موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
حماس....... في إختبار الجدارة!!!

**

كما السهم، انطلق شاب وسيم في مطلع العشرينات من عمره، يرتدي هنداماً أنيقاً، مسرعاً في البهو المفضي إلى صالة الإجتماعات الكبيرة التي تتوسط الطابق الرابع من ديوان رئيس الحكومة الفلسطيني المقال اسماعيل هنية في شارع " أحمد عيدية "، الذي يربط حي النصر، بمدينة غزة بمخيم " الشاطئ " للاجئين حيث يقطن هنية، وهو يحمل كومة من الأوراق، بينما كان كل من الدكتور أحمد يوسف المستشار السياسي لهنية والدكتور غازي حمد الناطق بلسان الحكومة يقفان في طرف البهو وكل واحد منهما يهمس في أذن الآخر. وفجأة  اندفع وائل عبد الواحد مدير مكتب هنية ليتفقد بنفسه صالة الاجتماعات، في اشارة الى قرب وصول الوزراء للقاعة، وبالفعل ما هي إلا بضع دقائق حتى توافد الوزراء على القاعة لحضور جلسة طارئة للحكومة، ودخل هنية القاعة وهو يتأبط وزير الصحة والشباب في حكومته الدكتور باسم نعيم. هذا المشهد الذي كان السبت الماضي يوحي على الأقل لأول وهلة، بأن هناك ثمة حكومة تعمل وفق برنامج عمل. الدكتور احمد يوسف ، يقول أن الحكومة تمارس عملها بوصفها الحكومة الشرعية، ويشير الى أنه خلال اجتماعات الحكومة يتم مناقشة اعمال الوزارات المختلفة، منوهاً الى أن الحكومة تحرص على اعطاء الأولوية للحفاظ على الأمن، ووضع حد للفلتان الأمني. وفي حديث مع " الأهرام ويكلي "، أشار يوسف الى أن الحكومة تحرص على قيام الوزارات بعملها اليومي من خلال تزويدها باستخدام كادر بشري للتعويض عن الموظفين الذين يتغيبون عن اعمالهم، مشيراً الى الحكومة أقرت خطة للقيام بعدد من المشاريع لتوظيف آلاف العاطلين عن العمل، لإستخدامهم في حملات لتنظيف القطاع وتشجيره، مشدداً على أن حكومة هنية واثقة من توفير المرتبات لهؤلاء الموظفين، منوهاً الى أنه بسبب الظروف الجديدة، فأن هنية يصر على تلقي تقارير يومية من كل وزارة عن كيفية إدارة أعمالها. حماس ترى نفسها في إختبار للجدارة والأهلية لحكم غزة، وبالتالي فهي معنية أن تثبت أنها " الأنسب لإدارة شؤون القطاع ". فجر أمس الإربعاء حدث ما يشكل دليلاً على صدقية حماس، عندما نجحت الحركة في وضع حد لاختطاف الصحافي البريطاني آلان جونستون الذي امتد لأربعة اشهر. عدد من الصحافيين الذين كانوا في استقبال جونستون في منزل هنية الساعة الخامسة من فجر أمس الأربعاء كانوا من اشرس المنتقدين للحركة، لكنهم مع ذلك أكدوا أن الحركة نجحت في إختبار الجدارة بشكل فاق كل التوقعات. احد الصحافيين الفلسطينيين قال  ل " الأهرام ويكلي " أن تحرير جونستون بشكل سلمي  يعد " انجازاً امنياً لحركة حماس وتاكيد على قدرتها على فرض الامن في القطاع الذي شهد في الاعوام الاخيرة حالة من الفلتان الامني ".

من ناحية ثانية يقول يوسف أن الحكومة تواصل عملها كالمعتاد وضمن ذلك جاء قرار هنية بنشر عناصر الامن الفلسطيني على الحدود المصرية الفلسطينية، منوهاً الى أن هذه الخطوة اتخذت بناء على طلب من الحكومة المصرية لقطع الطريق على الأطراف التي قد تحاول استغلال الاوضاع من أجل التأثير سلباً على العلاقة مع " الأخت الكبرى مصر ". ولا يعتبر يوسف أن هذا القرار يحمل دلائل سلبية إزاء نوايا حماس تجاه الحوار مع ابو مازن. وقال " حركة حماس معنية بالحوار مع حركة فتح ومع الرئيس ابو مازن "، مستدركاً أن الحوار يجب أن يتم لكن بدون شروط مسبقة. وحول مطالبة عباس لحماس بالاعتذار كشرط للبدء في الحوار معها، قال يوسف أن الإصرار على مثل هذه الشروط يعني أن الحوار لن يجري مطلقاً، مؤكداً في الوقت ذاته أن كلاً من الحكومتين المصرية والسعودية أبديتا استعداداً للتوسط من أجل الشروع في الحوار.

وبالنسبة لحماس، فأن جهودها لتثبيت دعائم حكمها في غزة لا يعني بحال من الأحوال ترك خيار المقاومة. ويقول صلاح البردويل الناطق بلسان كتلة حماس البرلمانية ل " الاهرام ويكلي " أنه لا يوجد ثمة معضلة في التوفيق بين بين كون حركة حماس حركة مقاومة، و كونها تتولى الحكم، منوهاً الى أنه حال ظلت إسرائيل ترفض الموافقة على اقامة  دولة فلسطينية في حدود العام 67، فأنه لن يكون أمام حماس وغيرها من الفصائل الفلسطينية، إلا مواصلة طريق المقاومة.

من ناحية ثانية ورغم الحصار، فأنه الهيئات والمنظمات الإغاثية العاملة في غزة لا تتوقع حدوث مجاعة في غزة. قرار حكومة الطوارئ بالشروع في صرف رواتب لحوالي 140 الف موظف من موظفي السلطة، وتأكيد حكومة هنية على التزامها بدفع الرواتب لبقية الموظفين يعني أن الأوضاع الإقتصادية في غزة مرشحة للتحسن. لكن عدنان أبو حسنة الناطق بلسان وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين التابعة للأمم المتحدة " أنروا "يحذر من أن كارثة إنسانية ستكون محققة في المستقبل في حال لم يعمل معبر " المنطار " التجاري الذي يتم عبره استيراد البضائع والسلع للقطاع بكامل طاقته. ويشير في حديث مع " الأهرام ويكلي " الى أن إسرائيل تسمح بدخول المواد الغذائية الأساسية، مثل الطحين والسكر والرز، وغيرها، لكنها في المقابل تمنع دخول المواد الغذائية غير الأساسية، وبعض متطلبات البنى التحتية في القطاع، مثل مواد البناء وغيرها. والى جانب " الأنروا "، فأن هناك عدد كبير من الجمعيات الخيرية التي تكاد تكون جميعها مقربة من حركة حماس. فكما يقول علي نصار، المسؤول في جمعية الصلاح الإسلامية ل " الأهرام ويكلي "، فأن مؤسسته  قدمت مؤخراً اكثر من 80 الف طرد غذائي للمعوزين، و تتكفل ثمانية الاف يتيم، بالاضافة الى قيام المراكز الصحية التابعة لها بتقديم الخدمة لأكثر من 1000 مريض يومياً بأسعار رمزية، الى جانب قيامها ببناء منازل للفلسطينيين الذين تدمرت منازلهم في الاجتياحات الاسرائيلية، وتقديم مساعدات مالية للمزارعين الذين يقوم جيش الاحتلال بتدمير مزارعهم. ومما لا شك فيه أن الفراغ الذي تملؤه المؤسسات الخيرية المقربة من حماس يساهم في تعزيز علاقتها بقطاعات كبيرة في المجتمع الفلسطيني.

اللافت للنظر أنه على الرغم من الأوضاع الإقتصادية الصعبة ، إلا أن شعبية حماس ورئيس الحكومة المقال اسماعيل هنية تعاظمت بشكل كبير ولافت. فحسب استطلاع للرأي العام نشرته صحيفة " القدس "، أوسع الصحف الفلسطينية انتشاراً والمقربة والممولة من ديوان أبو مازن،  في عددها الصادر بتاريخ 3-7- 2007فأنه  في حال اجريت انتخابات رئاسية حالياً فأن هنية سيحصل على الأغلبية المطلقة للأصوات بواقع (51.38 % ) من اصوات الذين استطلعت آراؤهم، في حين لم يحصل ابو مازن سوى على  أصوات (13.37 % ) من الأصوات؛ بينما حصل  القيادي البارز في حركة فتح مروان البرغوثي 12.62 %، ورئيس حكومة الطوارئ سلام فياض على  (4.99%).

لا يعتبر الباحث والأكاديمي ابراهيم ابو الهيجا أن نتائج الاستطلاع مفاجأة، رغم الشعور بانعدام اليقين ازاء المستقبل، والحملة الإعلامية الشعواء التي تشنها الدوائر المقربة من ابو مازن والتي تصف حماس وقادتها بأنهم مجموعة من " الإنقلابيين والظلاميين والخونة "، وغيرها من الأوصاف. ويشير أبو الهيجا في حديث ل " الأهرام ويكلي " الى عاملين أساسيين ساهما في تعاظم التأييد لحماس ولهنية، وهما: الإحتضان الإسرائيلي الأمريكي لأبو مازن، الذي أظهره في صورة المتعاون مع الاحتلال، الى جانب نجاح حماس في اختبار الجدارة بتحقيقها تحسن غير مسبوق في الأوضاع الأمنية في غزة بعد سيطرة حماس عليها.

 

مقال نشر باللغة الإنجليزية في صحيفة " الاهرام ويكلي " المصرية

رابط المقال : http://weekly.ahram.org.eg/2007/852/index.htm

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر