موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
إستراحة ....مقاتلين.....أم أموات ؟!!

شهدت الأراضي الفلسطينية مؤخراً عرضاً مسرحياً سخيفاً، متمثل في قيام بعض من يطلقون على أنفسهم " مطاردين " بالتوجه الى مراكز الشرطة الفلسطينية في مدن الضفة الغربية وتسليم أسلحتهم والتوقيع على تعهد بالتوقف عن المشاركة في عمليات المقاومة ضد الاحتلال، مقابل أن تتوقف إسرائيل عن ملاحقتهم. وحتى يكون هذا العرض المسرحي مهيناً للفلسطينيين وقضيتهم، فقد أطلقت حكومة الاحتلال على هذه الصفقة الخاسرة مصطلح " العفو عن المطلوبين ". وهذا عرض مسرحي وغير حقيقي، لأن الأغلبية الساحقة من هؤلاء " المطاردين " ليسوا مقاومين أصلاً، بل عناصر في أجهزة الأمن التابعة للسلطة، انتحلوا صفة " المطاردين "، لكي يعيثوا فساداً وإفساداً في الأرض، وليكونوا أدوات رخيصة في أيدي قادة أجهزة الأمن التابعة لأبو مازن، فيقومون بالأعمال القذرة بحجة أنهم مطلوبون للاحتلال. فمن أصل 180 " مطارد " الذين وردت اسماؤهم في قائمة " العفو " الإسرائيلية، فأن عدد الذين لهم علاقة بالعمل المقاوم قليل جداً.ولعلنا هنا نضرب مثالاً على هؤلاء " المطاردين "، وهو المدعو " ابو جبل "، من نابلس، حليق الرأس الشهير، الذي عرضت شاشات التلفزة صوره وهو يقوم بإختطاف قادة وشيوخ حركة حماس في نابلس ويهينهم، في الأحداث الأخيرة، ممتشقاً رشاش " الجاليلي " الإسرائيلي الصنع؛ وهو الذي لم يتورع عن اصطحاب فريق تصوير للقناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي لكي ينقلوا على الهواء مباشرة عمليات خطف نشطاء حماس، وذلك لطمأنة الرأي العام الإسرائيلي أن هناك ثمة شريك فلسطيني حقيقي لإسرائيل في حربها ضد المقاومة. وأبو جبل الذي اعترف أنه ينتسب لأحد الأجهزة الأمنية، لم يطلق في حياته رصاصة واحدة على جنود الاحتلال الذين يقتحمون مدينة نابلس والمخيمات المتاخمة لها يومياً.  صفقة " العفو " المهينة التي توصلت إليها حكومة أبو مازن مع حكومة الاحتلال جاءت بشكل أساسي لتشويه مقاومة الشعب الفلسطيني وتاريخه. فهل يعقل أن مقاومين للاحتلال يؤمنون بعدالة قضيتهم وطهر رسالتهم يوافقون على طلب " العفو " من المحتل الذي يحتل أرضهم ويستبيح مقدساتهم. لكن وراء الأكمة ما وراءها، فإسرائيل وأبو مازن لا يريدان في الحقيقة أن يستقيل هؤلاء من المقاومة، لأنهم لم يكونوا يوماً من الأيام جزءاً منها، لكنهم يريدون من خلال هذا العرض البائس استدراج المقاومين الحقيقيين لهذا المستنقع الآسن، ليوافقوا على صفقة " العفو " المهينة. فقد أكد الشيخ وليد العبيدي، قائد " سرايا القدس "، الجناح العسكري لحركة " الجهاد الإسلامي " في شمال الضفة الغربية أن مكتب وزير الداخلية الفلسطيني عبد الرزاق اليحيى قد اتصل بأحد قيادات الجهاد في جنين وعرض عليه أن يقوم قادة وكوادر " السرايا " بتسليم أسلحتهم للأجهزة الأمنية التابعة لأبو مازن، ويتعهدوا بوقف المقاومة، مقابل أن توقف إسرائيل ملاحقتهم، فرفضت حركة " الجهاد " بقوة. في نفس الوقت، فأن قائمة المطلوبين المعفو عنهم إسرائيلياً تأتي لاستدراج العشرات من نشطاء حركة " فتح " الذين يمارسون المقاومة بحق في أرجاء الضفة الغربية. أما نشطاء حركة " حماس " في الضفة الغربية فأن أجهزة الأمن التابعة لأبو مازن تعالجهم بطريقتها الخاصة، عن طريق الاختطاف والتعذيب والملاحقة، فعلى سبيل المثال تعكف أجهزة أبو مازن على استدعاء المئات من عناصر حماس واستجوابهم للتحقيق معهم حول امتلاكهم للسلاح. أي أن أبو مازن وحكومته وأجهزته الأمنية يخططون لتخليص إسرائيل من مصادر التهديد الممثلة في المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية عبر استخدام العصا والجزرة. فمن أجل أن تضمن عدم عودة أي مقاوم حقيقي للمقاومة، فأن حكومة أبو مازن تدفع لكل مقاوم يسلم سلاحه مبلغاً من المال، وهذا أسلوب آخر من أساليب الإفساد. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا:  إذا أوقفت المقاومة للاحتلال في الضفة الغربية، فكيف سيكون بامكان الشعب الفلسطيني مواصلة التصدي للاحتلال هناك ؟. كيف سيتسنى اقناع الإسرائيليين بوقف الاستيطان وازالة جدار الفصل العنصري وتهويد القدس. المتحدثون بإسم حكومة أبو مازن يقولون أن هذه الخطوة تأتي لإفساح المجال أمام الجهود لحل الصراع بالوسائل السياسية. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف سيكون بالإمكان التوصل لتسوية في الوقت الذي ترفض فيه إسرائيل الانسحاب من الضفة الغربية وتطبيق قرارات الشرعية الدولية المتعلقة باللاجئين، والقدس، وغيرها ؟. أن أبو مازن ورئيس وزرائه يدركان حقيقة المواقف الإسرائيلية، لكن للأسف الشديد أن خطوة أبو مازن الأخيرة تندرج أيضاً في إطار المواقف الكيدية ضد حركة حماس في اعقاب سيطرتها على قطاع غزة، فكما هو واضح فأن هذه الخطوات تأتي في سياق محاولة استرضاء المحتل الإسرائيلي لمواصلة تقديم الدعم لأبو مازن ضد حركة حماس. أن هذا السلوك بالإضافة الى كونه غير وطني وغير اخلاقي، فأنه لن يسفر عن النتائج المرجوة، فطالما ظل الاحتلال جاثما على قلوب الفلسطينيين، فأن المقاومة ستتواصل. من المؤسف أن البعض يحاول اضفاء تبريرات منطقية على صفقة " العفو " المخزية، بالقول أنها تمثل " استراحة مقاتل ". أن هذا المصلطح الملغوم الذي يحاولون تسويقه مضلل، فاستراحة المقاوم المقاتل، تعني بالضرورة تعزيز وتقوية للمحتل. فإستراحة المقاتل تمكن المحتل من مواصلة تنفيذ مشروع الاستيطان والتهويد، وفي ظل ظروف مريحة جداً له. من هنا، فأن استراحة المقاتلين تمثل في الحقيقة إستراحة الأموات.

 

نشر في مجلة الإسلام اليوم بتاريخ 19-7-2007

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر