق الصواريخ على اسرائيل من قطاع غزة. ويرسم عكيفا الدار، كبير معلقي صحيفة النخبة " هآرتس "، سيناريوهين مفزعين لكل اسرائيل، في حال لم تتحرك حكومتها بخطوات حثيثة نحو التسوية. ويحذر من الإعتقاد السائد لدى بعض القادة والنخب الإسرائيلية أن ما حدث في قطاع غزة والضفة الغربية يعفي اسرائيل من التحرك لدفع عجلة التسوية السياسية. وفي مقال نشره في الصحيفة الاثنين الماضي، قال " اذا لم نسارع الى الاستيقاظ من هذا الحلم، ولم نستنقذ مما بقي من رؤيا الدولتين( التي طرحها الرئيس بوش )، فسنبقى في الحقيقة مع الاختيار بين الطاعون – نظام التمييز العنصري، وبين الكوليرا – جعل الدولة اليهودية دولة ثنائية القومية بين الاردن والبحر "، على حد تعبيره.والذي يبعث المرارة أن النخب المثقفة في الكيان المحتل تدرك أن أبو مازن وحكومته وقيادات فتح التي تواطأت ضد حكومة الوحدة أصبحت مدينة لإسرائيل ببقائها في الضفة الغربية، الأمر الذي يمكن تل ابيب من ابتزاز تلك الحكومة. وقد عبر عن ذلك المستشرق الإسرائيلي جاي باخور الذي يقول في مقال نشرته الاحد الماضي في صحيفة " يديعوت احرنوت " " مجرد وجودنا في الضفة يبقي على قيد الحياة حركة فتح. فاذا خرجنا، لانتهت نهاية تامة، ولكان التيار الاسلامي سيجرف الضفة ايضا ". ويضيف في عبارة لا تخلو من التشفي " هذه هي الحالة الشاذة الوحيدة في التاريخ البشري التي يساعد فيه الاحتلال احد تيارات الشعب المحتل "، داعياً الى عدم اطلاق كلمة الاحتلال على الوجود العسكري في الضفة الغربية، معتبراً أن هذا الاحتلال يخدم بقاء حركة " فتح ".

 

بؤس الرهان على أبو مازن

 

لكن هناك من المعلقين في إسرائيل من يرى أنه من غير الطائل الرهان على ابو مازن وحكومته الجديدة. ويختلف رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية الأسبق الجنرال شلومو غازيت، مع الرؤى السابقة التي عبر عنها البرفسور زئيفي، معتبراً أن حركة فتح والرئيس الفلسطيني ابو مازن اصبحا من مخلفات التاريخ. ويضيف في مقال نشره في صحيفة " معاريف " الإثنين الماضي " لا ينبغي أن نعتمد على قيادة وعلى حركة فلسطينية خلّفها المستقبل وراءه ". ويضيف أن اسرائيل ارتكبت خطأ كارثياً عندما اعتقدت أنه بممارستها الضغط على الشعب الفلسطيني، فأن هذا سيؤدي الى انفضاض الجمهور الفلسطيني عن حركة حماس، مشدداً على أن التجربة دللت على أن العكس هو الذي حدث تماماً، منوهاً الى أن السياسات الإسرائيلية كان لها دور كبير في تحقيق حماس للنصر الكاسح في الانتخابات التشريعية الأخيرة. ويستخف غازيت بالدعوات التي تصدر عن بعض القادة الإسرائيليين الذين يطالبون باعادة الحكم المصري الى غزة والاردني الى الضفة من أجل محاصرة حركة حماس والتيار الاسلامي، قائلاً " لا نوهمّن أنفسنا أنه يمكن إرجاع عقارب الساعة اربعين سنة الى الوراء. لن تعود الضفة الغربية الى سيطرة الاردن، ولن يعود المصريون للسيطرة على قطاع غزة، سنضطر الى إخراج حبات الكستناء من النار بأيدينا ". وشن سيفير بلوتسكر كبير معلقي صحيفة " يديعوت احرنوت " هجوماً عنيفاً على القيادات الاسرائيلية التي تطالب بتقديم الدعم لابو مازن، متهماً اياها بالعيش في " الوهم الذاتي ". واضاف بلوتسكر أن اسرائيل ترتكب خطأً كبيراً عندما تراهن على تقديمها الدعم لفتح في الضفة على اعتبار ذلك مصلحة لها، معتبراً أن حركة " فتح " حركة متعفنة، ولا أمل في دعمها، واصفاً ابو مازن بزعيم " من ورق ".ويتفق الكاتب الشهير يارون لندن في مقال نشرته له اليوم صيحفة " يديعوت احرنوت "، مع ما ورد في مقال غازيت، قائلاً أن اسرائيل ليس بوسعها التأثير على ما يجري في الساحة الفلسطينية. ويعتبر أن الجدل الإسرائيلي المحتدم حول سبل التأثير على الواقع الفلسطيني الداخلي " أنما يأتي للتنفيس عن الضائقة " التي تعيشها اسرائيل، معتبراً أن هذا الجدل " يخفف عن الضمير الجماعي لانه يغفر لنا اخفاقاتنا. لماذا نشعر بمشاعر الذنب، اذا كنا لا نعلم ماذا كان سيحدث لو سلكنا سلوكا مغايراً "، على حد تعبيره. وخلص لندن الى أن العبرة الوحيدة التي يتوجب على اسرائيل استيعابها مما حدث هو أنه يتوجب عليها الأخذ " بنظرية الضرورات، التي تقترح مواجهة الاسئلة المُلحة لا الاسئلة الكبيرة ".

 ومثل من سبقه ينتقد تسفي بارئيل، معلق الشؤون العربية في " هآرتس " الحماسة التي أبدتها كل من اسرائيل والإدارة الأمريكية في تأييد حكومة الطوارئ التي أمر بتشكيلها ابو مازن. واعتبر بارئيل أن التوجه الإسرائيلي الأمريكي يهدف الى اللعب على وتر تقسيم المناطق الفلسطينية الى ضفة وغزة، وكأن الضفة الغربية بعد وصول المساعدات الاقتصادية لها ستصبح " جنة عدن "، بينما يتحول قطاع غزة الى جهنم. ويعتبر بارئيل أن اسرائيل ستفشل في النهاية في فصل الضفة عن القطاع، واصفاً رهانها على ذلك بأنه أشبه بالخطى المتسرعة الفزعة التي ترمي الى تصويب الخلل الذي حصل اكثر من كونها تعبيرا عن سياسة ذات رؤية واضحة ". ويشير بارئيل الى أن حكومة فياض ليس بإمكانها تبني سياسة الاجحاف أو التمييز ضد منطقة قطاع غزة فقط لانها خاضعة لحماس، لأن الفلسطينيين سيرون في خطوة ابو مازن الذي يعتمد على الدعم الاسرائيلي والأمريكي بأنها " عمل خياني ". في نفس الوقت ينوه بارئيل الى أن حكومة الطوارئ الجديدة لا تستطيع أداء دورها على المدى الزمني من دون مصادقة البرلمان الفلسطيني الذي تعتبر أغلبيته من افراد حماس المسجونين في اسرائيل.

 

 

الدور العربي الحاسم

لكن القضية التي ليست مثار جدل في إسرائيل هي حقيقة أن اسرائيل بحاجة للدول العربية من أجل اطباق الخناق على حركة حماس.فالجنرال عاموس جلعاد مدير الدائرة السياسية الأمنية في وزارة الحرب الإسرائيلية، والذي كان مسؤولاً عن تحديد قوائم المرشحين للتصفية من بين قادة وعناصر حركات المقاومة الفلسطينية؛ يقول أن إسرائيل تحتاج  أكثر من أي وقت مضى لمساعدة الدول العربية، وتحديداً مصر في مواصلة خنق حركة حماس. ويعتبر جلعاد أن اسرائيل والدول العربية " المعتدلة " تمضي في نفس السفينة في مواجهة الحركة الإسلامية.

من ناحيته يكشف بن كاسبيت كبير المعلقين السياسيين في صحيفة " معاريف " عن أن عدداً من الدول العربية ارسلت مبعوثين سريين الى تل ابيب للتباحث مع الحكومة الاسرائيلية حول سبل تنسيق المواقف في اعقاب سيطرة حماس على قطاع غزة. وضاف كاسبيت في تقرير نشره اليوم الاثنين في الصحيفة أن احداث غزة مهدت الطريق أمام ارساء علاقات استراتيجية بين اسرائيل والدول العربية والاسلامية المتعدلة، مشيراً الى أن هذا العلاقات تجد تعبيرها في الاتصالات التي يجريها قادة الدول العربية سراً مع قادة إسرائيل منذ سيطرة حماس على غزة. ويوجه كاسبيت انتقاداً حاداً للرئيس الأمريكي جورج بوش، معتبراً أن سياساته الحمقاء هي التي أدت الى وجود حركة حماس في دائرة العمل السياسي. واعتبر أن اصرار بوش على عملية الدمقرطة قادت الى فوز حركة حماس وتجذير مكانتها في المنطقة.

 

نشر في موقع الاسلام اليوم بتاريخ 18-6-2007

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر